تونس في منعرج إجراءات إصلاحية مؤلمة لكنها ضرورية

الأحد 2017/12/10
حرب لا عدول عنها لفتح الأبواب المغلقة

تونس - تعهد رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد السبت، بمواصلة الحرب على الفساد خلال عام 2018، واصفا إياها بـ”أم المعارك” بعد حملة تشكيك من قبل جهات لم يحددها.

وجاءت تصريحات الشاهد على هامش اختتام أعمال المؤتمر الثاني للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (دستورية مستقلة)، والذي أنهى أعماله بحضور عدد من الوزراء والنواب والمنسق المقيم لمنظمة الأمم المتحدة في تونس دييغو زوريلا، إضافة إلى العشرات من الممثلين عن جمعيات وطنية ودولية وسفراء دول أجنبية.

ويرى مراقبون أن الحديث في تونس لا يكاد يتوقف في كل الأماكن تقريبا عن مسار الإصلاح الذي أعلنت الحكومة الدخول فيه مؤخرا ورافقته زيادة ملحوظة في الأسعار لم يقو التونسيون على مسايرتها، فيما يعلن الشاهد في كل مرة أنه لن يتراجع عن هذه الحرب التي قرر خوضها إلى النهاية.

وقال الشاهد “الحرب على الفساد في تونس ستتواصل خلال 2018 لاستهداف الضالعين والمشتبه بهم في قضايا فساد بمعية الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وكل الجمعيات والتونسيين رغم التشكيك وقوى الردة”.

وأضاف أن “مسألة محاربة الفساد لا تهم الحكومة فقط بل تشمل كل التونسيين، وهي أم المعارك”. وأشار إلى أن “الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والجمعيات المعنية بمكافحة الظاهرة لها دور كبير للمضي قدما في تلك الحرب”.

وفي مايو الماضي أطلقت الحكومة التونسية حملة إيقافات وتجميد أموال ممتلكات قرابة 20 رجل أعمال في إطار الحرب على الفساد التي شككت في جديتها أحزاب المعارضة.

ويتساءل الكثير من التونسيين يوميا عن الوضع الذي وصل إليه حال البلاد جراء حالة انفلات الأسعار والزيادة في الضرائب، فيما يردد آخرون عبارات من قبيل “انتظروا العام القادم”، في إشارة إلى أنه سيكون الأصعب على هذه الناحية.

وطالب شوقي الطبيب، رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، الحكومة برفع الدعم المسند لكل الهيئات المعنية بمكافحة الفساد.

وقال إن “الاستثمار في محاربة هذه الآفة (الفساد) مربح وذو جدوى مضاعفة لأنه استثمار في مكافحة التهميش والفقر ورافعة مهمة للتنمية”. وأكد الطبيب أن “قاطرة الانتقال الديمقراطي في تونس لن تعمل ولن يتجاوز الاقتصاد الوضعية الصعبة التي يواجهها، إذا لم تحارب ظاهرة الفساد بجدية”.

الاقتصاديون التونسيون لم يتفاجأوا من تصنيف الاتحاد الأوروبي بلدهم ضمن الجنان الضريبية حول العالم نظرا لتراخي الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في وضع رؤية شاملة للتصدي لظاهرة تبييض الأموال

ووقعت رئاسة الحكومة ورئاسة مجلس نواب الشعب (البرلمان) وممثل عن السلطة القضائية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والهيئة الوقتية للقضاء العدلي (مستقلة)، والنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين وممثل عن مكونات المجتمع المدني في ديسمبر 2016 الوثيقة الاستراتيجية الوطنية للحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد 2016-2020.

وأصدرت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في نوفمبر الماضي أول تقريرسنوي لمكافحة الفساد، أعلنت خلاله عن إحالة 94 ملف فساد للقضاء بين مايو وديسمبر 2016، بعد فرز قرابة 14 ألف ملف في خزائن الهيئة.

وبحسب التقرير ذاته، فقد نظرت الهيئة في 5308 ملفات منذ 2011 تعلقت بجرائم فساد واعتداء على المال العام خلال حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي (1987/2011) ورثتها عن لجنة تقصي الحقائق (مستقلة أحدثت في 2011)، تمت إحالة 47 ملفا منها على هيئة الحقيقة والكرامة (دستورية مستقلة) المعنية بالعدالة الانتقالية.

واستنادا إلى مؤشرات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية لسنة 2016، فقد حلت تونس في المرتبة الـ75 دوليا (على 176 دولة) والثامنة عربيا والأولى في المغرب العربي.

ويرى خبراء ومختصون أن علاج الأوضاع في تونس يتطلب صبرا إضافيا طويلا من التونسيين، فيما تتصاعد التحذيرات من الهياكل النقابية وصيحات المعارضة تحت قبة البرلمان منادية بعدم المساس بالأسعار.

ويرى مراقبون أن الشاهد الذي أعلن الحرب على الفساد والفاسدين ومضى فيها أشواطا مطالبا بخفض مستوى الأسعار وتحسين الظروف المعيشية للتونسيين، وهو مطلب يدرك الشاهد نفسه أنه لا حياد عنه في تونس.

ومنذ وصوله إلى رئاسة الحكومة كثف الشاهد من العمل على هذه الناحية وقام بإجراءات وصفت بالعاجلة انخفض معها منسوب الأسعار، لكنه سرعان ما عاود الصعود بفورة لم يتحمل وقعها الجميع.

ويرى خبراء في الاقتصاد أن الحكومة مطالبة أيضا بالتسريع في إصلاح حالة عليلة تعيشها قطاعات أخرى هامة تترنح تحت وطأة الخوصصة والتفويت، فيما يقر محللون بأن رئيس الحكومة واقع في تركيبة حكومية غير متجانسة وتلوح منعرجاتها تباعا مع كل طور يخوضه الشاهد لضخ دماء جديدة لروح الفريق العامل معه.

ولم يتفاجأ الاقتصاديون التونسيون من تصنيف الاتحاد الأوروبي بلدهم ضمن الجنان الضريبية حول العالم نظرا لتراخي الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في وضع رؤية شاملة للتصدي لظاهرة تبييض الأموال.

وعاشت تونس خلال الأيام القليلة الماضية حالة من الحراك داخل المشهد السياسي أعادت إلى الأذهان بوادر تشكل مشهد سياسي جديد. وهي ملامح يرى محللون أنها بدت واضحة نتيجة ائتلافات جديدة واصطفافات حزبية، وبروز أحزاب وجبهات جديدة وتوافقات ثنائية وعودة لأحزاب كانت معارضة ومنسلخة عن وثيقة قرطاج إلى صف الحكومة.

الإصلاح أي إصلاح كما أنه يحمل مساوئ، فهو أيضا يفتح باب الأمل للخروج من الوضع وتغييره نحو الأفضل

ويرى خبراء أن إيجاد توازن بين كل هذه المخاضات والتحولات التي تعيشها تونس هو بالتأكيد مهمة صعبة تضاف للحكومة في ظل ائتلاف في السلطة يجمع الإسلاميين والعلمانيين على دائرة المصالح، فيما تتربص النقابات في كل المنعرجات لزلة أو هفوة من الحكومة للتنديد والتشهير ودعم الحشد ضد الشاهد.

ولكن رغم كل ذلك وحفاظا على الهدوء الاجتماعي، يرى رئيس الحكومة أنه لا بديل أمامه سوى الحوار والنقاش مع اتحاد الشغل الذي توسط عام 2013 لإنهاء خلاف بين الإسلاميين والعلمانيين كاد يضع البلاد في منعرج حاسم لا يمكن تصور مآلاته.

ويرى مؤيدون للقرارات التي يتخذها الشاهد في كل مرة لمحاربة الفساد أن اتحاد الشغل الذي يعارض خفض الدعم ونهج الحكومة في الأسعار، مطالب هو بالمساهمة في إيجاد الحل والابتعاد عن سياسة مسك العصا من الوسط. ويعلّل هؤلاء رأيهم بأن طفرة غلاء الأسعار مرت بها العديد من البلدان وتعيشها بلدان أخرى وهي ضرورية في هكذا مرحلة من الإصلاحات، لكن ما يتوجب المطالبة به هو العمل وتكثيف الجهود لرفع مستوى النمو وتخليص البلاد من فجوة التضخم التي يعيشها القطاع الاقتصادي.

في المقابل، يبني المعارضون لنهج الإصلاح في تونس، ومن بينهم اتحاد الشغل، حججهم بأن الأسعار ملتهبة والمقدرة الشرائية للتونسيين تدهورت بشكل غير مسبوق ولم تعد قابلة لتحمل المزيد بعد وصول التضخم إلى 5.8 بالمئة الشهر الماضي.

ويرى هؤلاء أن معاناة التونسيين زادت مع استمرار هبوط قيمة الدينار المحلي مقابل اليورو والدولار بنحو 35 بالمئة منذ انتفاضة 2011. لكن وفق الخبراء والمختصين في الاقتصاد، فإن الساعة دقت الآن لملامسة جرح الإصلاح، فيما الصبر والتحمل هما منوالا الخروج الوحيدين من هشاشة الوضع وبناء معالم اقتصاد قوي في تونس.

والإصلاح أي إصلاح كما أنه يحمل مساوئ، فهو أيضا يفتح باب الأمل للخروج من الوضع وتغييره نحو الأفضل.

6