تونس كتاب تاريخ مفتوح أمام الإيطاليين

يحرص السياح الإيطاليون باستمرار على زيارة الأحياء القديمة لأجدادهم الرومان بضاحية قرطاج التاريخية، المدينة التي زاحمت يوما ما روما على زعامة البحر المتوسط، لتصبح في السنوات الأخيرة جنة للمتقاعدين على وجه التحديد.
الأحد 2017/12/03
استكشاف أرض مطمور روما

تونس - لا يكتفي الزوار الإيطاليون اليوم بزيارة مآثر أجدادهم في تونس كسياح فقط وإنما كسكان جدد في البلد الذي حمل لقرون طويلة لقب مطمور روما، أي مزود الإمبراطورية بالحبوب والمحاصيل الزراعية.

ومنذ أن سمح القانون الإيطالي الذي صدر عام 2007 للمتقاعدين الإيطاليين بالعيش خارج البلاد وتلقّي معاشاتهم في البلد الذي يختارون الاستقرار فيه، تحولت تونس إلى وجهة جاذبة للباحثين عن حياة مختلفة وبحدّ أدنى من التكاليف.

ومكّن القانون، ليس فقط في هجرة ما يناهز 5 آلاف متقاعد إيطالي للعيش في تونس، وإنما أيضا من تدفق التحويلات المالية باستمرار إلى البلد السياحي بشمال أفريقيا، الذي يعد الوجهة الثالثة لهذه الفئة بعد مالطا والبرتغال، وفق موقع “ايطاليا تسمّى إيطاليا”.

ومع استمرار التدفق بمعدل 500 متقاعد جديد كل عام فإن تونس مرشحة لأن تكون وجهة أولى في المستقبل.

ويقول رئيس الكنفدرالية الإيطالية للمتقاعدين أنجيلو سولازو أثناء زيارته لتونس على رأس وفد من السياح إن تونس بلد ثقافي متقدم وله ثقله في المنطقة ومع أنه بلد مسلم فهو يملك خصوصيات قريبة من المعايير الغربية.

وتوفر تونس سواحل جاذبة للسياحة وهو قطاع يمثل 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بالإضافة إلى الصناعات الغذائية ويمكن أن يعزز هذا الشراكة بين إيطاليا وتونس.

تونس تستقطب ما يناهز 5 آلاف متقاعد إيطالي، لتكون بذلك الوجهة الثالثة لهذه الفئة بعد كل من مالطا والبرتغال

ويعيش أغلب الإيطاليين قرب المنتجعات السياحية الشهيرة بتونس في مدن مثل الحمامات ونابل وجربة وسوسة والمهدية وضواحي العاصمة تونس.

ويستخدم أغلبهم اللغة الفرنسية المتداولة بكثرة بتونس، كما يمكنهم التواصل بلغتهم الإيطالية كونها شائعة على نطاق واسع بين التونسيين ولا سيما في المدن السياحية على ساحل المتوسط.

ورغم تداعيات الهجمات الإرهابية التي ضربت البلاد قبل عامين خاصة في متحف باردو وفندق “أمبريال مرحبا” بسوسة، فإن عدد السياح عاد ليسجل انتعاشا في تونس بعد فترة ركود استمرت أشهرا طويلة.

ويقول سهيل شعبان ممثل الوكالة السياحية التونسية بإيطاليا إن حوالي 100 ألف إيطالي قضوا عطلتهم السياحية في تونس هذا العام.

لكن خطط صناع السياحة في تونس تهدف إلى استقطاب المزيد من المتقاعدين الإيطاليين والأوروبيين، إذ أن هذه الشريحة تتميز بقدرة إنفاق أعلى من السياح الموسميين.

ولا يحتاج الإيطاليون في تونس إلى التفكير طويلا في البحث عن المطاعم المختصة في المطبخ الإيطالي، إذ تنتشر السباغيتي والبيتزا على نطاق واسع بالبلاد وبكلفة أقل بكثير من المطاعم الإيطالية.

ويمكن اقتناء البيتزا بنحو 2 يورو في المتوسط إلى 5 يورو بينما يصل سعر طبق السباغيتي إلى 4 يورو فقط. لكن الميزة الأكبر أن تونس تقدم حياة مثيرة وصاخبة بكلفة رخيصة، إذ لا يتعدى مثلا إيجار شقة مساحتها 80 متر مربع 200 يورو.

كما تقل أسعار الأدوية 70 بالمئة عن الأسعار الإيطالية وينخفض سعر البنزين إلى النصف كما تعتبر أسعار الغلال والخضر رخيصة.

وكون القانون يخوّل للإيطاليين بصرف 20 بالمئة من معاشاتهم في تونس، فإن هذه النسبة تعدّ كافية لتغطية تكاليف المعيشة في ظل تدهور قيمة الدينار أمام اليورو، فضلا عن أن نسبة ضئيلة من الضرائب يدفعها الإيطاليون مقارنة بما يحصلون عليه من بدلات.

وتقول ماريا لوشانتي التي قدمت من إيطاليا مع رفاقها إلى تونس وهي تتجول في المتحف الأثري بقرطاج “يمكن رؤية روما في كل مكان هنا. هذا أمر مذهل”.

وتؤكد ماريا لوكالة الأنباء الألمانية أن “تونس لا تمثل بلدا سياحيا فحسب ولكنها تقدم أيضا عدة مزايا مغرية لمن يرغبون في الاستقرار بها. هنا الطقس جميل”.

ويعتقد لوكا بالماس، وهو باحث جامعي إيطالي في علم الاجتماع جاء لزيارة قرطاج التاريخية مع عائلته أن استعادة السياحة التونسية لنسقها العادي تحتاج إلى علاقات أوسع وأسواق جديدة في العالم.

وقال بالماس إنه “يجب العمل على أن تكون هناك صناعة سياحية قوية وأن تحدد تونس السياحة التي تريدها”.

ولبلوغ خططها تعمل تونس على طمأنة الأسواق العالمية بعودة الاستقرار الأمني الكامل إلى مدنها بعد فترة عصيبة.

وقالت ماريا لوشانتي “صدمت مثل كل العالم لما حدث في متحف باردو. لكن الحياة عادت الآن إلى طبيعتها وكان على الإعلام الأوروبي ألاّ يركز على الجوانب السلبية فقط. فتونس لا تزال بلدا جميلا”.

كاتب تونسي

16