تونس: كلفة الاستعصاء الحكومي النقابي

من الواضح أن غضب القيادة الحالية للاتحاد، منصبّ ليس فقط على حكومة الشاهد بقدر ما هو منصبّ على المسلكية الرسمية في إدارة الشأن العام.
الاثنين 2019/01/21
الأزمة في مسار تصاعدي

إعلان الاتحاد العام التونسي للشغل الإضراب العام يومي 20 و21 فبراير القادم، يؤكد أن التباين بين حكومة يوسف الشاهد والمنظمة الشغيلة وصل إلى مستوى يصعب جسره، وأن الأزمة في مسار تصاعدي يعسر تصور تكاليفه السياسية والاجتماعية.

في الإعلان السريع عن تاريخ الإضراب العام الثاني، رسائل عديدة لأكثر من جهة. أولى الرسائل لرئيس الحكومة بأنّ المنظمة الشغيلة لم تغفر له عملية التسخير لجملة من الوظائف في الكثير من القطاعات الحيوية.

وثانيتها للترويكا الحاكمة بأنّ الأساس المطلبي لإضراب 17 يناير لا يزال صالحا لإضرابات قادمة. والرسالة الثالثة للرأي العام وقوامها أن الاتحاد لا يزال القوة الاجتماعية والنقابية الأقدر على التعبئة وتغيير موازين القوى.

المصادر من داخل المنظمة الشغيلة، تؤكد أن فرضية إعلان العصيان المدني لم تكن بعيدة عن الهيئة الإدارية، أو عن بعض قياداتها، وأن الخيار الذي تمّ ترجيحه وتفضيله تمثّل في رفع البطاقة الصفراء الأخيرة في وجه الحكومة إلى حين استجابتها للمطالب الاجتماعية والاقتصادية المعلنة.

في الأثناء لا تزال في جعبة الهيئة الإدارية للاتحاد أوراق احتجاجية تصعيدية، تؤكد من خلالها أن ما بعد 21 فبراير سيكون مختلفا عمّا قبله، وأن المنظمة التي استطاعت أن تقاوم كافة الفاعلين السياسيين وأن تقارع الزعامات الوطنية الكبرى على غرار الحبيب بورقيبة ومحمد مزالي، لن تتأخر في الانخراط في المكاسرة التفاوضية ضدّ سياسيي ما بعد 14 يناير ولا سيما من تتهمهم بالارتهان للمانحين الدوليين.

من الواضح أن غضب القيادة الحالية للاتحاد، منصبّ ليس فقط على حكومة الشاهد بقدر ما هو منصبّ على المسلكية الرسمية في إدارة الشأن العام، وضد السياسة الاقتصادية في الاقتراض من الخارج والتقتير والتفقير على الداخل، وهي منظومة كاملة استبدّت بالفاعل الرسمي بقدر استبداد الأخير بالأجير والعامل والفقير.

في المقابل تقف حكومة الشاهد ومعها الترويكا الجديدة، بين مطرقة المانح الدولي وسندان التصعيد المتسارع للخطوات الاحتجاجية للمنظمة الشغيلة، فليس لدى حكومة الشاهد الكثير من الخيارات البديلة لكي تستدر رضا المنظمة الشغيلة أكثر من تلك التي قدمتها في الدقائق الأخيرة من يوم 16 يناير السابق.

المفارقة أن مشروع الزيادة في الأجر، لم يكن إضافة في الأجر بقدر ما كان تقليصا من الحصة الضريبية، يعطي للأجير وهم الزيادة ليضرب في العمق الصناديق الاجتماعية ويستهدف حصة المتقاعدين ويقوض حقهم في التأجير الكريم. وما كان للحكومة أن تلتجئ إلى هذه الخيارات لولا خواء خزّانها الاقتصادي من البدائل والخيارات، ولولا ثقل يد صندوق النقد الدولي على هامش تحركها ومناوراتها الاجتماعية.

في الأثناء، تُسقط الحكومة كما المنظمة الشغيلة من حساباتهما، أمرين غاية في الأهمية. الأمر الأول أن تكلفة المكاسرة الحالية باهظة سواء في مستواها المادي أو الرمزي، فالخسارة الاقتصادية ليوم من الإضراب العام قد تغطي مظلة الزيادة المطلوبة. أما الخسارة المعنوية لصورة دولة قادرة على استقطاب الاستثمار وتأسيس السلم الاجتماعي واجتذاب رؤوس الأموال، فيبدو أنّ تكاليفها كبيرة على المجموعة الوطنية خاصة في ظل وجود دول منافسة تستثمر من ضعف وتآكل القوة الناعمة التونسية.

أما الأمر الثاني، فمرتبط بابتكار مسلكيات رفض اجتماعي ضد المطالب النقابية وضد إدارة الحكومة للأزمات. هنا يظهر فاعلون جدد على غرار الحراك التلمذي المتطور والمتصاعد في أكثر من معهد ومن محافظة، تنديدا بالاستعصاء الحكومي النقابي، الذي يكاد يذهب بمستقبلهم الدراسي وبحقهم في التحصيل العلمي وفي سنة تربوية عادية.

وهذا الفاعل الاحتجاجي الجديد يعبر عن المشاغل العميقة للكثير من القطاعات الشعبية التي ترى أن الصراع الحكومي النقابي طال أكثر من اللازم وأصبح له الكثير من التداعيات الرمزية ناهيك عن الخسائر الماديّة.

تدفع تونس فاتورة التأخر في تأسيس مجلس للحوار الاجتماعي الاقتصادي، وتكلفة عدم مأسسة الحوار الوطني سواء في شكله الرباعي السابق أو في شكل جديد متناسب مع الرهانات القائمة. والأهم أنها تدفع من مستقبلها تداعيات اللهث وراء الكراسي والاستعدادات للانتخابات القادمة والانخراط المبكر في الاستحقاقات الانتخابية. تونس تحتاج إلى طبقة سياسية أفضل، وإلى وعي سياسي أعمق.

9