تونس: لا حكام بل معلمون

الأربعاء 2014/12/03

انعقدت أمس، الثاني من ديسمبر، أول جلسة لمجلس نواب الشعب التونسي الجديد، وأدّى النواب القسم وتكوّن مكتب المجلس، بينما الصّراعات والمؤامرات والمشاورات والمزايدات والمساومات على أشدّها، في السرّ والخفاء، داخل المكاتب، وفي الممرّات والدّهاليز، لكن بعيدا عن الشعب صاحب الحق في كلّ ذلك.

الشّعب الذي اعتنق فلسفة قبول الواقع بما يأتيه، والتعامل معه بما تمليه الظروف، مُتّبعا بوضوح المقولة الشعبية التونسية التي مفادها: “من يتزوّج أمّي هو أبي” إنّها بلا جدال مثال الحكمة والتعقل، وإنها ليست سوى ما يسمّى براغماتيّة. نعم براغماتية شعبية، جماعية، يملي بها الحدس الذي يصيب ولا يخطئ فيتّبع صاحبُه سواءَ السّبيل.. لقد تجلّى هذا واضحا، بيّنا، معبّرا، في الانتخابات الأخيرة التي جرت في تونس، بتشريعيتها ورئاسيتها، فأفضت إلى نتائج تحمل مجموعة من الرّسائل والتنبيهات لكلّ الذين اختاروا لأنفسهم مقعدا سياسيا، يوصلهم إلى حيث الرّئاسة والقيادة وتحمّل المسؤولية. رسائل كثيرة، بليغة، واضحة لمن يحسن قراءة نتائج الانتخابات، وتكفيه الإشارة، لأنّ اللبيب بالإشارة يفهم.

أوّل هذه الإشارات هي امتناع أكثر من مليوني مواطن ومواطنة عن التسجيل، فالتصويت، وهذا يعني ثلث الناخبين تقريبا، فلابد من البحث عن السّبب أو الدّواعي، التي ما ظهر منها هو السّأم وانعدام الثقة، والباطن مجهول عسى لم تكن غايته إفشال العملية الانتخابية. الإشارة الثانية قلة المساهمة الشبابية أو غيابها، في بلد فتي، نصف أهله من الشباب. هنا أيضا يُحتّم التوقف والتبصّر، لأنّ المستقبل عماده الشباب، الذي إن فقد حماسه، وضعفت ثقته وإرادته، صعب البناء والتقدم والتشييد.

ثالثة الإشارات هي عدم منح أغلبية مطلقة لأحد، حزبا كان، أو مرشحا للرّئاسة، تعبيرا عن خوف من أشباح الماضي، وشكوكا في نوايا المستقبل. يكفي استعراض تصريحات المرّشحين أو الناطقين باسم حزب أو مرشح، لملاحظة تكرار العموميات من الجميع، حتّى كان كلاهم صدى للآخر، وساد انعدام الوضوح، وضبابيّة الرّؤيا. فلا برامج، ولا تخطيطات، ولا مشاريع محدّدة، سوى ترديد جلب الاستثمار الخارجي الذي يربطه العقل الباطني بالماضي البعيد والقريب، بتدخلاته الخارجية ومآسيه داخليا، وما عهد مظاهرات الخبز ببعيد.

لقد عبّر الناخب التونسي بكلّ وضوح وتبين، عن رأيه ومشاعره التي طغى عليها اليأس وزوال الحماس، وهذا يفرض على “المتطوّعين” لتحمّل المسؤولية القيادية النبيلة، العظمى، الصّعبة، الثقيلة، المتشعّبة، أن يراجعوا أنفسهم، ويدققوا برامجهم، إن هم أعدّوا برامج، وأن يعملوا بمفهوم عبارة، كثيرا ما ردّدتها، لإيماني بفحواها وجدواها، وهي أنّ البلدان “السّائرة في طريق النموّ”، أو “النامية”، أو غير ذلك من التسميات المليئة نفاقا وتضليلا، إنما هي في الحقيقة وفي باطن قائليها، ليست إلا بديل “متأخّرة”، فهذه البلدان سُمّيت ما سُمّيت، وأيّا كانت النّعوت التي ينعتونها بها، عالمة كلّ العلم بحالها ومستواها، لذا هي ليست في حاجة إلى حُكّام، بل هي تحتاج إلى مربّين. نعم تريد وتحتاج إلى معلّمين، وهذا يعني قادة ومسؤولين يكونون قُدوة، لأنّ المربّي أوالمعلّم هو بشكل ما، قائد ومسيّر ورئيس، وهو في نظر تلاميذه وطلبته، المثل الأعلى هنداما، ولغة، وسلوكا. بكلّ هذا وبغيره أكثر، يجب على من يتصدّر لمسؤوليات قيادية، أن يتحلّى به، ومثل المعلم، لا يهزأ ولا يهمل رأي التلميذ أو الطالب، ويعمل به إذا صلح وناسب الحال والوضع، لأنّ الطالب هنا شعب بأسره، والشعوب لا تتفق على ضلال، ثمّ إنه يوجد في النّهر ما لا يوجد في البحر.

ليس من الصّعب، أن يتساءل المرء عن كيفيّة صيرورة الحاكم معلّما. هذا هو بيت القصيد. إنه في البلدان المنعوتة بما تقدّم من نعوت وأوصاف، يُفرض على من يتولّى أيّ مسؤولية فيها، أن ينسى أنّه حاكم، ويتذكّر، وليكتب في لافتة تقابله فوق مكتبه، أنه مندوب من الشعب، لإدارة شؤونه أو البعض منها، فهو إذن، مكلّف بمهمة من طرف الشعب، فعليه أن لا ينسى أنه بتلك الحالة خادم الشعب.

هذه لعمري عقليّة، يسميها البعض ثقافة، علينا جميعا أن نتثقّف بها ونتعلّمها ونتحلّى بمزاياها. لأنّ عيبنا الأكبر، قد يكون مأتاه الظّمأ إلى الحرّية التي كانت مفقودة، وإلى التّقدّم الذي نشعر بتأخّرنا عن قافلته، فنريد الإسراع، عيبنا هو محاكاة وتطبيق من سبقونا بلا اقتباس أو تكييف. إنّ ما يطبّق في السويد أو الدانمارك، وينطبق عليهما مثلا، لا يمكن بأي حال نقله بحذافيره إلى مجتمعاتنا وتطبيقه عليها، إلا بعد إعدادها لذلك. وهنا تأتي الصّعاب.

الإعداد المطلوب، والتثقيف الجديد، يبدأ في القمّة، أي لدى القادة والمسؤولين، ثمّ يأخذ بالتدرّج والإنتشار حتى يعمّ الشعبَ باسره. غير أنّ هذا الإعداد أو الاستعداد أساس النّجاح في توطيده، ليس سوى تخطيط محكم، وبرمجة منظمة، وشمول جامع. إنّه يبدأ بمحو الثقافة الموروثة عن سنين القهر والظلم، ولو بقوانين رادعة لمن يأبى الامتثال، وبإبلاغ شامل متواصل مستمر، لشروط وقواعد الثقافة الجديدة، إبلاغ يتمّ بإعطاء المثل، تعبيرا وسلوكا، ممّن هم في الصّدارة وبارزون، وبحملات توعية وتنوير، يكون للإعلام دور كبير فيها. دور يفرض على الإعلاميّين أن يصبحوا هم أيضا معلّمين، لا يكتفون بنقل المعلومات والأخبار، بل أوّل واجباتهم ومسؤوليّاتهم، المهنية والوطنية، هي العمل على توعية الجماهير، لإزالة ونبذ الثقافة السيئة الموروثة عن عهود ولّت، وتلقينها مبادئ وشروط وأخلاق الثقافة الجديدة التي نريدها شاملة لمبادئ الحرية، واحترام الرّأي، والكلمة الحسنة، وضمّ الصّفوف، والتّعاون لمصلحة الجميع، وكلّ ما من شأنه تهذيب الأخلاق والسِّيَر، وتعبيد الطريق نحو الاستقرار والإزدهار.

إن أردنا حقّا ولوج عهد جديد، نحقّق فيه ما طمحنا إليه عقودا فحرمناه، ملقين كلّ المسؤوليّة على كاهل الحكام الظالمين، بينما العدل والحقيقة يفرضان علينا لوم أنفسنا كذلك، لأنّ لنا نصيبا غير قليل ممّا عانيناه، وعانته أوطاننا، فليس من المبالغة في شيء إن قلت، إنّ ما طولب به، في هذه الأسطر، القادة المسؤولون المنبثقون عن الانتخابات، وطولبت به عائلة الإعلام بنسائها ورجالها، يمتدّ أيضا إلى أهل الفنّ بأشكاله. فالمسرح والتمثيل، عليهما هما أيضا أن يكونا وسيلة توعية، وبثّ للثقافة الجدية المطلوبة، وحثّ على ترك خصائص الثقافة السابقة الضّارّة. الموسيقى والغناء هما الآخران، وسيلة من وسائل التوعية والتثقيف، كما هو شأن الرياضة ونواديها. إنّ شعبية أحد النوادي الذي لا يزال ناشطا يدين بها للحركة الوطنية التي استعملته فاستفاد.

ليرجع من أراد، إلى عهد مقاومة المستعمر، فسيلمس نتائج هذه الطريقة، وسيجد الدّليل في الصّحافة والمسرح والغناء، وفي فصول التربية والتعليم، وفي كلّ المنتديات، محاولات لبثّ الوعظ والتثقيف والتوجيه، آتت والحمد لله أكلها، رغم انعدام الإمكانيات والتقنيات التي تتمتّع بها اليوم كلّ القطاعات، فيسهل العمل، ويكون أشمل، وأبلغ، وأنجع، وأكثر قبولا فيتجذّر في النفوس والعقليات. ختاما أذكّر الصديق الشاعر الموهوب الذي بعث إليّ رغم البعد مردّدا: لمن تقرأ زبورك يا داوود؟ بأنّي أعمل بقول كريم يقول: الدّين النّصيحة، والآخر: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9