تونس: لعبة الاستقطاب ونظرية التدافع

الثلاثاء 2014/12/02

منذ أن وطئت قدما راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة أرض تونس عقب نجاح الشباب التونسي في خلع زين العابدين بن علي مطلع 2011، دأب الغنوشي على استعمال معجم سياسي غريب عن علم السياسة وعما ألفه التونسيون من مفردات وعبارات. من ذلك مصطلح “التدافع الاجتماعي” الذي اختلفت التأويلات بشأنه ولم يرد له تفسير واضح من قبل حركة النهضة ولا من رئيسها. وقد أطلقه الغنوشي مبرّرا به انفجار المد السلفي في تونس شتاء 2011، وكان الغنوشي حينها منتشيا بصورة المنتصر بعد فوز حركته بانتخابات 23 أكتوبر 2011 التأسيسيّة.

كان الغنوشي ينظّر لفكرة العنف المشروع، بمعنى فتح الفضاءات العمومية المفتوحة من شوارع وساحات وأسواق وغيرها للتشاحن والتصارع الاجتماعي بعيدا عن تدخل الدولة وأجهزتها الأمنية والرقابية. وغياب الدولة سيتيح الغلبة للأقوى والأكثر شحنا ودمغجة. وهذا ما تجسد فعلا، فإضافة إلى احتلال المساجد بالكامل، انتشرت الجمعيات الخيرية وانتصبت الخيام الدعوية في كل مكان حتى في قلب المدن وأمام المعاهد والمدارس بمضخمات صوت تطغى على بقية الأصوات، وبكثرة روادها واشتراكهم في الهيئة والمظهر تلغي رغبة الآخرين في التعبير أو في الاعتراض أو في الاحتجاج. وهكذا غادرت عمليات التعبئة السلفية العنفية جدران المساجد لتعم كل المساحات العمرانية المتاحة تجسيدا لنظرية التدافع الاجتماعي.

كانت نظرية التدافع الاجتماعي مدخلا أيديولوجيا الغاية منه الانتقام مما يسمّيه الإخوان النهضويون “تاريخ التجفيف” والتعويض عنه بما حرموا منه من الدعوة الحرّة والتبشير بدولة الخلافة التي يحلمون بها سرا وعلانيّة. وكانت أيضا تيسيرا لانتشار السلفية الجهادية، الذراع الأمنية لإخوان النهضة، في مفاصل المجتمع التونسي والتغطية على بدايات تنظمها وتركيزها لخلاياها. ربما لم تكن النهضة تعي حجم الجرم الذي تقترفه في حق شعب آواها. وربّما لم تحسن تقدير هذا الطفل السلفي العنفي الذي ينمو في تونس والنهضة ترافق خطواته. وربما تساهلت في أمر إدارة الدولة عن تخاذل أو عن جهل. وربما أساءت فهم الأمانة الانتخابية. ولكن الواضح تاريخيا أنّ نظرية التدافع الاجتماعي لم تكن أُلْهية ولا سفسطة بل كانت خطة سيدار بها الشأن العام في تونس عبر مختلف محطاته وحتى بعد فشل النهضة في انتخابات 26 أكتوبر 2014 التشريعية. من هنا يمكن أن نعتبر أن الاستقطاب ليس إلا أحد آليّات نظريّة التدافع الإخوانيّة. وكل من مارسه قد أوقع نفسه فيه حتى من حيث كان يتوهم مقاومة النهضة والتصدّي لمخطّطاتها.

ولقد تصدت القوى التقدّمية والمدنيّة التونسيّة لنظريّة التدافع التي خلّفت اعتداءات عنفيّة وتصفيات واغتيالات ومرّت إلى التفجيرات والانتصاب في الجبال والمدن. ولكنّ هذه القوى التقدّمية والمدنيّة عبثا حذرت من لعبة الاستقطاب التي أُديرت بها الحملة الانتخابيّة التشريعيّة في تونس والتي وقعت يوم 26 أكتوبر 2014 الماضي، لأنّ اللعبة نفسها احتدّت وتحكّمت في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسيّة التي وقعت يوم 23 نوفمبر 2014. وهي تتعاظم ككرة الثلج في التسابق على الرئاسة في الجولة الثانية من الرئاسيّة.

ولابدّ من الإشارة إلى أنّ أصوات العديد من الأحزاب والمرشحين ومنظّمات المجتمع المدني تعالت محذّرة لما لاحظت ارتفاع منسوب الضغط والتوتّر الاجتماعي بسبب الشحن السياسي. فلقد استشعرت هذه القوى الخطر المحدق بتونس نتيجة اللعب بنار الاستقطاب الذي يهدّد وحدة المجتمع وتماسك خلاياه وبناه. ولقد كانت الجبهة الشعبيّة وناطقها الرسمي حمّة الهمّامي من أكثر الأطراف السياسية انتباها إلى خطر الاستقطاب وتحذيرا منه ودعوة إلى تركه واستبداله بتنافس جدي ومسؤول يقوم على مناقشة البرامج والمشاريع الانتخابية.

ما هي مخاطر الاستقطاب؟ وفيم يشبه التدافع؟ لابد من الإشارة إلى معطى مهمّ قبل الولوج إلى هذه النقطة وهو أنّ حركة النهضة لم تفز في التشريعيّة وخرجت من الحكم نهائيّا بتأكيد من حركة نداء تونس الفائزة. كما أنّ النهضة لم تقدّم مرشّحا منها للرئاسيّة بدعوى تجنّب السيطرة على الحكم كما قال الغنوشي نفسه معتقدا أنّه سيفوز بشكل ساحق في التشريعيّة وسيشكّل الحكومة. ولهذا عادت النهضة لتعمل أياديها في الرئاسيّة وتنزل بثقلها غير المعلن مع منصف المرزوقي حليفها في الترويكا.

نعود إلى الاستقطاب لنقول إنّ فيه فرضا لدفع الناخبين نحو اختيار منافس وإبعاد الآخرين لا سيما من يمثّلون منهم بدائل حقيقية لرهانات وطنية. وفي هذه النقطة يلعب الإعلام بكل أنواعه وبكل نشاطاته من مقالات ومن تحقيقات ومن أخبار مصطفاة ومن حلقات نقاش ومن حوارات ومن مناظرات ومن دعوات للبلاتوهات، ويحصر التنافس بين مترشحين اثنين قد لا يكون لهما في البداية الحظّ الكامل للفوز بالمرتبتين الأوليين. وهذا ما يؤدّي بالضرورة إلى استبعاد متنافسين آخرين بشكل لا يبعد عن التآمر العمومي المشترك الذي لا يجد من يدينه ولا كيف يدينه لو أراد.

ويقوم الاستقطاب على تخويف الناس وإرباك اطمئنانهم بما يجعلهم يمضون إلى التصويت تحت الضغط ويجعل تفكيرهم في منح أصواتهم لمترشحين آخرين خارج دائرة مرشحي الاستقطاب نوعا من المخاطرة. وفي أسلوب التخويف هذا سلب لإرادة الناخبين وحد من حرّيتهم. كما يفتقر الاستقطاب للأخلاق حتى أنه لا يمنع ممارسيه من استعمال المال السياسي خارج دائرة المحاسبة، ودون ضوابط ردعية بما يسهل عمليات شراء الأصوات ورشوة الناخبين.

هذه الممارسات اللاأخلاقيّة تفرغ العمليّة الانتخابيّة من محتواها باعتبارها إطارا عامّا أمثل لتنظيم عملية السلطة والتداول السلمي عليها وتجسيدا للإرادة الشعبيّة الحرّة النزيهة. وهذا طبعا يعطّل الديمقراطية، لا سيما الناشئة منها كما هو الشأن التونسي، ويبعثر الحلم بها ويجعلها خواء خلّبا. كما ييسر الاستقطاب التدخل الأجنبي لا سيما من قبل الأطراف الداعمة بالمال أو باللوجستيك. وهذا ما سيعود بالضرر على السيادة الوطنيّة متى فازت الأطراف المتقاطبة في الانتخابات إذ ستكون مرتهنة لداعميها وسترهن القرار الوطني معها.

ولكن ليس هذا أسوأ ما في الاستقطاب في تونس، بل الأخطر أن يتحول الاستقطاب إلى تشاحن اجتماعي ليس بعيدا عن التدافع الاجتماعي. وهذا ما عاشته تونس خلال الأيّام الماضية بعد ظهور نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسيّة. فبدأت تندلع خطابات التحريض والتخوين والتقسيم الجهوي. وغاب النقاش على البرامج، وانحصر الخطاب في الجوانب الشخصيّة الذاتيّة فعمّ قلب الحقائق وعكس الخطب والتشويه. وهو ما أثار نعرات جهويّة خطيرة أرعبت التونسيّين على وحدة وطنهم.


كاتب وباحث سياسي

9