تونس لن تكون إمارة إسلامية

الخميس 2014/10/23

سوف أراهن مع من شاء المراهنة، على أن تونس سوف لن تكون إمارة إسلامية، كما يريد لها دواعش العالم العربي والإسلامي، الذين يستهدفونها بالمؤامرات والعمليات الإرهابية، كما يقول المركز التونسي لدراسات الأمن العام، ويعدون لعمليات ترويع وإرهاب اسموها “يوم النفير العام”، وأن انتخابات الأحد القادم سوف تضع تونس بإذن الله على طريق الدولة المدنية العصرية، وسوف ينتصر الشعب بإرادته ووعيه، على الإرهاب والقوى الداعشية الإسلامية التي تتربص به.

المثال الليبي يقول إنه يمكن أن تحقق القلة المتطرفة من أصحاب الاتجاه الإسلامي بالعنف والقوة، ما يهزم نتائج صناديق الاقتراع، كما حدث في مؤتمر الشعب العام الذي انتهت ولايته، والذي رغم أقلية الإسلاميين فيه، فقد استطاعوا الهيمنة على المؤتمر باستخدام التهديد والوعيد مع بقية الأعضاء حتى الذين دخلوا على بطاقة التحالف الوطني المناوئ للإسلام السياسي، وطبعا كان المستقلون من أعضاء المؤتمر أكثر استجابة لهم، سواء للاستفادة بأموالهم وإغراءاتهم، أو الخضوع لتهديدهم، ولتوابيت الموتى الفارغة التي وضعتها الميليشيات الإسلامية أمام المؤتمر، تهديدا ووعيدا. ولكن ما حصل في ليبيا لن يحصل إطلاقا في تونس، لأسباب كثيرة يطول شرحها، وسأحاول تلخيصها في هذا الحيز المحدود.

أول أسباب هذا الاختلاف أن تونس لم يحدث فيها التجريف الثقافي وقتل السياسة كما حدث تحت النظام الانقلابي الليبي، كما لم يحدث فيها استخدام الدين للتخدير والسيطرة، كما كان يفعل معمر القذافي، فقد تربي الشارع التونسي على المنهج البورقيبي المتحرر من هيمنة التفكير الغيبي والخرافي، المتفتح على العصر، البعيد كل البعد على استغلال الدين، لأن بورقيبة جاء من خلفية نضالية تؤهله لأن يحتل موقعه القيادي، لا من فراغ سياسي وفراغ نضالي، مستخدما عكاكيز الدين، أو تملق المشاعر القومية للجماهير، واللعب على وتر القضايا الكبرى مثل قضية فلسطين.

كما أن العهد البورقيبي لم يكن يخاف الثقافة، لأن بورقيبة نفسه لم يكن يعاني من عقدة نقص في الثقافة، فعندما كانت الأمية تضرب أطنابها في العالم العربي ويكاد أغلب الحكام قد جاءوا من أوساط شبه أمية، كان بورقيبة متخرجا من السوربون، يستطيع أن يتباهى بعمق ثقافته العربية وعمق ثقافته الفرنسية، وفتح أبواب الثقافة أمام شعبه حتى لا يكاد يخلو حي من أحياء الحواضر التونسية من مركز ثقافي يضم مكتبة وقاعة محاضرات والركح الذي تقدم فوقه الأعمال الفنية والمسرحية. فتربى الشعب تربية قريبة من روح العصر، مفتوحة على ثقافات العالم، لا روح الانغلاق والكبت التي عانت منها شعوب أخرى، ولهذا لم يكن غريبا أن تنطلق الثورة من تونس، التي ما لبثت أن اجتاحت العالم العربي وصنعت الربيع العربي الذي أراد أهل الإسلام السياسي القفز فوقه.

وصحيح أن حزب النهضة التونسي الذي ينتمي لجماعة الإخوان، حقق تفوقا في مستهل العهد الثوري، كما حدث في مصر، ولم يكن ذلك غريبا، فمعروف أن الإسلاميين سواء في مصر أو تونس كانوا القوة السياسية الوحيدة المنظمة، إزاء أنقاض وأشلاء القوى الأخرى، التي انهارت بانهيار النظام السابق، باعتبارها لم تكن في أغلبها إلا أصداء لحزب النظام أو ذيولا له، ولم يكن ذلك عجيبا في تاريخ الشعوب بعد الثورات، ويكفي أن نتمثل حالة روسيا بعد انهيار النظام الشيوعي، وهو نظام كان قد قتل السياسة وألغى العقل السياسي للبلاد طوال سبعين عاما من حكمه، فلم تكن هناك قوة منظمة قادرة على القفز على منصة الحكم غير المافيا، وفعلا أمسكت عناصر المافيا في روسيا بزمام الأمور حتى استعاد الشعب توازنه، واستوعب صدمة التحول الكبير ونتائجه، واستعاد قدرته على الوعي والتفكير، وإعادة ترتيب الحكم والسياسة بما يتفق وحاجاته ومصالحه.

وأرى أن قفز الإسلاميين على الحكم، يشبه تماما حالة المافيا في روسيا، ولهذا رفضهم الشعب المصري في انتفاضات عارمة قوية، وكان سيرفضهم في تونس لولا حنكة ودهاء قادة النهضة، وقدرتهم على التكيّف مع المزاج الشعبي، والتعامل مع الحالة بما يناسبها من مرونة وتقديم التنازلات، ولكن مهما بدا المشهد فوضويا، ومهما بدا خاليا من القوى القادرة على منافسة النهضة في تونس، عدا تلك التي تمتد بجذورها إلى عهدي بورقيبة وبن علي وحزبهما الذي هوى، فإن التونسيين، وربما خارج إطار الأحزاب، سيكونون بالتأكيد قادرين على الفرز، وعلى الاهتداء إلى الطريق الصحيح، طريق الدولة الدستورية المدنية، التي لا تتأثر بالإملاءات الدينية التي يريد فرضها أصحاب التلوينات السياسية الدينية، كما سيهزمون التطرف المرتبط بالإسلام السياسي وممثليه على الساحة السياسية، ممّن يدعون الاعتدال والوسطية، ثم لا يتورعون من أجل الحكم والتمكين، من مد أيديهم للاستعانة بالدواعش وغيرهم من غيلان الإرهاب والرعب والجريمة.

الليبيون سينظرون باهتمام إلى تونس وانتخاباتها النيابية القادمة، آملين أن تكون على موعد مع بناء الدولة المدنية التي يريدونها للشعب التونسي الشقيق ويريدونها لأنفسهم، واثقين بوحدة المصير ووحدة الهدف، كما حدث في بداية الثورة عندما أخذ الليبيون قدوتهم من الشعب التونسي، وتأسوا به في التقنيات الثورية التي أطاحت ببن علي، واستطاعت وبعد لأي وجهد الإطاحة معمر القذافي، ووجدوا في الشعب التونسي المؤيد والداعم والمناصر لثورتهم، محققين نصرا على واحد من أشرس طغاة التاريخ، وهو لم يكن ليتحقق، إطلاقا، لولا وقوف الشعب التونسي هذا الموقف النبيل العظيم من ثورة أشقائه في ليبيا. وثورة حتى النصر على الإرهابيين وبناء دولة المستقبل، دولة العدل والقانون والمساواة وروح العصر وقيمه الخالدة. والمجد للشهداء، وعهدا لهم أن دماءهم لن تضيع هباء.


كاتب ليبي

9