تونس ما بعد حكومة الصيد: عودة لمربع الفوضى السياسية

تدخل تونس مرحلة جديدة من الارتباك، في فترة تعاني فيها من أزمة اقتصادية ومن تهديدات جهادية، بعد أن صوت البرلمان بسحب الثقة من حكومة الحبيب الصيد التي لم تدم سوى 18 شهرا، تعرضت خلالها لانتقادات شديدة “لعدم فاعليتها”، دفعت الرئيس التونسي إلى اقتراح تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو اقتراح لقي تأييدا واسعا من الأحزاب الرئيسية في خطوة يرى خبراء أنها محاولة من الأحزاب الحاكمة لتبييض صورتها وامتصاص الضغط الشعبي المتصاعد في ظل الأزمات المتتالية في البلاد من خلال تحميل المسؤولية لرئيس الحكومة، الذي كان في ما مضى محل تقديرها.
الثلاثاء 2016/08/02
خنقتني الأحزاب

تونس - انتهت المعركة بين قصري الرئاسة بقرطاج والحكومة بالقصبة في تونس بعد أن اختار الحبيب الصيد الاحتكام إلى البرلمان ورفضه الاستقالة رغم أنه كان يعلم مسبقا أن كتل الائتلاف الحاكم اتفقت على سحب الثقة منه.

لكن، غداة سحب البرلمان الثقة من حكومة الحبيب الصيد، التي استلمت مهامها قبل عام ونصف العام، إثر الانتخابات التشريعية التي جرت نهاية 2014، دخلت تونس مرحلة جديدة من الحرب السياسية في ظل تداعيات لا تخلو من مخاطر وسط توقعات بتركيز حكومة سياسية تقودها حركتا نداء تونس والنهضة وترفضها المعارضة.

وصوّت أغلب النواب لصالح سحب الثقة من حكومة الحبيب الصيد، حيث وافق 3 نواب فقط على تجديد الثقة في الحكومة، وتحفّظ 27، ورفض 118، فيما امتنع نواب كتلة الجبهة الشعبية المعارضة (15 عضوا) عن المشاركة في التصويت (148 عضوا شاركوا في التصويت من 217 هم إجمالي نواب البرلمان).

ولم تكن الجلسة البرلمانية التي سحب خلالها الائتلاف الحاكم ثقته من الصيد جلسة عادية بالنسبة إلى غالبية اتجاهات الرأي العام من سياسيين وخبراء في القانون الدستوري وقوى مدنية وإعلاميين؛ إذ وصفوها بالجلسة التاريخية لكونها أول جلسة في تاريخ تونس يتقدم فيها رئيس الحكومة للبرلمان لتجديد الثقة أو سحبها، ويتوجه خلالها إلى التونسيين بكلمة يجاهر فيها بما كابده من مصاعب وهو يقود ائتلافا هشا وغير متجانس من أحزاب تتناقض سواء من حيث مرجعيتها الفكرية والأيديولوجية أو من حيث توجهاتها وخياراتها السياسية.

وبقدر ما تجمع اتجاهات الرأي العام على أن حكومة الصيد حكومة فاشلة وأن سحب الثقة منها بات أمرا ضروريا تجمع في نفس الوقت على أن رئيس الحكومة الذي التجأ إلى البرلمان ليحكّمه في خلافه مع رئيس الدولة ومع الأحزاب الائتلافية وضع اللبنة الأولى لتقليد دستوري سيستفيد منه رؤساء الحكومات القادمة في حال ما تعرضوا إلى ما تعرض إليه الصيد من ضغوط بما من شأنه أن يعزز المسار الديمقراطي الناشئ والمتعثر في البلاد.

خلفيات وأبعاد

تبدو العودة إلى الخلفيات الحقيقية للمعركة بين رأسي السلطة التنفيذية، رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، في غاية الأهمية لفهم تداعيات سحب الثقة من حكومة الصيد؛ إذ أنها تفجرت على خلفية مبادرة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي القاضية بتركيز حكومة وحدة وطنية ما يعني سياسيا إقالة الحبيب الصيد آليا. غير أن رئيس الحكومة استمات في رفض الإقالة والاحتكام للبرلمان مستندا إلى حقه الدستوري في نظام لا هو بالبرلماني ولا هو بالرئاسي.

وقبل أن يتوجه الصيد إلى البرلمان، الذي تستحوذ على أغلبيته الكتل التابعة للائتلاف الحاكم، حركتا النداء والنهضة وحزبا آفاق تونس والوطني الحر، صارع الصيد شتى أنواع الضغوط من قبل قيادات الائتلاف بلغت حد التهديد بـ”بهدلته”، متمسكا بدستور يناير 2014 الذي ينص على أن البرلمان هو الجهة الوحيدة المخوّل لها الفصل في أي خلاف بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة.

وفي ظل إطلاق الرئيس التونسي مبادرته دون مشاورة أي جهة سياسية بما في ذلك رئيس الحكومة بدا الصيد وكأنه المستهدف الأول وكبش فداء لفشل الائتلاف الحاكم.

ولئن لم يجاهر قايد السبسي بدعوة الصيد إلى الاستقالة فإن أذرعه السياسية سواء منها النداء أو النهضة أو بقية الأحزاب حشدت جهودها لإخراج رئيس الحكومة من الحديقة الخلفية في مسعى إلى “مسح” فشلها في رجل تمرس بإدارة مؤسسات الدولة طيلة أكثر من 40 عاما.

في ظل إطلاق الرئيس التونسي مبادرته دون مشاورة أي جهة سياسية بما في ذلك رئيس الحكومة بدا الصيد وكأنه المستهدف الأول وكبش فداء لفشل الائتلاف الحاكم

وتكاد اتجاهات الرأي العام في تونس تجمع على أن أهم خلفيات سحب الثقة من الصيد وأبعادها تكمن أساسا في التستر على فشل الرباعي الحاكم في تسيير مؤسسات الدولة وإدارة الشأن العام وفق تطلعات التونسيين التنموية والسياسية ما قاد البلاد إلى الانزلاق في أزمة سياسية كثيرا ما تغذّت من الأزمات الداخلية التي تعصف بأحزاب لا تحظى سوى بثقة متدنية.

وخلافا لما كان يتوقعه السبسي الذي حاول إقناع التونسيين من خلال الاستئثار بالمبادرة السياسية دون مشاورة أحد بالظهور في صورة الرئيس الحاكم ورجل الدولة القوي زادت مبادرته في تعقيد المشهد السياسي مما أدى إلى استقطاب حاد بين مكونات الائتلاف والقوى السياسية المعارضة والقوى المدنية.

وعلى مدى حوالي شهرين بدا قصر الرئاسة بقرطاج، مدعوما بالأحزاب الائتلافية التي انقلبت على الصيد ورفعت عنه الغطاء السياسي، وكأنه يخوض حربا ضدّ الصيد الذي بدا بدوره وكأنه يخوض هذه الحرب لا بصفته الشخصية وإنما باعتباره أحد رأسي السلطة التنفيذية أي إحدى مؤسسات الدولة. وهو ما دفع بجزء كبير من اتجاهات الرأي العام إلى دعمه ومساندته في مواجهة ضغوط أحزاب تجردت من أبجديات الأخلاق السياسية بعدما تنكرت لرجل كثيرا ما نوهت بأدائه السياسي.

ويشدد سياسيون على أن خلفيات سحب الثقة من الصيد وأبعادها لا تكمن فقط في ما جاهر به حكام تونس الجدد أي تشكيل حكومة وحدة وطنية لإنقاذ البلاد وإنما هي تتنزل ضمن حسابات حزبية ضيقة خاصة بين نداء قايد السبسي ونهضة راشد الغنوشي خصوصا وأن البلاد قادمة على انتخابات بلدية تعد الأولى من نوعها لكونها ستركز مؤسسات الحكم المحلي في البلاد.

ويرى السياسيون أن الرئيس التونسي الذي أقر بنفسه أنه يتحمل جزءا من مسؤولية فشل الائتلاف الحاكم يحاول إنقاذ صورته التي اهتزت لدى غالبية التونسيين نتيجة غياب الجرأة السياسية من جهة، ويسعى إلى تمهيد طريق الحكم لنجله حافظ قايد السبسي المدير التنفيذي للنداء من جهة أخرى.

ومن جهتها وجدت حركة النهضة الإسلامية في مبادرة حكومة الوحدة الوطنية فرصة تاريخية للانقلاب على الصيد ورفع غطائها السياسي عنه، على الرغم من أن رئيسها راشد الغنوشي شدد في أكثر من مرة على تمسكه به باعتباره رئيس حكومة كفءًا يحظى بالمصداقية ويمتلك أداء سياسيا ناجعا، في مسعى إلى إعادة التموقع بقوة ضمن تركيبة الحكومة المرتقبة.

ويقول أحمد الدريسي، الأخصائي في العلوم السياسية، إن “سحب الثقة من الصيد قرار سياسي قبل أن يكون عملية تصويت من قبل الأغلبية البرلمانية التي يستحوذ عليها الائتلاف الحاكم”، مشددا على أن “الخلفيات الحقيقية والأبعاد الرئيسية لسحب الثقة تتنزل في سياق ترميم صورة النداء والنهضة أمام اتجاهات الرأي العام على حساب رئيس الحكومة”.

الشارع التونسي يترقب تنفيذ المرحلة الثانية من مبادرة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية

ويضيف الدريسي أن “الأحزاب السياسية التي كان يفترض أن تصارح التونسيين بفشلها تجردت من أبجديات الأخلاق السياسية بل سعت إلى تجاوز الدستور الذي لا يمنح حق إقالة رئيس الحكومة إلا للبرلمان ولم تكتف برفع غطائها عن الصيد بل حاولت إجباره على الاستقالة في مسعى إلى النأي بنفسها عن صورة الأحزاب الفاشلة من جهة وتقديم نفسها على أنها تمتلك من القوة ما يجعلها قادرة على إقالة رئيس الحكومة”.

لم تفاجأ الأوساط السياسية في تونس بعملية سحب الثقة المعدة سلفا؛ إذ يقول أحمد الدريسي إن عدة تفاعلات سياسية “أكدت أن حركتي النداء والنهضة فشلتا في التسويق لصورتي الحزبين القويين القادرين على إقالة رئيس الحكومة بمجرد رفع الغطاء السياسي ما جعلهما تضطران إلى حشد كتلهما الانتخابية لمواجهة الصيد تحت قبة البرلمان والحال أنهما كانتا تعتقدان أن الصيد يمكن الإطاحة به بمجرد الانقلاب عليه”. ولئن بدت الأحزاب الائتلافية منتشية نوعا ما بتخلصها من رجل خيّر الخروج من باب البرلمان على الهروب من الحديقة الخلفية فقد أبدت القوى السياسية المعارضة والقوى المدنية والعديد من الشخصيات السياسية المستقلة استهجانها لطريقة تعامل كل من النداء والنهضة مع رئيس الحكومة، مشددة على أن روح الانتهازية وشراهة التمسك بالحكم أضحتا أحد ثوابت الائتلاف الحاكم.

وخلافا لما خطط له كل من النداء والنهضة، يقول أحمد الدريسي إن “تفاعلات اتجاهات الرأي العام مع سحب الثقة من حكومة الحبيب الصيد أثبتت أن الرجل لم ينحن لا لراشد الغنوشي ولا لقايد السبسي وإنما انحنى أمام إرادة الشعب الممثلة في البرلمان حتى وإن كانت تلك الإرادة بين فكي الحزبين المتحالفين”.

التداعيات الدستورية

وفق الدستور التونسي كلف الرئيس الباجي قايد السبسي رئيس الحكومة السابق بتصريف أعمال الحكومة إلى حين تركيز حكومة جديدة يتولى تشكيلها رئيس الحكومة الجديد على أن تكون جاهزة يوم 10 سبتمبر القادم.

وقال هشام بلعيد، الخبير في القانون الدستوري، إن دستور يناير 2014 يلزم رئيس الجمهورية باختيار رئيس حكومة جديد في أجل أقصاه 10 أيام من تاريخ سحب الثقة من الحكومة أي قبل يوم 10 اغسطس 2016 وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة خلال 30 يوما أي قبل 10 سبتمبر القادم.

وشدد بلعيد على أنه في حال إخفاق رئيس الحكومة المكلف في تشكيل تركيبة حكومة وطنية في ظل ضغوط النداء والنهضة خلال الآجال المحددة يحق لرئيس الجمهورية حل البرلمان يوم 11 سبتمبر 2016 والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة مع الإبقاء على الحكومة الحالية كحكومة تصريف أعمال.

ولا يستبعد الخبير في القانون الدستوري أن تواجه الحكومة المرتقبة العديد من الصعوبات نتيجة تعقيدات المشهد السياسي والاختلاف حول مفهوم الوحدة الوطنية نفسه سواء من حيث التركيبة أو من حيث مواصفات رئيس الحكومة المكلف خاصة أن أهم قوتين من خارج الإتلاف ترفضان المشاركة أولاهما الاتحاد العام التونسي للشغل رغم مجاهرة السبسي بأن مبادرته لن يكتب لها النجاح ما لم يشارك فيها الاتحاد، وثانيتهما الجبهة الشعبية.

غير أن تسريبات من داخل الأحزاب الائتلافية وفي مقدمتها النداء والنهضة تتحدث عن “اتفاق” بين الحزبين المتحالفين على احترام الآجال الدستورية حتى لا تخسر معاركها السياسية وتسقط مناوراتها في مستنقع الأزمة التي إن تفجرت ستهدد المشهد السياسي بل قد تهدد كيان الدولة التي هي في أمس الحاجة اليوم إلى رجال دولة يمتلكون من الخبرة ومن الكفاءة ما يضمن تسيير مؤسساتها وفق تطلعات التونسيين لا وفق حسابات الأحزاب.

أهم خلفيات سحب الثقة من الصيد تكمن أساسا في التستر على فشل الرباعي الحاكم في تسيير مؤسسات الدولة

ووفق هشام بلعيد فإن سيناريو حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات برلمانية سابقة لأوانها يبدوان مستبعدين في ظل وجود خيط مشترك بين الأحزاب المشاركة في الحوار بشأن تركيبة الحكومة وهو خيط الانفتاح أكثر ما يمكن على الأحزاب الصغرى والشخصيات السياسية المؤثرة.

التداعيات السياسية

خلافا لما تجاهر به قيادات الائتلاف الحاكم التي تعد التونسيين بحكومة وحدة وطنية يبدو أن عملية سحب الثقة من حكومة الصيد زادت المشهد السياسي تعقيدا وسط تمسك كل من النداء والنهضة بالإبقاء على التركيبة الحالية مع تطعيمها بممثلين عن أحزاب مشاركة في المشاورات مثل الحزب الجمهوري وحزب المبادرة ومشروع تونس وحركة الشعب من جهة، وتمسك القوى السياسية المعارضة والقوى المدنية وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية القوية، بهيكلية حكومية جديدة تقطع مع المنطق الغنائمي الذي يدافع عنه الحزبان المتحالفان متعللين بأنهما يمتلكان الأغلبية البرلمانية.

وتقود كل من قيادات النداء والنهضة جهودا باتجاه الانفتاح على المشهد السياسي المتعدد فكريا وسياسيا وإشراك أكثر ما يمكن من الأحزاب شرط موافقتها على الإبقاء على هيكلية الحكومة الحالية أي شرط أن تبقى غالبية مواقع القرار السياسي والإداري غنيمة بين الحليفين.

وفي المقابل، تطالب القوى السياسية المعارضة والقوى المدنية بضرورة القطع مع تركيبة الائتلاف الحاكم وتركيز حكومة وحدة وطنية حقيقية تعكس تطلعات التونسيين وتحشد مختلف القوى في إطار تركيبة تتبنى مشروعا برامجيا تنمويا وسياسيا يكون كفيلا بإطلاق ثورة إصلاحية كبرى في مختلف القطاعات وفي مقدمتها القطاع الاقتصادي المنهك.

وفي ظل تناقضات ومناورات وحسابات الائتلاف الحاكم مقابل ضغوط القوى السياسية المعارضة والقوى المدنية باتجاه تركيبة هيكلية جديدة تبدو تونس مرشحة إلى حالة استقطاب حاد قد تعيدها إلى مربع حكومة الترويكا الفاشلة التي حكمت البلاد عامي 2012 و2013 ولم تقد البلاد سوى إلى أزمة خانقة لم تتخلص منها إلا بعد تنحي حكومة النهضة عن الحكم بموجب تسوية سياسية قادها الاتحاد العام التونسي للشغل.

وتشدد سامية عبو، النائب بالبرلمان عن حزب التيار الديمقراطي، على أن “المعيار الوحيد في اختيار الحكومة القادمة هو إرضاء أطراف معينة وإلا فمصيرها كمصير سابقتها”، مضيفة “إن نجاح رئيس الحكومة القادم يبقى رهن التوزيع العادل للغنائم بين الشيخين؛ السبسي والغنوشي”.

وتصف عبو عملية تصويت نواب الائتلاف الحاكم بالبرلمان وسحب الثقة من حكومة الصيد بـ”المسرحية” في إشارة إلى أنها لا تعكس إرادة البرلمان بقدر ما تعكس انقلاب النداء والنهضة على رئيس الحكومة بعد أن رفع عنه “الشيخان” الحاكمان الفعليان في تونس الغطاء السياسي.

اقرأ أيضا:

ملفات حارقة تنتظر الحكومة الثامنة في تونس

الصيد وتكالب الأحزاب

ابن الرئيس أطاح بالحكومة.. والنشطاء أطاحوا بابن الرئيس

6