تونس مثل العالم تسير رأسا على عقب

التجارب القديمة تؤكد أن الشعوب هي من تتحكم في النهاية بترمومتر الحرية والطغيان صعودا ونزولا. فالذين تحرروا قد يعودون إلى وضعهم القديم ويطلبون زعيما أو قائدا جديدا يسلمونه رقابهم بدعوى احتواء الفوضى والانفلات.
الأحد 2019/05/12
الحزب الحر الدستوري يعود إلى الواجهة

مناطق كثيرة من العالم تسير رأسا على عقب، والدستوريون في تونس يجسدون هذا المنحى. فبعد سنوات من تنحّيهم عن الحكم عبر ثورة شعبية اختلط فيها المطلب السياسي بالاجتماعي وبالانتهازي، هاهم يعودون إلى الواجهة ليمثلوا الموجة السياسية الصاعدة في البلاد قبل أشهر من الانتخابات.

تكشف آخر نتائج سبر الآراء لنوايا التصويت عن تقدم لافت وصادم لصعود الحزب الحر الدستوري، الوريث الأول لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي للرئيس السابق زين العابدين بن علي، في غفلة من الجميع ليتصدر المركز الثالث خلف حزبيْ الحُكم الحاليين، حركة النهضة الإسلامية والحزب الناشئ لرئيس الحكومة “تحيا تونس”.

وإذا وضعنا في الاعتبار هامش الخطأ الضيق لنتائج سبر الآراء التي رافقت الانتخابات السابقة فإن الحزب الدستوري الحر يتجه لأن يكون الحصان الأسود لانتخابات هذا العام والقادر فعليا على أن يؤسس لمشهد سياسي مختلف تماما عما أفرزته انتخابات 2011 و2014.

فنوايا التصويت بحسب الاستطلاعات الأخيرة وإن قوبلت بتحفظ شديد، فإنها تبرز تقاربا في الرصيد بين الأحزاب الثلاثة الأولى على الأقل، ما قد يمنع من ظهور أغلبية مريحة ويؤدي إلى مأزق في الحكم. وقد لا يكون مستبعدا في هذه الحالة استقطاب الحزب الدستوري في ائتلاف من قبل الحزب الأول لتفادي معارضة قوية في البرلمان.

ومن حزب منبوذ بعد ثورة 2011 والاختفاء القسري عن النشاط السياسي بقرار قضائي بالحل، يعود الدستوريون ليكسبوا أرضا جديدة لدى الناخبين من خلال الاستقطاب التدريجي عبر خبرتهم التي راكموها طيلة عقود سابقة في الحكم والسيطرة على الرأي العام، وعبر خطاب ينطوي على موقف متشدد من الإسلاميين ومستفيدا من الفشل الاقتصادي للحكومة وتدهور الوضع الاجتماعي.

وفي واقع الأمر لم يخرج الدستوريون عن دوائر القيادة السياسية أو الحكم، منذ نشأة الحزب الحر الدستوري في حقبة الاستعمار الفرنسي عام 1920 قبل أن يتحول مع نخبة سياسية ناشئة إلى الحزب الحر الدستوري الجديد في العام 1934 بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة بَاني دولة الاستقلال.

ظل الحزب في الحكم مع تغيير اسمه إلى الحزب الاشتراكي الدستوري في مؤتمره السابع عام 1964 واستمر بشكل عملي في الحكم بعد الانقلاب الأبيض للرئيس الأسبق بن علي عام 1987 مع تغيير جلده تحت مسمى حزب التجمع الدستوري وانضمام حفنة جديدة من انتهازيي المرحلة، وحتى بعد ثورة 2011، فالقياديون والمستشارون بالتجمع الدستوري المنحل، منتشرون في مختلف الأحزاب بين الحكم والمعارضة، وفي حزب حركة النهضة الإسلامية أيضا، ولهم أذرع في كل الحكومات التي تعاقبت على الحكم منذ الثورة.

وبعض الأحزاب لم تجد حرجا في الاستنجاد بكوادر التجمع سرا وعلنا، وقد أطلق عليهم الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي في أحد خطاباته بمعقلهم في مدينة المنستير “أنتم مالكون في هذا البلد ولستم بمؤجّرين”.

مع كل ذلك فإن الصعود الجديد الذي تقوده الأمين العام للحزب عبير موسي بذكاء وشعبوية، يحتاج إلى تفسير سوسيولوجي لتغيّر المزاج العام ورغبة جزء من الناخبين في العودة إلى الوضع السابق للثورة، وما إذا كان هذا يمثل علامة على فشل الانتقال السياسي في البلاد أم علامة صحية للتعددية الحزبية؟

في كلتا الحالتين فإن السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتعثرة غالبا ما تجلب معها كلفة الارتداد إلى الوراء. وتونس لا تمثل استثناء أو بدعة في محيطها العربي، ولو أنه من الحيف قياس تجربتها بما صارت عليه باقي دول الربيع العربي. وفي الديمقراطيات العريقة في أوروبا فإن تلك السياسات أصبحت ملهمة للتيارات اليمينية التي ما فتئت تحقق مكاسب صادمة في دول عرفت بإرثها الثقيل في حكم الدكتاتورية، بل إن رضا بهلوي الثاني نجل شاه إيران لا يتورع في الحديث عن أحقية عودة النظام القديم ردا على حالة السخط الاجتماعي في بلاده.

التجارب القديمة تؤكد أن الشعوب هي من تتحكم في النهاية بترمومتر الحرية والطغيان صعودا ونزولا. فالذين تحرروا قد يعودون إلى وضعهم القديم ويطلبون زعيما أو قائدا جديدا يسلمونه رقابهم بدعوى احتواء الفوضى والانفلات، والثورة الفرنسية أو ثورة البلاشفة من أبرز الأمثلة عن ذلك. وحتى من هم أحرار فإن بعضهم لن يتخلى عن انتهازيته ولصوصيته في الرضوخ لمغدق جديد ليجسدوا بذلك مقولة، “إذا أردت إفساد ثورة أغدق عليها بالمال”.

5