تونس: مخاض الحسابات السياسية ينتهي بحكومة "منتفخة" وجامعة

يخوض رئيس الحكومة التونسية الجديدة، يوسف الشاهد، بعد أيام قليلة، أول اختبار سياسي له بعد إعلان تشكيلة حكومته، في وقت سابق من مساء السبت، وذلك عندما يعرضها على البرلمان لنيل الثقة قبل مباشرة مهامها بشكل رسمي.
الاثنين 2016/08/22
تركيبة حكومة الشاهد غير مقنعة

تونس - بعد سجال سياسي وحزبي استمر أكثر من أسبوعين، عرفت تونس خلالهما مخاضا عسيرا للحسابات السياسية، أبصرت الحكومة التونسية الجديدة برئاسة يوسف الشاهد، النور في محاولة لرفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك أيضا لتعزيز الأمن والاستقرار في بلد مازال يحاول جاهدا منع امتداد العنف إليه من ليبيا المجاورة.

وانعكست نتائج ذلك “المخاض العسير” على تركيبة هذه الحكومة التي جاءت “منتفخة” وبمواصفات ترضية جمعت بين تشريك غالبية الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها الفكرية والأيديولوجية ومراعاة الثقل السياسي، والحضور البرلماني، إلى جانب الاهتمام بدور الشباب والمرأة، وذلك في مسعى لتحقيق التوازن عبر تكريس مفهوم الوحدة الوطنية.

وترنو هذه الحكومة إلى أن تكون “حكومة وحدة وطنية” بالفعل لأنها وُلدت في فترة سادتها توترات حادة ناجمة عن الانقسامات السياسية حول سلسلة من القضايا الجوهرية التي تهم حاضر ومستقبل البلاد التي استهلكتها الأزمات المتلاحقة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا.

وقال يوسف الشاهد الذي شكل هذه الحكومة السابعة التي تعرفها تونس منذ الإطاحة بنظام بن علي في 14 يناير 2011، إنه “سعى في تشكيل حكومته إلى ضمان النجاعة لدى فريقه الحكومي على أساس أولويات المرحلة القادمة”، لافتا إلى أن حكومته تضم 8 كفاءات نسائية أسندت لها حقائب وزارية هامة، إلى جانب تخصيص 14 حقيبة وزارية للشباب منها 5 حقائب أسندت لشباب دون 35 عاما.

ولكن ذلك، لم يمنع المراقبين من الإشارة إلى أن حكومة الشاهد جاءت “مُنتفخة” بالمقارنة مع الحكومات الست السابقة التي عرفتها تونس منذ العام 2011، حيث تألفت من 26 وزيرا و15 كاتب دولة (مساعد وزير)، أي 41 عضوا بين وزراء كتاب دولة، لتكون بذلك الأكثر عددا مقارنة بالحكومات السابقة.

وكانت حكومة الباجي قائد السبسي التي شكلها في 2011، تتألف من 32 عضوا، وحكومة حمادي الجبالي التي جاءت بها انتخابات 23 أكتوبر 2011 من 40 عضوا، وحكومة علي العريض التي تشكلت في مارس 2013 من 39 عضوا، في حين ضمت حكومة مهدي جمعة التي انبثقت في نهاية العام 2013 عن الحوار الوطني 28 عضوا، بينما تألفت حكومة الحبيب الصيد الأولى من 31 عضوا، والثانية التي تحولت إلى حكومة تصريف أعمال من 31 عضوا.

تحديات كبيرة تواجه الحكومة الجديدة سببها هشاشة المناخ السياسي والأزمات المتلاحقة، اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا

وجاءت حكومة الشاهد وفقا لمعادلة سياسية تقوم على قاعدة حسابية تأخذ بعين الاعتبار الثقل السياسي والحضور البرلماني للأحزاب المشاركة فيها، وذلك تأكيدا لما انفردت به “العرب” في وقت سابق عندما أشارت إلى هذه القاعدة التي ترتكز على مبدأ(4-3-2-1-1)، أي 4 وزارات لحركة نداء تونس، و3 وزارات لحركة النهضة، ووزارتان لحزب آفاق، ووزارة للحزب الجمهوري، وأخرى لحزب المسار.

كما تم في هذه التشكيلة الإبقاء على ثمانية وزراء من حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة الحبيب الصيد، منهم ثلاثة وزراء سيادة هم الهادي مجدوب وزير الداخلية، وفرحات الحرشاني وزير الدفاع، وخميس الجهيناوي وزير الخارجية، بينما تم تعيين غازي الجريبي وزيرا للعدل خلفا للوزير الحالي عمر بن منصور.

وتوزعت بقية الحقائب الوزارية على عدد من الكفاءات والمستقلين، لكن اللافت في هذه التشكيلة الحكومية هو مشاركة بعض الوجوه النقابية المعروفة، منها عبيد البريكي الذي أسندت له وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة، ومحمد الطرابلسي الذي سيتولى وزارة الشؤون الاجتماعية. وغاب عن تشكيلة هذه الحكومة حزب الإتحاد الوطني الحر برئاسة سليم الرياحي (16 مقعدا برلمانيا) الذي كان مشاركا في حكومة الحبيب الصيد بثلاث حقائب وزارية، كما غاب عنها أيضا حزب المبادرة برئاسة كمال مرجان الذي شارك في الحوار الذي سبق هذه التشكيلة، بينما دخلها وجه قومي معروف هو المحامي مبروك كورشيد الذي أسند له منصب كاتب دولة (مساعد وزير) مكلف بأملاك الدولة والشؤون العقارية.

ورغم هذا التنوع، بدأ هذا الانتفاخ، والقاعدة التي على أساسها تم توزيع الحقائب الوزارية يثيران سجالات سياسية استبقت عرض تشكيلة هذه الحكومة على البرلمان لنيل ثقته، حيث اعتبر القيادي البارز في حركة النهضة الإسلامية محمد بن سالم أن ما حصلت عليه حركته “لا يتماشى مع ثقلها وحجمها السياسي وحجم كتلتها النيابية”.

ويأتي هذا الموقف فيما قال ياسين إبراهيم رئيس حزب آفاق تونس الذي أسندت له وزارتان، إن الاعلان عن تركيبة حكومة يوسف الشاهد “تم دون استشارة الحزب”، مشيرا إلى أن حزبه سيجتمع في وقت لاحق “للحسم في مسألة المشاركة في الحكومة من عدمه”.

وفي المقابل، صمت حزب الاتحاد الوطني الحر الذي تم استبعاده من المشاركة في هذه الحكومة، علما وأن رئيسه سليم الرياحي سبق له أن قال قبل ساعات من الإعلان الرسمي عن تشكيلة الحكومة “حكومة الشاهد إن ولدت فإنها ستكون أفشل من كل الحكومات السابقة”.

ويُرجح أن يستمر الحديث حول مخاض ولادة حكومة الشاهد، والسجال المرافق له، وسيبقى يلقي بظلاله الكثيفة وتفاصيله المختلفة على اهتمامات الأوساط السياسية، ورجل الشارع العادي، ليس بسبب الطريقة المتبعة في التشكيل التي غايرت الطرق المعهودة في تشكيل الحكومات السابقة، وإنما أيضا بسبب التحديات التي تواجه هذه الحكومة، وهشاشة المناخ الذي ستعمل فيه بتعقيداته المتعددة التي ستتجاوز آثارها محتوى ما ستقدمه.

4