تونس: مراقبة المفطرين في رمضان أو الحريات الفردية في مقتل

في دولة مدنية يسودها وينظم علاقاتها القانون، لا يمكن لعادل العلمي أو من على شاكلته أن يجول مصحوبا بكاميرا وعدل منفذ ليراقب أو يعاين المقاهي التي تفتح ابوابها للمفطرين، ويدعوها إلى أن تتوقف عن ممارسة ذلك النشاط.
الخميس 2017/06/01
حرية المعتقد مكفولة بالقانون

منطلق القضية أن الشيخ التونسي عادل العلمي، رئيس حزب الزيتونة ورئيس الجمعية الوسطية للتنمية والإصلاح، بادر منذ الأيام الأولى لشهر رمضان إلى أن يتجول في بعض ضواحي العاصمة التونسية لمعاينة التزام المقاهي بأن تغلق أبوابها وتطبق الشرع. القضية والخبر تم تداولهما كثيرا في وسائل الإعلام التونسية، وتم إفساح المجال لعادل العلمي لأن يدافع عن صواب رأيه والقول أنه “يذود عن الإسلام” ويدافع عن التزام الناس بواجباتها الدينية.

الملاحظ في التعاطي الإعلامي مع الحدث أن أغلب من بادروا لقراءة ما حدث، أخطأوا في نقاش المسألة بالاستناد على الحجج الدينية، من قبيل الاستدلال بالآية “ادع إِلىٰ سبِيل ربك بالحكمة والْموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إِن ربكَ هو أعلم بمن ضل عن سبِيله وهو أَعلم بالمهتدين”، وللقول بأن تحرك العلمي مشروع من المبدأ وخاطئ في الشكل، أي أن العلمي من حقه رد الناس عن الإفطار ومنع المقاهي من ممارسة النشاط، لكن ليس من حقه اصطحاب كاميرا وعدل تنفيذ لأن ذلك يسحب من الفعل صفة “الحكمة والموعظة الحسنة” ويفقده أيضا ميزة “بالتي هي أحسن”. هنا تحدث مشاطرة لحجج عادل العلمي وأمثاله، ويروّجُ اتفاق ضمني مضمر مع ما يروج له في حين أن القضية أبعد من هذا الطرح السطحي.

عادل العلمي بتصرفه يحل أولا محل الدولة ويحاول فرض \'قانون\' خاص به، وإن ادعى أنه متصالح مع الشرع، فالدولة لـم تـوكل له أو تكلفه بتنفيذ هذه المهمة

تدخل عادل العلمي بتلك الطريقة يجب مقارعته بما جاء في دستور يناير 2014 أولا؛ حيث نصّ الفصل 21 على مبدأ المساواة والحريات الفردية لجميع المواطنين والمواطنات، وأكدت المادة 24 على حماية الحياة الخاصة، وشدد الفصل 6 على أن “الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي”. وعلى أن الدولة “تلتزم بنشر قيم الاعتدال والتّسامح وبحماية المقدّسات ومنع النّيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التّكفير والتّحريض على الكراهية والعنف وبالتّصدّي لها”. ما قام به عادل العلمي يتناقض مع ما نصت عليه هذه الفصول الدستورية بوضوح، لكنه في الوقت نفسه يكتسب مجالات أخرى من الخطوة لا تقل عما سبق ذكره.

عادل العلمي بتصرفه يحل أولا محل الدولة ويحاول فرض “قانون” خاص به، وإن ادعى أنه متصالح مع الشرع، فالدولة لـم تـوكل له أو تكلفه بتنفيذ هذه المهمة، خاصة وأن جلّ المقاهي التي تفتح أبوابها في رمضان تفعل ذلك بناء على ترخيص مسبق من السلطات ذات العلاقة. هنا يتحول العلمي إلى ممثـل للـدولة أو نائب لها، ويتحول إلى مناقض لأحكـام الدستور والقوانين الجاري بها العمل.

في مستوى ثان، يمارس الرجل رقابة “دينية” على حريات الناس، أي أنه يعيّن نفسه وسيطا بين الله وعباده، وفي هذه الحالة وحتى إن سوق بذلك بحجج “ادع إِلىٰ سبِيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”، فإنه فاقد للأهلية والجدارة ولا يحق له محاسبة الناس على أفعالهم. مع التذكير بأنه سبق له في سنوات قليلة مضت أن نظم تجمعا أمام مجلس نواب الشعب للدعوة إلى تشريع تعدد الزوجات.

أشار رجل الدين محمد بن حمودة، في تصريح لإذاعة “جوهرة آف آم”، إلى أن ما يقوم به عادل العلمي من حملات لغلق المقاهي ومقاضاة أصحابها هو عمل ضد الإسلام وتسلط على رقاب الناس. وأوضح الداعية “إن التدخل في شؤون الناس وإرغامهم على العبادة سواء كانت صلاة أو حجا أو صوما هو تعد على حق الله”.

التحرك الاستعراضي لعادل العلمي لاقى تنديدا قويا من عدد كبير من منظمات المجتمع المدني، إذ أصدرت 17 جمعية ومنظمة حقوقية تونسية، بيانا حمل عنوان “على السلطات العمومية احترام وضمان حرية المعتقد والضمير خلال شهر رمضان”، وحذرت من خطورة هذه الأفعال التي تشكل إنكارا لقيم العيش المشترك وتهدد بشكل جدّي النموذج المجتمعي ومكاسب الشعب التونسي، وخصوصا حرياته المضمونة دستوريا. كما دعت السلطات التونسية إلى احترام التزاماتها الدستورية والمتمثلة في ضمان حرية الضمير وحرية المعتقد وحملتها مسؤولية حماية الأفراد من أي اعتداءات قد تطالهم.

المسألة لا تحسم إلا بتطبيق القانون وهو الفيصل الوحيد في تنظيم العلاقات. ولئن عبّر تحرك عادل العلمي عن غياب الدولة والمؤسسات الأمنية، التي كان يفترض بها إيقافه وردعه عن تسليط سيف رقابته على رقاب الناس، إلا أن التحرك أثار مخاوف كثيرة ومشروعة من أن تتوسع هذه الممارسات وتطال أوجها مختلفة من حياة الناس ومن النمط المجتمعي الذي ألفه التونسيون، وإذا تم التغاضي اليوم عن مراقبة مقاهي المفطرين، فإن الأمر قد يتوسع غدا إلى مراقبة السلوك والملابس والاختلاط وغيرها من الممارسات الاجتماعية. والخوف الأكبر أن يكون تحرك عادل العلمي منطلقا أو قادحا لإعادة استحضار خطاب الكراهية والتكفير والتحريض ضد التنوع الديني والفكري.

13