تونس من طاردة للإرهاب إلى مراح خصب لتفريخ الجهاديين

الجمعة 2015/03/20
تونسيتان متشحتان بالسواد في أحد شوارع عاصمة الأغالبة، القيروان، صورة غير مألوفة في تونس قبل 2011

تونس – ما الذي يدفع الآلاف من الشباب التونسي إلى الانخراط في صفوف التنظيمات المتشدّدة، واختيار مسالك صناعة التوحّش في بلد مثل تونس، عرف بنمط عيش متحرر ومنفتح يقترب أحيانا كثيرة من النمط الغربي، ونسبة التعليم فيه من أعلى المستويات العربية والعالمية؟ أين كانت تختفي هذه النزعة المتعطّشة للقتل والمعادية للحضارة والحداثة؟ وكيف تمكّن أنصارها من الإنسياب بسرعة مخيفة داخل المجتمع التونسي الحداثي بامتياز؟ أسئلة كثيرة باتت مطروحة اليوم وتحتاج إلى إجابات عاجلة، على وقع الإرهاب الذي بات يضرب في عمق تونس ويهدّد حدودها.

يصف خبراء الهجوم الإرهابي الذي وقع، الأربعاء الماضي، في ضاحية “باردو” بالعاصمة تونس بأنه “نقلة نوعية” في العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد. فطيلة الفترة التي تلت ثورة 2011، لم تسجل عمليات إرهابية داخل المدن وإنما تركزت في المناطق النائية وبشكل أساسي في جبل الشعانبي على الحدود التونسية الجزائرية. وعادة ما كانت تستهدف الهجمات قوات الأمن والجيش، ولكن هذه المرة ضرب الإرهاب في قلب العاصمة التونسية في متحف باردو الملاصق لمجلس النواب.

ويرى عدد من المراقبين أن هذه العملية هي شكل من أشكال ضرب الاستقرار الذي حققته الحكومة الوطنية، وأن هذا الهجوم قد يقوي خجة الرافضين لمشاركة الإسلاميين في الحكومة والمطالبة بإخراجهم منها، خاصة وأنهم مورّطون في فتح الباب أمام دخول هذه التنظيمات، عندما كانت حركة النهضة على رأس الترويكا الحاكمة.

تعتبر بدرة قعلول، رئيسة المركز الدولي للاستراتيجيات الأمنية والعسكرية، أن “الضربة الموجعة” التي تلقتها تونس كانت منتظرة نوعا ما، بعد إحباط عملية كبرى الشهر الماضي كانت تستهدف شارع الحبيب بورقيبة وخصوصا وزارة الداخلية، غير أنه لم يكن من المتوقع أن تكون الهجمة على مقر مثل متحف باردو الذي يجمع بين رمزيته التاريخية باعتباره متحفا ورمزيته السياسية باعتباره يتشارك تقريبا في نفس المبنى مع مجلس نواب الشعب.

وفي تحليلها لمراحل العمليات الإرهابية تقول رئيسة المركز الدولي للاستراتيجيات الأمنية والعسكرية، في تصريح لـ”العرب”، إن تونس تشهد المرحلة الأخيرة التي خططت لها هذه الجماعات، وهي مرحلة استهداف مقارات السيادة السياسية بعد أن استهدفوا القيادات السياسية ثم الشرطة والجيش في المرحلة التي تلتها، وهاهم ينتقلون إلى التوحش وضرب مواقع السيادة.

بدرة قعلول: عملية باردو كانت يمكن أن تؤدي إلى كارثة سياسية

لم يكن سهلا على التونسيين، أن يتابعوا تفاصيل العملية الإرهابية في متحف باردو، الذي يختزل جزءا هاما من تاريخ تونس الموغل في القدم. كما لم يستوعب التونسيون ما قالته صحيفة فرنسية عن بلادهم المعروفة بالاعتدال والحداثة، والتي ما فتئت تمثل قبلة للسيّاح الأوروبيين بالخصوص؛ “انتهت تونس.. انتهت السياحة”.

كما تطرح هذه العملية أسئلة أمنية لا سيما في ما يتعلق بكفية وصول مسلحان يحملان أسلحة رشاشة إلى المتحف، وهو ملاصق لمجلس نواب الشعب، ويشترك معه في المدخل.

كل ذلك يدفع إلى تساؤل أعمق مفاده؛ ما هي البيئة بعد الثورة التي أتاحت الفرصة لتحول شباب تونس إلى “إرهابيين”؟ وكيف تنامت ظاهرة الإرهاب، مما يجعل تونس أول المصدّرين للجهاديين في سوريا والعراق، وتطوّر الأمر لتصبح تونس في حد ذاتها مستهلكا لهذا الإرهاب وضحية له، بعد أن كانت قوة طاردة للتنظيمات الإرهابية، وإلى حدّ ما عصية عليها.

بيئة خصبة للتطرف

يقول خبراء إن تولّي حركة النهضة الإسلامية الحكم، في السنوات الأولى من الثورة التونسية، وما أعقبها من فوضى وتغييب لكل مقوّمات الدولة التونسية، التي تحتفل اليوم بالذكرى 59 لاستقلالها، سهّل عودة الجهاديين الذين سافروا إلى خارج البلاد، وفتح لهم المجال لينشطوا في المساجد والشوارع بل وحتى في رياض الأطفال.

لكن، لا ينكر الخبراء، في سباق تحليلهم لظاهرة انتشار التشدّد في المجتمع التونسي، أن من بين الأسباب، سياسة النظام السابق واهمال التعليم الزيتوني، المعروف بنهجمه المالكي السني المعتدل. ويشير عبداللطيف حنَّاشي، الباحث الاجتماعي المتخصّص في الحركات الإسلامية، إلى أنّ محاولة النظام السابق “مصادرة الفضاء العام دفع بالشباب إلى الانزواء في فضائهم الخاص، الذي يشكّل البيت جزءا مهما منه”.

وفي فترة ثورة الفضائيات الدينية، في السنوات القليلة التي سبقت اندلاع ثورات “الربيع العربي”، كان المشاهد التونسي يتصدّر نسب المشاهدين، وقد تم رصد حالات تأثر كبيرة بما يعرضه شيوخ الفضائيات، الذين يعارضون نمط العيش في تونس، واستطاعوا أن يدخلوا في قلوب البعض، خاصة من التونسيين متوسّطي التعليم، والنساء غير المتعلّمات، الشكّ في “إسلامهم”.

وحلّ بعض هؤلاء الدعاة ضيوفا على تونس في فترة حكم الترويكا للبلاد، بقيادة النهضة، التي لم ينس التونسيون تورّطها في أحداث ضاحية باب سويقة في التسعينات، والتي تورّط فيها شبابها، وقاموا ببث الرعب في المنطقة الشعبية لتونس العاصمة من خلال استهداف المواطنيين بماء النار.

وتشير بعض الدراسات الاجتماعية ودراسات في الحركات الإسلامية، أن القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها السلفية الجهادية غالبا ما تكون من الفئات الاجتماعية الفقيرة.

حقوقيون يحمّلون السلطات التونسية مسوؤلية تمادي شبكات تجنيد الجهاديين نظرا لتأخر تفعيل قانون الإرهاب، وعدم محاكمة متهمين موقوفين وبان تورّطهم في أعمال إرهابية

لكن، أيضا يلاحظ في تونس، المنقسمة مناطقيا وجهويا، أن كثير من الجهادين، إناثا وذكورا، طلبة جامعيون يدرسون اختصاصات تتطلّب معدلات عالية، كالطب والهندسة، والتالي لا يعدّ الفقر وحده هو السبب وراء تنامي قاعدة التنظيمات المتطرّفة في تونس، فالإحباط وحالة عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي التي أفرزتها فترة ما بعد الثورة من بين الأسباب التي سعى لاستغلالها قادة التنظيمات المتشدّدة.

وتستغلّ هذه التنظيمات المال لتتسلّل بين ثنايا المجتمع التونسي من خلال الأعمال الخيرية، وعروض الزاوج، والمبالغ المالية الضخمة التي تدفع للمتدرّبين في ليبيا وللمقاتلين في سوريا.

ويحمّل حقوقيون السلطات التونسية مسوؤلية تمادي شبكات تجنيد الجهاديين نظرا لتأخر تفعيل قانون الإرهاب، وعدم محاكمة متهمين موقوفين وبان تورّطهم في أعمال إرهابية. حيث يدفع غياب الردع إلى التمادي ويمنح الشباب “المتمرد” ثقة في أنه لن يعاقب فيواصل عمله.

طرائق المعالجة

أكد حاتم اليحياوي، رئيس المرصد الوطني لمقاومة الإرهاب والجريمة المنظمة، لـ”العرب”، أن عملية باردو تعتبر استغلالا واضحا “لثقب أسود في الجاهزية الأمنية التونسية خصوصا غياب العمليات التحضيرية للمنشئات الرسمية”.

وشدد على أن التحول الذي حصل في تكتيك هذه الجماعات كان متوقعا خصوصا بعد كشف مخازن السلاح الكبيرة في الأيام الماضية.

ويأتي هذا الهجوم، حسب اليحياوي، في إطار ما يعرف بتحرير المبادرة، حيث تمت مفاجأة أعوان الأمن والحراسة في المتحف بعد رصد للمكان وغياب الحماية الأمنية اللازمة للسياح. وأضاف أن ما يحدث له ارتباط وثيق بما يحدث في سوريا وليبيا خصوصا وأن كل السلاح الذي دخل تونس هو قادم من ليبيا أساسا.

وحول ضرورة محاصرة هذه العناصر قال رئيس المرصد الوطني لمقاومة الإرهاب والجريمة المنظمة إن السلطات التونسية مطالبة بالتنسيق مع دول الجوار خصوصا الجزائر ودول الصحراء الأفريقية لوضع حزام حول الخطر الليبي، بالإضافة إلى التعاون مع مصر التي تعاني من نفس المشاكل.

ويضيف أنه من الضروري تركيز جهاز استخبارات مستقل لجمع المعلومات المتعلقة بالتنظيمات الإرهابية والخلايا النائمة، مع ضرورة التحكم في التغطية الإعلامية بالتعاون مع الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، ومراقبة بعض الأماكن مثل دور الشباب والثقافة بعد أن تحولت إلى تقديم أنشطة أخرى على غرار التدريبات القتالية على حد تعبيره.

تفاصيل أخرى:

◄ خبراء: ما حدث في تونس لا يقل خطورة عما يجري في مصر

◄ هادي يحمد: تونس تنتقل من ريادة الانفتاح إلى مدارات الرعب الجهادي

7