تونس.. من يسدّد الثمن

في المستقبل التونسي، لن يُستثنىَ الشعب من تسديد مساهماته المترتّبة عن العشوائية السياسية. وبعضها يعود إلى زمن ما قبل الثورة وبعضها الآخر تراكم بعد 14 يناير 2011.
الثلاثاء 2019/09/10
تسديد الأثمان في السياسة والاقتصاد

في الواقع التونسي الراهن، المشوب برائحة الانتخابات، تتأخر محاولات تشخيص الوضع، وأسئلة الحلول القادمة للأزمات القائمة بشتى صنوفها، لصالح سؤال غائر لم يدرْ كثيرا في خلد المتابعين والمهتمّين، ولكنه يختصر راهن البلاد ومستقبلها، والسؤال التونسي مفاده: من سيسدّد الأثمان الباهظة لهذه السنوات الأخيرة من الردح السياسي، الذي تشظّى أزمات في السياسة والاقتصاد والمجتمع وسواها.

السؤال بقدر نظره للمستقبل فإنه ينطلق من الواقع الراهن في مستويين على الأقل. المستوى الأول يهم النخب السياسية التي ستلقي بها العملية السياسية المستعرة، بعنوان الانتخابات في المرحلة القادمة، (في انتظار توافقات قادمة ستعزز النتائج أو تدور زواياها). المستوى الثاني يهم البلاد والناس ويواجه ما تركه الساسة الهواة على مر الحكومات.

المستوى الأول يتصل بالتبعات السياسية للأثمان الباهظة التي يفترض تسديدها، والمستوى الثاني يحيل إلى الأثقال الاقتصادية والاجتماعية الواقعة على ظهور مختلف فئات الشعب، وهي أثمان باهظة تبين أيضا أن الشعب مدعو للمساهمة في تسديدها.

بعد أن أصبح رحيل يوسف الشاهد أكثر من مرجّح، لا فقط بصفته رئيس حكومة بل أيضا بصفته نقطة التقاء فجّة بين الرهانات النهضوية ونزوعه الشخصي للعب على كل الحبال من أجل بقائه في السلطة، أصبح التحدي الأكبر القائم أمام الطبقة السياسية الجديدة (بما في ذلك حركة النهضة نفسها) يتمثل في التعامل مع نظام سياسي هجين، نبع من دستور العام 2014 الذي غلبت عليه “المجاملات السياسية” فجاء مترنحا بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي، فكان منزلة بين المنزلتين بما يحرج كل الملتزمين به بحكم الدستور والوقائع السياسية. من جملة التحديات أن هذا النظام نص على تقليص صلاحيات رئيس البلاد وهو المنتخب مباشرة من الشعب، في حين تزدحمُ صلاحيات رئيس الحكومة غير المنتخب، وهو الذي يصل عادة إلى رئاسة الحكومة وفق توافقات وتزكيات تخضع أساسا للمحاصصة الحزبية.

ومن الأثمان التي يفترض على الوافدين الجدد تسديدها، مسألة المؤسسات الدستورية غير المكتملة. وهي هيئات ضرورية لحسم الانتقال الديمقراطي وهو الفخر التونسي الأقرب إلى الوهم، الذي تواظب كل الحساسيات السياسية على التفاخر به. وبين التحدّيين، النظام السياسي الهجين وغياب المؤسسات الدستورية، تصبح مهمات تدبير المستقبل السياسي التونسي شديدة العسر والصعوبة.

في المستقبل التونسي، لن يُستثنىَ الشعب من تسديد مساهماته المترتّبة عن العشوائية السياسية. وبعضها يعود إلى زمن ما قبل الثورة وبعضها الآخر تراكم بعد 14 يناير 2011. وفي هذا الباب كان التوزيع عادلا للنتائج حيث كل الفئات مدعوّة إلى تسديد الفواتير الباهظة لهذه المرحلة.

في التعليم وفي الصحة وفي النقل وفي كل القطاعات الاقتصادية ذات التأثير على الواقع الاجتماعي للبلاد والعباد، لن نعدم سبل وجود تأثيرات سوء التدبير السياسي.

ومثلما صنع العقل السياسي التونسي نظاما سياسيا مترنحا، فقد اختطّ أيضا أداء اقتصاديا لم يتوصل إلى رسم خط واضح تنتهجه البلاد. في الأشهر الأولى بعد الثورة راجت مقولات إعادة صياغة منوال التنمية والتمييز الإيجابي ورفع التهميش ومحاربة البطالة، وغيرها من المفردات المترتبة عن الجو الثوري السائد يومذاك، والمترتبة أيضا عن حقيقة الأزمة الاقتصادية المتصلة بالنظام القائم قبل الثورة.

ولكن رواج هذه المقولات، وجلها مقولات مشروعة، لم يؤدّ إلى رسم منهج اقتصادي واضح يراعي مصالح العباد وقدرات البلاد. بل إن الحكومات التي تعاقبت اضطرت إلى “مجاملة” الاحتجاجات والمحتجّين، وحاولت مقايضتها بإجراءات أقرب إلى ذر الرماد منها إلى الإصلاح. ثم ترنحت الخيارات مجددا بين الإصلاحات الموجعة أو الإنصات إلى شعارات المحتجّين، وطال الترنح دور الدولة ذاتها؛ هل هي دولة تدير اقتصادها بما يعني الإشراف على كل القطاعات العمومية ذات التأثير المباشر على قدرات الشعب؟ أم هي الدولة المتخلية عن القطاعات الحيوية لصالح رأس المال ومفاهيم الربح؟ ترنح لم يحسم بين الخيارين، بل انتهجهما معا، فكان القفز بين الخيارين يعني بشكل ضمني إما وجود تحركات احتجاجية يضطر خلالها الساسة إلى استدعاء الدولة الحنون، أو ضغوط المؤسسات المالية التي تضطر هؤلاء إلى الترويج لضرورة الإصلاحات الموجعة.

الارتجال الاقتصادي تمظهر أيضا في طرق التعامل مع الاقتراض الخارجي، فكان أن تحولت القروض والديون الخارجية إلى غير مراميها لتذهب نحو الاستهلاك وتسديد الأجور وغيرها.

المشهد السياسي القائم يوحي بأنه مشهد حيوي ومتحرك ونشيط، لكنه في عمقه وخفاياه يشي بأن الأزمة أعمق مما تروج له البرامج الانتخابية والنشاطات الحزبية. ستنتهي الانتخابات بعد شهرين وتأفل الحوارات السياسية الراهنة، وتركن كل الأحزاب إلى مواقعها لتحصي مكاسبها القليلة أو خساراتها الكبيرة، (تبعا لأن التشتت الراهن لا يسمح بتحقيق انتصارات سياسية كاسحة)، ولكن الثابت الوحيد أن تلك المرحلة أيضا ستعني البدء في تسديد الأثمان في السياسة وفي الاقتصاد.

7