تونس والأمن التربوي

الثلاثاء 2014/10/07

لقد راهنت دولة الاستقلال في تونس على الاستثمار في العنصر البشري وكانت التربية والتعليم آلية كسب الرهان. وكان الزعيم بورقيبة يفاخر برهانه ويدافع عن خياره السياسي الاجتماعي بين التونسيين في الداخل وفي الخارج. وتم إنشاء وزارة التربية عام 1955، وتداول عليها وزراء أفذاذ على غرار الأديب العربي الكبير محمود المسعدي والسياسي المخضرم أحمد بن صالح والمفكر محمد الشرفي. وتم سن التشريعات التي تقرّ بإلزاميّة التعليم ومجانيّته وبالحق في التمدرس. وزرعت المدارس والمعاهد في كلّ شبر من أرض تونس. وكسبت تونس رهانها على التربية، حيث وفّر القطاع لنفسه ما يحتاجه هو وما يحتاجه غيره من كوادر في مختلف المجالات. وساهم قطاع التربية بشكل فعّال في بناء تونس الحديثة وفي إشعاعها في الخارج وفي سدّ حاجتها من العملة الأجنبية.

لكن في الفترة النوفمبرية، تعرض قطاع التربية إلى عمليات تخريب كبيرة أنهكته، حيث أدركته أيدي الفساد وعبثت بمكتسباته ومنجزاته وتلاعبت بثروة تونس الأولى وأعملت معاولها في مستقبل شبابه، ومع ذلك ظلّ قطاع التربية من أكبر القطاعات المناضلة ضد كل فساد واستبداد.

ومن أسوء ما تعرضت له التربية في عهد بن علي تكريس المحاباة والرشوة في الانتدابات بما أصاب الكادر التعليمي بالعطالة البيداغوجية والمعرفية. كما عانى القطاع من الإصلاحات المرتجلة والبرامج المسقطة. وأشرف القطاع الذي كانت تباهي به تونس على الترهّل وصار عبئا على الدولة التونسية وعلى شعبها. وبعد أن كانت التربية تضخّ الثروات في خزينة تونس، صارت تأكل من أموال الضرائب ومن الاقتراض الأجنبي. ونشأت في القطاع مشاكل وقع إهمالها حتى صارت عويصة يعسر حلّها منها الدروس الخصوصيّة والانقطاع المدرسي والعنف المدرسي والجودة التعليميّة.

بعد ثورة 14 يناير التي كان لقطاع التربية فيها دور مؤثّر، كانت الآمال عريضة عند المربّين وعند الشعب التونسي في إعادة مجد التربية التونسيّة، ولكنّ ذلك لم يحدث إلى حدّ الآن بالنظر إلى حجم المشاكل التي يتخبّط فيها القطاع. وتبقى أمّ المشاكل تلك المتمثّلة في التشنّج الدائم الذي تشهده العلاقة بين وزارة التربية وبين نقابات التعليم، وللتذكير فإنّ قطاع التربية يضمّ أكثر تمثيليّة نقابيّة على الإطلاق، فمختلف الأسلاك التربويّة مهيكلة نقابيّا. ولا تكاد محطّة تفاوضيّة تنتهي حتى تنفتح أخرى حتى كادت العمليّة التفاوضيّة أن تصير عبثيّة نظرا إلى سيل المطالب الذي لا يتوقّف وعجز الوزارة عن الاستجابة إليها بفعل ضعف الإمكانيّات.

وتعاني العلاقة بين وزارة الإشراف وبين النقابات المهنيّة أزمة حادّة نتيجة للإصرار على التباس المهام وتجاوز الأدوار الموكولة لكلّ طرف. فالأطراف الاجتماعيّة النقابيّة تصرّ على كونها شريكة في العمليّة التربويّة ولابدّ من استشارتها بل وأخذ موافقتها قبل اتخاذ أي قرار يهم الشأن التربوي، فيما وزارة التربية تصر على كونها هيكلا تنفيذيا من صلاحياته الإشراف على القطاع وتسييره بما ترى وتقدر وضمن الرؤية الحكومية التي تقررها الوزارة بالتشاور مع مجلس الوزراء وبقية هياكل الدولة ومؤسساتها. وبفعل العلاقة المتشنجة من قبل نقابات التعليم تجاه وزارة التربية، عملت النقابات على ترويج صورة غير صحيحة تظهر بموجبها المدافع الوحيد عن القطاع وأهله فيما تتم شيطنة الوزارة وتكال لها الاتهامات تلو الاتهامات وتفتعل المشاكل وتضخم وتروج إعلاميا لدى الرأي العام بأسلوب فيه أحيانا الكثير من التجنّي حتى أنّ العودة المدرسيّة التي يقدّسها التونسيّون كانت مهدّدة إلى حدود أيّام قليلة قبل انطلاقتها.

الغريب في هذه العلاقة المتوتّرة هو أنّ نقابات التعليم كلّها تنضوي صلب الاتحاد العام التونسي للشغل الذي ترأس الرباعي الذي قاد الحوار الوطني وأفرز حكومة الكفاءات المستقلّة التي تحكم تونس اليوم! وكان الاتحاد على علم طبعا بمشاكل التربية وبمحدوديّة إمكانيّاتها، ولكنّه مع ذلك لم يتمكّن من تلطيف غلواء النقابات وتخفيت حدّة علاقتها مع الوزارة وتوسيع أفق الحوار البنّاء بينهما.

الخطير في طبيعة هذه العلاقة بين وزارة التربية والنقابات المهنيّة هو أنّ الشارع التونسي يتحدّث كثيرا عن الأمن العسكري والأمن الغذائي والأمن المالي والأمن الاقتصادي ولا أحد يتحدّث عن الأمن التربوي! لا خلاص لتونس دون أن تستعيد التربية مكانتها ودورها باعتبارها الثروة المنتجة الأولى. لا خلاص لتونس دون أن تستوي العلاقة بين وزارة التربية والنقابات المهنية.

لا خلاص لتونس دون أن يجد التونسيون، كل التونسيين، حلولا لمشاكل الانقطاع المدرسي التي توفر المجال الحيوي للأمية والانحراف والجريمة وحتى الإرهاب.

اليوم، يعدّ قطاع التربية أكبر القطاعات الحكومية على الإطلاق في تونس. فهو يشغّل ¼ موظّفي الدولة التونسيّة من بينهم 63.2 ألف معلم و77.8 ألف أستاذ، إضافة إلى عدد كبير من القيمين والمرشدين التربويين ومرشدي التوجيه والمتفقدين والإداريين والعملة. كما يضمّ أكثر من 5/1 سكّان تونس من التلاميذ، فأزيد من 2 مليون تونسي يؤمّون مقاعد الدراسة خلال السنة الدراسية الحالية. وتشرف وزارة التربية التونسية على عدد ضخم من المؤسسات التربوية بالقياس إلى صغر الحجم الجغرافي لتونس بلغ 6051 مؤسسة بين مدرسة ومعهد تغطي كل شبر من الأراضي التونسية.

ومع ذلك فالأمن التربوي لم يتحقق بعد. ومن عدم تحققه تتسرب أغلب المشاكل الاجتماعية والأمنية لتونس. ولن تبنى تونس بالمطالب وإن كانت حقوقا متأكدة لا يختلف عليها عاقلان. لن تبنى تونس بغير التضحيات والتنازلات، وإن كانت مؤلمة، وبالإيمان بقيم العيش المشترك في ظل دولة القانون والمؤسسات والحرية والعدالة.


كاتب وباحث سياسي تونسي

17