تونس والجزائر: الإمكانيات الكبيرة والعلاقة المعطوبة

الجمعة 2016/10/14

كسلفيه الذين سبقاه كانت الجزائر الوجهة الخارجية الأولى لرئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد. ولم تكن زيارتا سلفي الشاهد من الباجي قائد السبسي إلى الحبيب الصيد ذات جدوى، إذ كانتا زيارتين بروتوكوليتين لم تساهما في تحريك العلاقات الاقتصادية المعطوبة لأسباب يتعلق أغلبها بغياب الإرادة السياسية وبفقدان القدرة على الفعل السياسي الواعي الذي يعلي من مصلحة الشعب ويراعي شروط حسن الجوار.

تعرضت العلاقات التونسية الجزائرية إلى أكثر من هزة اتصلت بمشكلة الصحراء المغربية حيث عجزت تونس عن بلورة موقف يمكنها من المحافظة على مصالحها دون إعاقة التقدم في حل القضية. كما عجزت تونس والجزائر معا في دفع مشروع اتحاد المغرب العربي. ونجح المغرب في وضع مشكلة الصحراء المغربية عقبة أمام قيام الاتحاد الذي تحلم به شعوب المنطقة.

كما تعرضت العلاقة بين تونس والجزائر إلى أزمة بعد زيارة الباجي قائد السبسي إلى الولايات المتحدة الأميركية مطلع 2015 وتوقيعه اتفاقية عسكرية معها وحصوله على صفة الشريك الأساسي خارج حلف الناتو. وهو ما أربك العلاقة التونسية الجزائرية وأدخلها في دائرة التشكيك. ولم يكلف السبسي نفسه استشارة صديقه الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة بما عزم عليه ولا حتى إعلامه بذلك.

هذه الاتفاقية انتقدتها الجزائر بسبب ما يعتريها من لبس، حيث لم يقع الإفصاح عن محتواها بالكامل إذ تشك الجزائر في كونها تضم إنشاء قواعد عسكرية أميركية في تونس وهو ما ترفضه الجزائر بشدة. وما زاد في ارتياب الجزائر من هذه الاتفاقية تغييب وزير الخارجية التونسي آنذاك، الطيب البكوش، عنها وتولّي الرئاسة التخطيط لها خلافا لصلاحياتها الدستورية، وتولى محسن مرزوق المستشار السياسي لرئيس الجمهورية في ذلك التاريج الإمضاء عن الجانب التونسي نيابة عن وزير الخارجية. وكان ذلك آخر دور أدّاه مرزوق في قصر قرطاج إذ وقعت إزاحته بعد ذلك.

من جهة أخرى تعتبر العلاقة بالاتحاد الأوروبي من أكبر علامات فشل تونس والجزائر في التنسيق والتشاور وتوحيد السياسات والمواقف، إذ تتنافس الدولتان في الاقتراب من الاتحاد الأوروبي وفي توقيع الاتفاقيات الفردية بما يضر بمصلحتي كليهما. وهذا الحماس الذي تبديه الدولتان في الارتماء على أعتاب “الأليكا” والتنافس في توقيع اتفاقيات التبادل الحر مع أوروبا لم تبدياه في علاقة باتحاد المغرب العربي المشلول.

ولم تشهد الدولتان إلى اليوم إنشاء أي مشروع كبير يربط بينهما كطريق سيارة أو سكة حديدية أو منطقة تبادل حر. ومازال العبور بين الحدود يشكل معاناة للمواطنين التونسيين والجزائريين على السواء. ولعل التقارب بين الإرهابيين التونسيين والجزائريين كان أسبق من التقارب بين الدولتين والحكومتين، إذ تؤكد التقارير الأمنية والعسكرية أن أغلب المجموعات الإرهابية المتمركزة في الجبال الغربية والشمالية الغربية التونسية تتكون من تونسيين وجزائريين.

وللتذكير فإن حجم المبادلات الاقتصادية بين البلدين الجارين لم يبلغ المليار دولار إلى حدّ اليوم وهو حجم ضئيل قياسا بالإمكانيات الكبيرة المتاحة للبلدين، إذ تبلغ الحدود البرية التونسية الجزائرية من الشمال الشرقي 965 كلم والبحرية 998 كلم.

وتمتلك الجزائر مخزونا هائلا من الثروات الطبيعية إضافة إلى تنوع ديموغرافي وطبيعي ومناخي كبير من السهول إلى الجبال إلى الصحراء، ومن السواحل إلى الهضاب والشعاب والبراري، ومن اللغة العربية إلى الأمازيغية فالفرنسية، ومن العرب إلى الأمازيغ.

والجزائر هي بلد نصف مصنع، قامت بتجارب في التصنيع منذ السبعينات ولم تيأس ولم تجد ما يكفي من الدعم من جيرانها ولا سيما تونس. وتحاول الجزائر التحكم في ثرواتها واستثمار ثروات جديدة خاصة في مجال الطاقات المتجددة مثل الطاقة الشمسية. وتوفر 60 بالمئة من حاجيات تونس في الطاقة.

ولئن راهنت الجزائر على التصنيع وانضمت إلى منظمة أوبك باعتبارها دولة منتجة للنفط والغاز، واتخذت سياسات شبه اشتراكية حاولت تعميم الثروة على الجهات الجزائرية المترامية وخصصت جهودها للتعمير والإسكان والإصلاح الزراعي ومقاومة التصحر وتقريب الخدمات من المواطنين ولا سيما في المناطق الجبلية والريفية والصحراوية، فقد اختارت تونس المراهنة على التعليم والبحث العلمي والاستثمار في الموارد البشرية.

كما لم تهمل الجزائر التسليح من اهتماماتها بينما كان هذا الموضوع من أواخر مشاغل دولة الاستقلال في تونس. وكان نجاح كل من الجزائر وتونس نسبيا في اختياراته وتوجهاته. وكانت ضرورات التكامل وإمكانياته قائمة بين الدولتين. ولكنه لم يحدث على الصورة الأكمل إلى اليوم.

فالبلدان لم يبنيا أي شراكة كاملة ولو في مجال واحد. وظلت أغلب الاتفاقيات مرحلية خاضعة للظروف المفاجئة والأزمات كما كان شأن أزمة قطاع السياحة الأخيرة التي ساعد تدفق السياح الجزائريين تونس على التخفيف من وطأتها.

ولم تبد تونس أي حماس لتجربة التصنيع الجزائرية ولا سيما في مجال السيارات والجرارات الفلاحية. ولم تعبر تونس مطلقا عن أي رغبة في الاستفادة من هذه التجربة ولم تساعد على فتح السوق التونسية أمام الصناعة الجزائرية. وخيرت باستمرار الاعتماد على الصناعة الأوروبية والفرنسية والألمانية والإيطالية منها أساسا، إضافة إلى الصناعة اليابانية والأميركية.

كما كسبت تونس شوطا مهما في الصناعة الصيدلية وتصنيع الأدوية بحثا وتصنيعا. ولم تتمكّن الدولتان من عقد شراكة كافية في هذا المجال تتمكّن بموجبها الجزائر من تحقيق حاجياتها من الأدوية من تونس بما يضمن لتونس سوقا ثابتة تحقق مداخيل إضافية تنمّي ميزانيتها وتشجع على البحث العلمي وعلى التصنيع في مجال دقيق تسيطر عليه الشركات المتعددة الجنسيات ولوبيات رأس المال في العالم.

وبين تونس والجزائر أواصر تاريخية متينة تعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي، حيث اختلطت دماء التونسيين والجزائريين في معركة التحرير. وتعدّ معركتا ساقية سيدي يوسف سنة 1958 وبنزرت سنة 1961 أكبر شاهد على ذلك. فقد أغار الطيران الفرنسي على قرية ساقية سيدي يوسف بالكاف على الحدود الجزائرية لملاحقة الثوار الجزائريين الذين تحصنوا بالقرية وانتقاما من التونسيين الذين أمنوا لهم الملجأ.

وفي يوليو سنة 1961 اندلعت معركة الجلاء عن بنزرت التي من أسبابها رفض تونس التي كانت قد حصلت على استقلالها سنة 1956 بأن تحتفظ فرنسا لها بقاعدة عسكرية بحرية في بنزرت تستعملها في ضرب الجزائر التي مازالت محتلة. وأطلق حينها الجنرال ديغول رئيس فرنسا كلمته الشهيرة لجنوده قائلا “اضربوا بقوة وبسرعة”. وخلفت المعركة الآلاف من الشهداء التونسيين الذين مازال المؤرخون والشهود يختلفون في عددهم.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9