تونس والجزائر.. قبلة الهجرة المعاكسة لحاملي الجنسيتين

المنتخب التونسي لكرة القدم يعزز تشكيلته بلاعبين جدد يحملون الجنسيتين التونسية والفرنسية استعدادا لمونديال 2018.
الأحد 2018/04/01
منتخب تونس.. طريق إلياس السخيري نحو العالمية

تونس – عزز منتخب تونس لكرة القدم مؤخرا تشكيلته التي تستعد لخوض غمار منافسات كأس العالم بروسيا 2018، بلاعبين جدد يحملون الجنسيتين التونسية والفرنسية. ومن المنتظر أن تلقي هذه التجربة الجديدة في كرة القدم العربية بضلالها على كافة المنتخبات العربية من أجل استقطاب نجوم يمثلون الجيل الذي يحمل الجنسيتين.

وبعد بلوغ نهائيات كأس العالم للمرة الخامسة والأولى منذ 2006، بذل الجهاز الفني لمنتخب تونس جهدا لاستقطاب لاعبين من حملة الجنسية التونسية اكتسبوا مهارات كرة القدم في الملاعب الفرنسية. الهدف، تعزيز حظوظ المنتخب لتخطي الدور الأول في مجموعة سابعة صعبة في المونديال الروسي تضم إنكلترا وبلجيكا وبنما.

ولقيت دعوة هؤلاء اللاعبين انتقادات في تونس، ما دفع الاتحاد المحلي لكرة القدم للتأكيد أنه يبذل “كل الجهود لتوفير كل ظروف النجاح”، على أن يكون الهدف خلال المشاركة في المونديال “الانسجام بين لاعبي البطولة التونسية وبين لاعبي الجيل الثاني الناشئين في أوروبا”. وبات مدرب تونس نبيل معلول يتنقل بين لغة وأخرى خلال تمارين المنتخب استعدادا لمونديال 2018، بتشكيلة نشأ ربعها في فرنسا، وانضم إليها مؤخرا أربعة لاعبين من حاملي الجنسيتين التونسية والفرنسية.

ونشأ كل من إلياس السخيري لاعب مونبلييه الفرنسي، ومعز حسن حارس مرمى فريق شاتورو الفرنسي، وسيف الدين الخاوي لا عب فريق تروا، حتى يوهان بن علوان لاعب ليستر سيتي الإنكليزي، في فرنسا، وتمت دعوتهم للدفاع عن ألوان “نسور قرطاج” للمرة الأولى، خلال المعسكر الاعدادي الذي سبق المباراتين الوديتين اللتين خاضهما المنتخب ضد إيران، وكوستاريكا.

 

أسال ملف اللاعبين العرب مزدوجي الجنسية الكثير من الحبر، لا سيما لجهة احتمال انضمامهم إلى المنتخبات العربية، على غرار المنتخب التونسي والمنتخب المغربي والجزائري. ونجح مدرب تونس نبيل معلول في تدعيم تشكيلته بجيل من حاملي الجنسيتين فيما شهدت الجزائر عودة ثلة من الطيور المهاجرة في فرنسا، من أجل البحث عن الاحتراف في الملاعب الجزائرية

علاقة وثيقة

من الجلي أن تنمية علاقة وثيقة بين لاعبي المنتخب تمثل أولوية لدى الجهاز الفني، ويظهر ذلك من خلال تجمعهم في أغلبية الوقت وكذلك التعاون خلال الحصص التدريبية، لوضع حد لأي انتقادات حول صعوبة تأقلم الوافدين الجدد مع مجموعة من اللاعبين اختبرت تجربة اللعب معا منذ التصفيات الأفريقية المؤهلة للمونديال. وفي هذا السياق يؤكد قائد نادي مونبيلييه إلياس السخيري أن عملية التأقلم مع المنتخب “كانت مريحة جدا، إنها متعة كبيرة”. ويضيف لاعب الوسط الدفاعي “الكل استقبلني بطريقة حسنة، لم يكن هناك أي داع للقلق. صحيح أنني لا أتقن العربية ولكن آمل أن أتعلمها في أسرع وقت، وهذا ما سيساعدني على التأقلم”.

ويبرر حارس المرمى معز حسن، تردده للالتحاق بالمنتخب، لانتظاره أن يصبح أساسيا في فريقه الفرنسي. وردا على سؤال حول المقارنة بين قرار لاعبين يحملون الجنسية المزدوجة بالانضمام إلى منتخب تونس، على عكس ما قام به “مواطنهم” وسام بن يدر الذي رفض الدعوة التونسية وقبل دعوة المنتخب الفرنسي، أكد معز حسن أنه غير نادم على قرار الالتحاق بنسور قرطاج.

 ويقول “لعبت للمنتخب الفرنسي للناشئين، كانت أفضل تنشئة يمكن أن أحصل عليها”، مضيفا “لكن تثبيت نفسي في تونس هو سعادة أكبر”. يضيف “كان خيارا من القلب. والدي من تونس، وأنا أزور تونس أحيانا، من الحتمي أن ألعب هنا”. وأعرب حسن عن فخره باللعب إلى جانب الحارس التاريخي للمنتخب التونسي أيمن المثلوثي، بالقول “عندما كنت صغيرا كان بمثابة مثلي الأعلى، واللعب إلى جانبه حاليا هو خبرة وسعادة”.

في المقابل أسال ملف لاعب نادي إشبيلية الإسباني بن يدر الكثير من الحبر، لا سيما لجهة احتمال انضمامه إلى المنتخب التونسي. إلا أن اللاعب الذي تمكن بهدفيه من تأهيل ناديه الأندلسي إلى ربع نهائي دوري أبطال أوروبا على حساب مانشستر يونايتد الإنكليزي، تلقى دعوة أولى للانضمام إلى منتخب فرنسا من قبل المدرب ديدييه ديشامب، ما وضع حدا للآمال التونسية.

 ولم يبد بن يدر من البداية استعداده للانضمام إلى المنتخب التونسي، لا سيما أن اسمه كان يتردد منذ فترة كأحد المرشحين لنيل الاستدعاء الفرنسي. وقال عنه ديشامب إنه “ناجع للغاية. له شخصية مختلفة، إنه حيوي ويتحرك كثيرا”، مشددا على أن هدفيه في مرمى يونايتد لم يكونا السبب الرئيسي لاستدعائه، بل ما يقدمه خلال المواسم الأخيرة.

وكحال بن يدر، لم يتجاوب لاعب نادي أوغسبورغ الألماني راني خضيرة، شقيق سامي لاعب يوفنتوس الإيطالي، مع الدعوة التونسية، مشيرا إلى أن تحدثه باللغة الألمانية فقط أثر بشكل كبير على قراره، نظرا لما ستشكله اللغة من عائق في حال انضم إلى التشكيلة التونسية. ولقد تم الاتصال بالعديد من اللاعبين اليافعين المترددين، لتحديد خياراتهم ولو أن المسألة تبقى صعبة في بداية الاحتراف.

ورغم المردود الذي ظهر عليه جل اللاعبين الذين تقمصوا زي منتخب تونس مؤخرا لا سيما خلال الوديتين الأخيرتين فليس من السهل أن يكون معز حسن أساسيا في مواجهة البلبولي، جاء ليحضر مستقبله. أما بن علوان فقد قبل الانضمام بعد دعوته مرارا، وبعد موسم جيد مع ليستر سيتي.

 وإضافة للأربعة الجدد القادمين من أوروبا، تضم تشكيلة معلول المؤلفة من 28 لاعبا، العديد من لاعبي الجيل الثاني الذين نشأوا في فرنسا، ومنهم وهبي الخزري لا عب فريق رين الفرنسي، ونعيم السليتي لاعب ديجون، وأنيس البدري لاعب فريق الترجي الرياضي التونسي، وكذلك صيام بن يوسف لاعب فريق قاسم باشا التركي. لا بد من التأكيد أنه ظهر خلال السنوات الماضية ضعف في القاعدة المحلية بسبب عدم التأهل في مناسبتين لكأس العالم، إضافة لمشاكل مالية تواجه النوادي الكبرى وقصور في التشكيلة. ولذلك يعتبر استدعاء اللاعبين من حاملي الجنسية المزدوجة هو انتداب هادف لتعزيز مجموعة محلية قوية.

بعد بلوغ نهائيات كأس العالم للمرة الخامسة والأولى منذ 2006، بذل الجهاز الفني لمنتخب تونس جهدا لاستقطاب لاعبين من حملة الجنسية التونسية اكتسبوا مهارات كرة القدم في الملاعب الفرنسية
بعد بلوغ نهائيات كأس العالم للمرة الخامسة والأولى منذ 2006، بذل الجهاز الفني لمنتخب تونس جهدا لاستقطاب لاعبين من حملة الجنسية التونسية اكتسبوا مهارات كرة القدم في الملاعب الفرنسية

البحث عن الاحتراف

بعدما نشأوا في أندية فرنسية ولم ينالوا فرصة للدفاع عن ألوانها، وجد لاعبون فرنسيون من أصل جزائري ضالتهم في أندية دوري الدرجة الأولى الجزائري، حيث يوفرون للأندية موهبة احترافية، دون أن يؤثروا على النسبة المحدودة للاعبيها الأجانب. وحسب دراسة نشرها المركز الدولي للدراسات الرياضية في جنيف العام الماضي، تشكل الجزائر الوجهة الأولى خارج أوروبا للاعبين الفرنسيين، حيث يبلغ عددهم 33 من أصل 350 لاعبا محترفا في 16 ناديا في دوري الدرجة الأولى في الجزائر.

فهؤلاء اللاعبون من أصول جزائرية عادوا للعب في بلد آبائهم لمواصلة مشوارهم في البلاد حيث يعتبرون بمثابة لاعبين محليين نظرا لحملهم جواز السفر الجزائري. ونخص بالذكر من هؤلاء، مهدي حمزة الورتاني الذي كان يحلم بالاحتراف في فرنسا حيث بدأ مسيرته في مرسيليا العريق، إلا أن تجربته الكروية قادته في نهاية المطاف إلى نادي نصر حسين داي في الدرجة الأولى الجزائرية.

وبدأت قصة الورتاني (27 عاما) مع كرة القدم في المدينة الجنوبية الفرنسية حيث ولد لأب تونسي وأم جزائرية. تدرب ولعب في فريق ما دون 19 عاما، قبل أن يخوض تجربة في إيستر المتواضع. بعد ذلك، انتقل إلى تونس حيث تنقل بين أندية عدة منها النادي الرياضي البنزرتي والشبيبة الرياضية القيروانية، قبل أن يلتحق بنادي نصر حسين داي عام 2016.

بدأت “الهجرة المعاكسة” للاعبين الذين يحملون الجنسيتين، مع خالد لموشية خريج مدرسة ليون الذي انتقل للعب في وفاق سطيف في موسم 2006-2007، وأصبح في مرحلة لاحقة من الأساسيين في المنتخب الجزائري. وحسب ما روى اللاعب لصحف فرنسية، أدى هذا الانتقال إلى زيادة مهمة في راتبه الشهري الذي وصل إلى خمسة آلاف يورو. كما حقق نجاحات على صعيد الألقاب: الدوري الجزائري مرتين، كأس الجزائر مرتين، نهائي كأس الاتحاد الأفريقي… وصولا إلى استدعائه عام 2008 إلى المنتخب الجزائري الذي خاض معه 30 مباراة دولية.

بثوب محلي

في العام 2015، منع الاتحاد الجزائري انتداب لاعبين أجانب نظرا للظروف المالية للأندية، ما أدى الى تزايد في أعداد اللاعبين “المغتربين” من حاملي الجنسية الجزائرية، والذين لا يحتاجون بالتالي لرخصة خاصة. وسارت الأندية الجزائرية على خطى الاتحاد باستقدام لاعبين فرنسيين جزائريين يلعبون بصفتهم محليين لتدعيم صفوفها، مستفيدة من تكوينهم الجيد في أندية فرنسية، بدل استقدام أجانب يكلفون مبالغ طائلة.

الجزائر تشكل الوجهة الأولى خارج أوروبا للاعبين الفرنسيين، حيث يبلغ عددهم 33 من أصل 350 لاعبا محترفا في 16 ناديا في دوري الدرجة الأولى في الجزائر، حسب إحصاءات رابطة الدوري

وفُتح الباب لعدد من اللاعبين مزدوجي الجنسية للانضمام إلى المنتخب الجزائري، لكونهم لم يدافعوا عن ألوان المنتخب الفرنسي، ومنهم حسان يبدة ومراد مغني (فازا بكأس العالم مع منتخب فرنسا لما دون 17 عاما في 2001)، وغيرهم. رغم أن الاتحاد أتاح للأندية استقدام لاعبين أجانب، إلا أن الرابطة وضعت قيودا صارمة على ذلك، أهمها امتلاك الموارد المالية الكافية لدفع أجورهم. ووجدت الأندية الجزائرية حلا يخلصها من القيود التي تفرضها الرابطة باستقدام لاعبين أجانب في ثوب لاعبين محليين، أي اللاعبين المزدوجي الجنسية. ولا تسمح قوانين كرة القدم في الجزائر بتسجيل سوى ثلاثة لاعبين أجانب في كل ناد ومشاركة لاعبين اثنين فقط في المباراة الواحدة.

وأظهر اللاعبون الوافدون من فرنسا مستوايات جيدة، إلا أن صعوبة تأقلم بعض اللاعبين مع النوادي الجزائرية قد تكون عائقا حقيقيا أمام بسط نفوذهم وإبراز قدراتهم. ومن الواضح أن ما ينقصهم هو التأقلم مع كرة القدم في الجزائر. وصعوبة هذا التأقلم دفعت باللاعب وليد بوراوي الذي سعى بكل جهد للعب في الجزائر، ودفع كلفة تسريحه من ناديه المكون فيه بفرنسا إيفيان، إلى مغادرة الجزائر بعد قدومه إليها. فبعد أن وقع اللاعب عقدا لخمس سنوات مع نادي شباب بلوزداد في الدرجة الأولى، بقناعة اللعب في أعلى مستوى عاد وفسخ العقد نظرا لظروف الصعبة للعمل وانتقل إلى الدرجة الخامسة في إسبانيا.

وللتذكير فإن العرب يعيشون الآن حقبة ذهبية حقيقية، وبعدما كان بإمكانك عد المحترفين العرب على أصابع اليد الواحدة، أصبح تحديد أفضلهم بمثابة تحد جديد يواجهنا كل موسم، والفضل في ذلك يعود بالأساس لثلاثي المغرب العربي “تونس والجزائر والمغرب” الذي أصبح يحمل على عاتقه عبء تمثيل العرب في القارة العجوز، بالإضافة لمجموعة من الصدف والظروف التي أنقذت آخرين من براثن الحرب أو رؤساء الأندية الجشعين محدودي الأفق، والنتيجة أن أعدادهم في تزايد مطّرد في السنوات الأخيرة، وجودتهم كذلك.

ورغم هذا الظهور اللافت للنجوم العرب في الملاعب الأوروبية، فإن عددا منهم لم يحالفهم الحظ؛ إما بسبب تراجع مستواهم أو توالي الإصابات أو رؤية المدرب أو قرار خاطئ بالانتقال لتجربة جديدة سلبتهم مزية اللعب كأساسيين، والقائمة تضم المهدي بن عطية من يوفنتوس الإيطالي، وأيمن عبدالنور من مرسيليا الفرنسي، ومحمد النني من أرسنال الإنكليزي، وياسين براهيمي من بورتو البرتغالي.

22