تونس والجزائر.. كأنهما ليستا جارتين

انعدام البنيات والهياكل الثقافية المشتركة بين الجزائر وتونس أدى إلى عدم وجود أي تكامل ثقافي بينهما.
الجمعة 2020/02/07
البلد الواحد المنعزل لا يقدر أن يخوض بمفرده غمار الثورة الإيجابية

تشترك تونس والجزائر حضاريا بشكل كبير، فعلى مر العصور عاش هذان البلدان تاريخا واحدا، سواء ما يتعلق بالأمازيغ أو الحضارات التي سبقتهم، أو تلك التي تعود إلى عصور قرطاج وروما والعرب لاحقا ونهاية بالاستعمار الفرنسي الذي عانى منه البلدان. المشتركات اللغوية والحضارية أدت بالطبع إلى مشتركات ثقافية، لكنها وإن كانت مبثوثة بين الشعبين والمبدعين في البلدين، فإنها لم تحظ بالاهتمام الرسمي والعناية إلى الآن.

في الأسبوع الماضي شهدت الجزائر حدثا سياسيا مهما تمثل في زيارة الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد للجزائر، ولكن قد لوحظ أن تلك الزيارة قد غلب عليها الطابع السياسي والاقتصادي فقط أما البعد الثقافي والفني فقد غاب تماما عنها حيث لم نشهد، مثلا، التمهيد لتلك الزيارة بندوات ثقافية أدبية وفكرية وفنية بمشاركة الفاعلين الثقافيين في كل من تونس والجزائر من أجل وضع لبنات واقعية وملموسة لاستراتيجية التبادل الثقافي التونسي/ الجزائري على المدى القصير والطويل معا.

وأكثر من ذلك فإن الأدبيات التي تمخضت عنها تلك الزيارة لم تتضمن أي إشارات إلى وجود مشروع تونسي/ جزائري بموجبه يتم وضع جدول زمني لبعث العلاقات الثقافية بين البلدين الجارين والشقيقين.

تعاون فردي

لا شك أن واقع العلاقات الثقافية التونسية – الجزائرية يدعو إلى الأسف بكل المقاييس، وذلك منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، ما عدا بعض الندوات القليلة التي عقدها اتحاد الكتاب الجزائريين واتحاد الكتاب التونسيين من عام 1981 إلى عام 1985 تتويجا لبروتوكول التعاون الموقع بين الاتحادين، الأمر الذي ساهم في النجاح النسبي الذي شمل حينذاك تبادل وفود الكتاب والأدباء بين الاتحادين وتنظيم اللقاءات الأدبية والفكرية المشتركة جنبا إلى جنب، مع التنسيق الدائم في الندوات والمؤتمرات الأدبية التي كانت تعقدها اتحادات الكتاب العربية مشرقا ومغاربيا واتحادات الكتاب الأجنبية وفي المقدمة اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا على نحو خاص.

لا تكفي استضافة معرض تونس للكتاب الجزائر ضيفة شرف
لا تكفي استضافة معرض تونس للكتاب الجزائر ضيفة شرف

وقد كانت هناك أيضا بعض المشاركات الفردية لفنانين وفنانات جزائريين وجزائريات وتونسيين وتونسيات في عدد قليل من المسلسلات الدرامية، فضلا عن أشكال متقطعة من العمل الفردي المثمر في حقل الموسيقى والغناء، مثل ذلك التعاون الذي تم بين الموسيقي الجزائري نوبلي فاضل والمغني التونسي المعروف لطفي بوشناق، وأثمر أعمالا غنائية مشتركة ذات أهمية ولكنها لم تنل حظها من الإشهار والتبليغ في وسائل إعلام البلدين.

إلى جانب ما تقدم فقد شارك في الماضي القريب عدد قليل جدا من الكتاب والأدباء والمفكرين التونسيين والجزائريين بصفة فردية ومتقطعة، في كل من تونس والجزائر، في بعض الأمسيات الشعرية، والملتقيات الروائية، والنقدية والفكرية منها، ونذكر هنا على سبيل المثال، الندوات التي نظمها كرسي اليونسكو للفلسفة برعاية الدكتور فتحي التريكي ولكن تلك الندوات، على ندرتها وخضوعها غالبا للعلاقات الشخصية، قد تميزت بأنها قليلة جدا ولا يمكن أن تكون بديلا للعلاقات الثقافية الاستراتيجية المنشودة بين دولتين لهما شراكة في الجغرافيا والتاريخ والدين واللغة والانتماء الحضاري.

في الحقيقة إن العلاقات السياسية والدبلوماسية بين البلدين لم ترسخ الجسور الثقافية بين تونس والجزائر، وذلك إذا أخذت بعين الاعتبار شرطا محوريا وهو اعتبار الثقافة جزءا عضويا من العمل السياسي الجزائري التونسي المشترك.

وفي تقديري إن الخروج من هذه الوضعية السلبية يستدعي ترتيب أفق جديد للعلاقات الثقافية الجزائرية – التونسية، والشروع في وضع الأسس الصلبة للمؤسسات الثقافية المشتركة مثل إنشاء مراكز ثقافية تونسية في كبريات المدن الجزائرية ومراكز ثقافية جزائرية في كبريات المدن التونسية.

ويلاحظ كذلك أن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي يوجد مقرها بتونس لم تستثمر إمكانياتها المادية وخبرات المسؤولين فيها لدعم مشروع التعاون الثقافي والفني الجزائري التونسي. كما أن البنود الثقافية والفنية التي يتضمنها ميثاق الاتحاد الأفريقي لم تفعّل تونسيا وجزائريا بهدف جعل الجزائر وتونس لاعبين ثقافيين بارزين ومؤثرين في القارة الأفريقية السمراء.

 وفي هذا الخصوص بالذات فإنه لا يعقل أن تكون لفرنسا أو روسيا مراكز ثقافية في الجزائر أو في تونس ولا نرى أي مركز ثقافي تونسي في العاصمة الجزائرية وفروع له في المدن الجزائرية الكبرى والعكس أيضا، أو أي مركزي ثقافي جزائري/ تونسي مشترك في أهم الدول الأفريقية.

ينبغي أن يعترف المسؤولون في تونس والجزائر معا بحقيقة مؤلمة وهي أن انعدام البنيات والهياكل الثقافية المشتركة بين القطرين الشقيقين قد أدى ولا يزال يؤدي إلى عدم وجود أي تكامل ثقافي وفني بين الدولتين على مستوى المسرح، والسينما، والفنون التشكيلية، والصناعات التقليدية ذات القيمة الثقافية والفنية، وفي ميدان النشر وطبع وتوزيع الكتاب في الفضائيين التونسي والجزائري.

إن هذه المسائل تحتاج إلى إضاءة أكثر لكي ندرك كيف ينبغي تأسيس استراتيجيات الأفق الثقافي الجزائري – التونسي في القرن الحادي والعشرين.

العزلة الثقافية

كما نعرف فإن الإنتاج الدرامي، مثلا، يحتاج إلى تكامل الخبرات والدعم المالي الضروري وإلى شبكات التوزيع إقليميا ودوليا، وجراء ذلك فإن البلد الواحد المنعزل لا يقدر أن يخوض بمفرده غمار الثورة الإيجابية في حقل الدراما إذ هي مشروطة، من دون أدنى شك، بتكامل الجزائر وتونس واستقطاب الدول المغاربية الأخرى للمساهمة الفعالة في هذا المشروع الحيوي، سعيا إلى جعل المنطقة المغاربية قطبا فنيا وثقافيا ومنتجا للدراما المتطورة ومنافسا قويا على الصعيد الدولي.

من الضروري ترتيب أفق جديد للعلاقات الثقافية الجزائرية التونسية، ووضع أسس صلبة للمؤسسات الثقافية المشتركة

ويلاحظ أيضا خلو المناهج التعليمية في مدارس ومعاهد وجامعات تونس والجزائر من نصوص الإنتاج الثقافي والفني والفكري والتاريخي للبلدين، وقد ساهم هذا النقص الفادح في عزل الأجيال التونسية والجزائرية عن هذا الإنتاج الثقافي وعن منتجيه التونسيين والجزائريين على حد سواء، الأمر الذي كرس ولا يزال يكرس العزلة الثقافية والفكرية في الفضاء التونسي/ الجزائري بشكل عام ولدى أجيال الطلاب التونسيين والجزائريين بشكل خاص.

ومن المؤسف أيضا أن جمعيات وروابط المجتمع المدني الثقافية والفنية التونسية والجزائرية بمختلف أنواعها ليست لديها أرضية مشروع العمل المشترك أو خطة لتوحيد صفوفها في جمعيات وروابط متكاملة ثم المضي قدما في بلورة ميثاق وخطة لتنفيذ العمل الثقافي والفني الجمعوي التونسي – الجزائري.

15