تونس والشأن الليبي: سر التهافت السياسي

الثلاثاء 2014/05/27

إثر إعلان اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر عن بدء عمليّة عسكريّة شاملة لتطهير ليبيا من الإرهاب والعصابات سماها «عمليّة الكرامة»، أصدرت حركة النهضة التونسيّة يوم 21 ماي 2014 بيان مساندة لما تسميه الشرعيّة في ليبيا، تدين فيه ما تسمّيه الانقلاب على المؤتمر الوطني العام. هذا الموقف المساند للشرعيّة الليبيّة صدر أيضا عن رئيس الجمهوريّة المؤقّت منصف المرزوقي، وعن رئيس حركة نداء تونس الباجي قايد السبسي. هذا الموقف الموحّد من أطراف سياسية في تونس يستدعي النقاش.

الغريب أنّ هذه الأطراف التونسية المتدخلة في الشأن الليبي لم تفهم إلى حدّ الآن المشهد الليبي المعقد، إذ سرعان ما بدأت تظهر بيانات المساندة والانضمام إلى عمليّة الكرامة من قبل وزراء وقبائل وأجزاء من الجيش والشرطة الرسميّين. بل إنّ عبدالله الثني رئيس الحكومة الليبيّة المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام، أعلن هو الآخر عن انضمامه إلى حفتر. فلم يكن من الحكمة مساندة هذا الطرف أو ذاك، لأنّ ذلك لا يخدم تونس بل قد يسبّب لها المشاكل.

لقد سبق لحركة النهضة التونسيّة أن أدانت إسقاط إخوانها في مصر. لا شيء همّها حينها سوى الشرعيّة، التي مارست كلّ أنواع الدراما والتراجيديا في الدفاع عنها في تونس لمّا كانت في الحكم، أمّا تخريب الإخوان لمصر وخيانتهم لأمنها وخيانتهم لناخبيهم بعد الإعلان الدستوري الفرعوني، والاستحواذ على مؤسّسات الدولة وكشف أسرار الدولة للأجانب، وإقامة علاقات مع الإرهابيّين والتآمر على أمن الدولة وتمويل الإرهاب، كلّ هذا لم تره حركة النهضة التي تدعي أنها حركة مدنيّة وسطيّة، والحال أنّ ممارساتها وبياناتها تبيّن عكس ذلك.

وانسجاما مع خطّها المعادي للمدنية، تصدر حركة النهضة بيانا يساند الشرعيّة الغارقة في الإرهاب في ليبيا، وهي شرعيّة حزب العدالة والبناء الإخواني المدعوم من أنصار الشريعة ومن المجموعات الإرهابيّة، والذي عجز عن تأسيس دولة وعن فرض الأمن. ورغم هذا الوجه المسلّح لحزب العدالة والبناء، ورغم استسلامه لدولة العصابات، فإنّ حركة النهضة التونسيّة تدعمه.

في ليبيا اليوم كل أنواع الإرهاب من الهواية إلى الاحتراف، من الإسلامويّ المتشدّد إلى المختصّ في التهريب إلى تجارة الممنوعات إلى عصابات الخطف والمساومة. ومع ذلك تعتبر كلّ من حركة النهضة وحركة نداء تونس ورئاسة الجمهوريّة التونسيّة أنّ هناك في ليبيا شرعيّة تستحقّ الدعم والمساندة! ليبيا لم يعد ينقصها إلاّ حضور أيمن الظواهري، فالأرض والأجواء كلّها معدّة لاستقباله لولا أنّ الطريق من تورابورا إلى بنغازي غير سالكة.

ليبيا التي أوشكت أن تتحوّل إلى إمارات وطوائف قبليّة مسلّحة متناحرة متعادية، التي يغيب فيها وجه الدولة بشكل كامل، التي يختطف رئيس وزرائها ليؤدّب ثمّ يطلق سراحه، التي لا حصانة فيها لأحد من القتل، التي تستحل فيها مؤسّسات الحكم فيقتحمها المسلّحون متى شاؤوا، ليبيا التي يختطف الدبلوماسيّون على أراضيها، ليبيا هذه لم تحظ ببيان مساندة من حركة النهضة. أمّا الشرعيّة القائمة على كل هذا فمدعومة. تدعم النهضة ونداء تونس والمرزوقي الشرعيّة المتهاوية ولا يدعمون ليبيا المتهالكة.

الشرعيّة التي يساندها كلّ من المرزوقي وراشد الغنوشي والباجي قايد السبسي، هي التي ملأت تونس بالسلاح ويسّرت كلّ أنواع التهريب الذي ينهك الاقتصاد التونسي. وهي التي مثّلت ملجأ لكلّ الإرهابيين الهاربين من العدالة التونسيّة والذين سفكوا دماء التونسيّين عبر الاغتيالات وحتى عبر جرائم الحقّ العام. وشكّلت سوقا نشطت فيها عصابات التجنيد لاستقطاب شباب تونس الممتلئ حياة وتحويل وجهتهم من مواطنين صالحين إلى قتلة بالأجرة في غير أرض.

لم يقدّر كلّ من الرئيس المرزوقي وراشد الغنوشي والباجي قايد السبسي حجم التواجد الليبي في تونس وطبيعته. فمليون و900 ألف ليبي أي أكثر من ربع سكّان ليبيا يوجدون في تونس بين مقيمين دائمين ومقيمين عابرين، وهذا الرقم مرشّح للارتفاع بعد انطلاق «عمليّة الكرامة» العسكريّة. فأين هو الشعب الذي يحكمه المؤتمر الوطني العام، ومن الذي منحه الشرعية ومواطنوه هاربون إلى الخارج؟ هذا التواجد الكبير لليبيين على الأراضي التونسيّة يعني أنّهم فقدوا الأمان في بلدهم فهربوا إلى تونس لاجئين.

لم ير مساندو شرعية المؤتمر الوطنيّ في ليبيا هذه الأرقام والمعادلات والمخاطر التي يسبّبها الوضع القائم في ليبيا لتونس. إنّه التهافت لاسيما بعد أن رفضت الأمم المتّحدة أن تصف ما يحدث في ليبيا بأنّه انقلاب باعتبار غياب الدولة التي يُنقلب عليها، وبعد ترحيب أميركا بالانتخابات الليبية المبكرة التي أعلن عنها حفتر.

موقف الباجي قايد السبسي المساند لشرعية المؤتمر الوطني العام، هو موقف غير مدروس، ولا ينسجم مع هوية الحزب العلمانية وتوجهاته الليبرالية. نداء تونس يعلن أنه حزب ديمقراطي فكيف يعلن دعمه لأطراف غير ديمقراطية، ولوضع لن يكون ديمقراطيّا باعتبار طبيعته المسلّحة وامتلائه بالعصابات؟ إنّما موقف قايد السبسي يدخل في إطار ردّ الجميل إلى حركة النهضة، بمساندة من تسانده في إطار سياسة التنسيق بين الحركتين منذ قرار إسقاط قانون العزل السياسي الذي اتّخذه قايد السبسي ونفّذه راشد الغنوشي ضمن أحد بنود تخطيطهما لاقتسام السلطة في المستقبل. لنذكّر بأنّ قايد السبسي كان رئيس الحكومة التونسيّة إبّان ثورة 17 فبراير، وأنّه كان يدعم طرفي النزاع، ولا نريد أن نذكّر بأنّ قادة حركة النهضة كانوا من أوائل من التقط الصور مع الثوّار «الإسلامويين» الليبيين.

حركتا النهضة الإخوانيّة ونداء تونس الليبراليّة العلمانيّة تتساندان في ما لا يخدم الثورة التونسيّة، ولا يخدم تونس ومصالحها الخارجيّة ومستقبلها. ولعلّ هذا التخادم بين الحركتين كاشف لوجه تونس المستقبلي متى اتّفقتا على اقتسام السلطة بعد الانتخابات القادمة. أمّا الرئيس منصف المرزوقي فأغلب تدخّلاته الدبلوماسية غير مدروسة وتسبّبت لتونس في إحراجات كثيرة مع دول شقيقة كمصر والإمارات مثلا.

أمّا الحكومة التونسيّة فكان تعاملها مع الأحداث التي تشهدها ليبيا ذكيا وفاعلا ومؤْثرا لمصلحة تونس دون أيّ تدخّل في الشأن الداخليّ الليبي. فلم تصدر الحكومة التونسيّة بيانا متعلّقا بالشأن الليبي شأن المتهافتين، وإنّما سارعت إلى التنسيق الأمني والعسكري مع الجزائر لحماية الأراضي التونسية من تسلّل السلاح أو المحاربين. أمّا المتهافتون فيبدو أنّ معاناة تونس جرّاء تهافتهم لن تنتهي قريبا.


كاتب وباحث تونسي

8