تونس والغنوشي في انتظار صراع الدين والدولة

ربما تتخلى حركة النهضة عن السلطة التنفيذية بعد ضمان عدم فتح ملفاتها وتتشبث برئاسة البرلمان من أجل أن يحقق الغنوشي حلمه الشخصي في إدارة الحياة التشريعية. وهو ما قد يحدث. غير أن ذلك لن يكون حدثا سعيدا بالنسبة لأغلبية الشعب التونسي.
الأربعاء 2019/11/13
أحلام شخصية تهدّد مستقبل النهضة

يتحرك شبح راشد الغنوشي بين الحكومة والبرلمان.

خياران كلاهما مر بالنسبة للشعب التونسي.

فالرجل الذي فاز حزبه “حركة النهضة الإسلامية” بأغلبية لا تؤهلها لنيل المنصبين إلا بعد أن تعقد تحالفات صعبة، يحلم بأن يحكم تونس.

ذلك هو حلمه الشخصي الأخير. هو ما قد يُحرم منه إذا ما فشلت حركته في إقناع الآخرين بالقبول به.

لربما خُيل إليه أنه رجل تونس القوي بعد وفاة الباجي قائد السبسي. ذلك ليس صحيحا. فالغنوشي هو زعيم حركة تحوم حولها الشبهات.

تلك الشبهات يمكن ألا يلاحقها القضاء، إذا ما تمكن الرجل من القبض على إحدى السلطتين، التنفيذية أو التشريعية.

فالغنوشي في حقيقته لا يملك مشروعا للنهوض بتونس وإصلاح الأوضاع الاقتصادية. وإذا ما كان الآخرون يفكرون في حكومة إنقاذ اقتصادي، وهو ما لا يمكن التراجع عنه خشية انفجار الشارع المتخم بالأزمات، فإن الغنوشي إذا ما أتيحت له فرصة الجلوس على كرسي رئاسة البرلمان على سبيل المثال، سيعطل إمكانية الذهاب إلى حكومة إنقاذ مصغرة بالاعتماد على العقول الاقتصادية. لا لشيء إلا لأنه يفكر عقائديا، وهو لا يرى في وجود النهضة في رئاسة الحكومة أو البرلمان إلا مناسبة لخدمة المشروع العقائدي الذي ناضل شخصيا أو من خلال حركته من أجل أن يرى النور.

ربما تتخلى حركة النهضة عن السلطة التنفيذية بعد ضمان عدم فتح ملفاتها وتتشبث برئاسة البرلمان من أجل أن يحقق الغنوشي حلمه الشخصي في إدارة الحياة التشريعية. وهو ما قد يحدث. غير أن ذلك لن يكون حدثا سعيدا بالنسبة لأغلبية الشعب التونسي.

فالغنوشي، بالرغم من تجاربه السابقة، لم يكن راغبا في الارتقاء بحركته إلى مستوى متطلبات الحفاظ على الدولة المدنية، التي يحرص التونسيون على أن يكون وجودها ضمانة لحياتهم مواطنين.

ما تفكر فيه حركة النهضة، كونها تنظيما دينيا يقع خارج إطار الدولة المدنية، هو العمل على إزاحة تلك الدولة عن طريقها. ذلك لأن وجودها يشكل عقبة في طريق سن القوانين، التي تيسر لها السيطرة على مجتمع، يتحول فيه المواطنون إلى رعايا، فيما تفرض الزعامات الدينية أسلوبا في العيش، لن يكون الفقر من خلاله مشكلة تقع على الحكومة والطبقة السياسية مسؤولية حلها.

أما إذا لم تتمكن رئاسة البرلمان مجسدة في شخص الغنوشي من فرض تلك القوانين فإنها ستعمل جاهدة على تعطيل سن القوانين التي سيكون من شأنها تحسين الأوضاع المعيشية في دولة، ستكون عاجزة عن الالتفات إلى مواطنيها في ظل الأزمات التي ستعصف بالسلطتين التشريعية والتنفيذية.

يمكن للغنوشي إذا ما ترأس البرلمان أن يعطل عمل الحكومة.

ويمكنه أيضا إذا ما ترأس الحكومة أن يميع قوانين البرلمان.

ذلك كله مرتبط بشخصيته وضوابط عمله العقائدي والمشروع الديني الذي تبنته حركته. لذلك يمكنني القول إن الرجل لا يصلح لتبوأ منصب سياسي قيادي.

ربما كان على الغنوشي ألا يرشح نفسه لمنصب قيادي في الدولة ويكتفي بإدارة ممثليه في الدولة من خلال موقعه في الحركة. غير أنه انجر وراء تحقيق حلمه الشخصي من غير أن يفكر بالمستقبل السياسي للحركة التي يقودها، والتي لم يرغب في تحريرها من أهدافها الدينية بالرغم من أنها لم تمارس سوى العمل السياسي.

ما كان لأحد أن يطلب من الغنوشي أن يلتزم بمبادئ العمل السياسي في دولة مدنية مثل تونس، لو لم يعمل شخصيا في السياسة ويختبر نفسه وحركته في متاهات الديمقراطية، التي لا تمت إلى العمل الديني بصلة.

هو رجل سياسة، لكن على طريقته الخاصة، التي ليس فيها من السياسة الحديثة شيء يمكن التعويل عليه في إنجاز ما ينفع الناس.

9