تونس والهدنة العاجلة

البلاد تحتاج إلى هدنة عن الصخب الذي عاشته منذ 2011، صخب الشعارات والمطالب والحسابات، والتفكير في مصالح الناس وحاجياتهم وظروفهم وإعادة تحريك دواليب الدولة.
الجمعة 2021/05/21
المصلحة العامة فوق الجميع

في قلب أزمتها الاقتصادية والصحية تعيش تونس على وقع إضراب طويل لموظفي جَمْعِ الأداءات والضرائب المدعومين من الاتحاد العام التونسي للشغل، والذين يريدون مضاعفة المنح الخاصة بمهمتهم. والطريف أن موظفي هذا القطاع قد نجحوا في انتزاع تعهد حكومي بالحصول على نسبة من الأموال التي يجمعونها عدا عن رواتبهم ومنح أخرى حصلوا عليها بإضرابات لا تكاد تتوقف منذ ثورة 2011.

وهدد موظفو النقل بمختلف قطاعاتهم البرية والجوية والبحرية بشن إضراب الخميس بالتوازي مع إضراب قطاع المالية وتحصيل الضرائب قبل أن يتم التراجع عنه للمرة الثانية، بسبب ما يقولون إنها مماطلة من الحكومة في تنفيذ تعهدات سابقة.

وبقطع النظر عن مشروعية هذه المطالب وارتباطها باتفاقيات سابقة، فإنها تأتي في وقت صعب بالنسبة إلى حكومة هشام المشيشي والبلاد ككل، فالأزمة الصحية لا تزال في أوجها مع ارتفاع أعداد المصابين والموتى بسبب الوباء وعجز البلاد عن توفير الكميات اللازمة من اللقاحات، وهو أمر يعود إلى غياب التمويل الكافي.

يضاف إلى ذلك أزمة اقتصادية حادة تعيشها تونس، وهو ما تعبر عنه الأرقام العالية للمديونية والتضخم، فضلا عن قرار شركات عالمية مهمة بمغادرة البلاد مثل شركة شيل العالمية بسبب الظروف غير الملائمة التي تعيشها البلاد، والمقصود بها كثرة الإضرابات والاعتصامات ومطالب العمال بالزيادات المتتالية، وهو ما لا تقدر على توفيره الشركات الخاصة الدولية أو المحلية.

والوضع نفسه تعاني تبعاته حكومة المشيشي بعد أن فرضت النقابات في القطاع الحكومي على حكومات سابقة اتفاقيات والتزامات لا تقدر عليها ميزانية الدولة التي يذهب الجزء الأكبر منها إلى كتلة الرواتب، فضلا عن حصص الوزارات والمؤسسات السيادية في غياب أي خطة رسمية للتقشف واستمرار ثقافة الإنفاق السخي من المال العام على كبار المسؤولين.

لا يعني هذا تحميل الاتحاد العام التونسي للشغل لوحده مسؤولية الأزمة، ولكن الوضع نتاج لعوامل وأدوار مشتركة ومتداخلة، منها ما يتعلق بالمطالب النقابية التي لا تتوقف، والتي ترتبط بدورها بغلاء الأسعار، ومنها ما يتعلق بضعف ثقافة العمل وسيطرة ثقافة العلم في القطاع الحكومي لما يوفره من مزايا مغرية.

لكن الدولة في 2021 لم تعد هي الدولة في ستينات وسبعينات القرن الماضي حين تأسس نموذج الدولة الراعية في عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، وهو نموذج أقرب إلى ثقافة البيروقراطية في الدول النفطية ولم يكن ملائما لدولة صغيرة محدودة الإمكانيات الطبيعية.

وقاد هذا النموذج إلى تقاليد سلبية لم تعد البلاد قادرة على الاستمرار فيها. الآن توقفت السياحة، وهي أهم القطاعات في توفير مواطن الشغل. كما بات المناخ الاجتماعي طاردا للشركات الأجنبية والمحلية التي باتت تضع على قائمة أولوياتها خيار الهروب إلى دول آمنة.

ومن الطبيعي أن يقود هذا المناخ إلى اهتزاز صورة تونس في الخارج، وخاصة لدى الممولين الأجانب، وعلى رأسهم المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. وكانت البلاد استنفدت فرص الحصول على قروض من دول صديقة، وخاصة من دول الخليج الثرية لأسباب يتداخل فيها الاقتصادي والأمني بالسياسي، ودخول تونس ما بعد 2011 في سياسة الأحلاف.

ولم يعد خافيا أن صندوق النقد الدولي، الذي يدرس طلبا تونسيا بالحصول على قرض في حدود 4 مليارات دولار، قد وضع شروطا واضحة على رأسها التزام رسمي من المؤسسات التونسية (حكومة ورئاسة وبرلمان) ومن الشركاء الاجتماعيين (أساسا اتحاد الشغل) بالشروط التي يضعها الصندوق وبينها وضع سياسة تقشف واضحة، تقليص اعتمادات الميزانية المخصصة للأجور وما يعنيه هذا من وقف للتوظيف في المؤسسات الحكومية، وكذلك الرفع التدريجي للدعم عن المواد الأساسية وفق آلية واضحة ودقيقة.

وهذا التزام لا تقدر عليه حكومة المشيشي لوحدها، ولا تقدر عليه رئاسة الجمهورية ولا البرلمان دون مشاركة ودعم واضحين لهذا المسار من الاتحاد العام التونسي للشغل. لأجل ذلك يراهن الجميع على موقف الأمين العام للاتحاد نورالدين الطبوبي من أجل إقناع مؤسسات الاتحاد بهدنة اجتماعية لمدة تتراوح من ثلاث إلى خمس سنوات توفر مناخا مناسبا للإصلاحات الحكومية، وخاصة تضمن شراكة جماعية في تحمّل أعباء هذه الإصلاحات.

ما سوى ذلك لا يمكن الحديث عن اتفاق مع الصندوق ولا عن إصلاحات تبقي الدولة قادرة على الإيفاء بتعهداتها الداخلية والخارجية. لم يعد الأمر قابلا للمناكفة السياسية بين الاتحاد والحكومة، ولا بين مؤسسات الدولة القيادية، ولا بين الأحزاب. سيكون هذا الوضع المعقد فرصة لاختبار مسؤولية الجميع خاصة أن الدولة لا تمتلك أي بدائل أخرى غير الرهان على القروض.

هي فرصة لاختبار مدى قدرة الطبقة السياسية الحاكمة والمعارضة في نفس الوقت على التحلي بمفهوم الدولة والتخلي عن الشعارات القديمة التي تنظر إلى صندوق النقد الدولي كغول لا بد من الفكاك منه، وهي شعارات جذابة فكريا وسياسيا لوضع المعارضة التقليدية لكنها لا تتماشى مع وضع دولة مثل تونس التي تجد نفسها في وضع صندوق النقد أمامك والفساد من ورائك.

ولا شك أن مراجعة المفاهيم القديمة الآمنة والمربحة والمريحة في وضع المعارضة لا يقتصر على الموقف من العلاقات مع صندوق النقد أو البنك الدولي أو أي جهة مانحة أخرى تفرض شروطا قاسية لاستعادة أموالها، فهو يمتد إلى المواقف السياسية “الثورية” التي جلبت على البلاد الكثير من الصعوبات، وقد تقود إلى صعوبات أخرى أكثر تعقيدا مثل موضوع تجريم التطبيع مع إسرائيل الذي يجري التعامل معه في سياق لعبة المكاسب الحزبية الداخلية.

من حق أي حزب أن يحدّد موقفه من أي دولة أو منظمة أو شخصية محلية أو دولية، فقط ليس من حقه أن يلزم الدولة بآرائه وحساباته خاصة أن الأمور ترتد سريعا على مصالح البلاد مثلما جرى في الخلاف الخليجي – الخليجي.

إن البلاد تحتاج إلى هدنة عن الصخب الذي عاشته منذ 2011، صخب الشعارات والمطالب والحسابات، والتفكير في مصالح الناس وحاجياتهم وظروفهم وإعادة تحريك دواليب الدولة التي تراجعت وتضاءلت أمام تمدّد مفهوم الحزب والحركة والفكرة العابرة للدول.

8