تونس ودكتاتورية الديمقراطية

الخميس 2017/02/23

ما يحدث هذه الأيام في قطاع التعليم من إضرابات هدفها تنحية وزير التربية التونسي تأكيد لأن الديمقراطية في تونس أصبحت تُنتج الدكتاتورية.

فمن المفروض أن تزول الدكتاتورية في المجتمعات الديمقراطية لأن الديمقراطية هي النقيض الصريح لها، وذلك ما نجده في المجتمعات التي تحكمها نظم ديمقراطية حقيقية تنظم حياة الناس فيها قوانين صارمة يخضع لها الحاكم والمحكوم معا، وتسهر على تطبيق تلك القوانين سلطة قضائية مستقلة عن الطبقة السياسية والأحزاب، وكل متجاوز لتلك القوانين، مهما تكن منزلته في الدولة أو في المجتمع ومهما يكن قدْره في السياسة أو في العلم أو في الأمن، لا يسلم من التتبع.

وما دام نظامنا السياسي كما يقال لنا قد أصبح ديمقراطيا فإن من المفروض أن تزول من البلاد مظاهر الدكتاتورية وأن يُتَتَبّع المعتدون على الديمقراطية وعلى القوانين التي تنظم حياة الناس والمجتمع. ولكننا نلاحظ الديمقراطية يعْبَث بها والقوانين تُهْدَرُ ليتولد نوع من الدكتاتورية طريف وغريب في الوقت ذاته: هي دكتاتورية الشعب على الدولة والحكومة. فإن الحكومة أثناء حكم الترويكا كانت غير معنية بالديمقراطية طُبِّقَت أو لم تطبّق، بل كانت معنية بأمور أخرى أهمها تمكينُ الحزب الحاكم لنفسه ومكافأةُ أتباعه وأنصار مذهبه والتغلغل في مفاصل الحكم، فكان ما كان من مظاهر الانفلات التي اشترك فيها الحاكم والمحكوم معا. ثم أرادت الدولة أن تستعيد هيبتها وسلطتها بعد عهد الترويكا لكن الإرث الفاسد الذي ورثته الحكومات التي تلتها قد فرض عليها حالة من الضعف مازالت مستمرّة رغم الجهود التي تُبْذَلُ لتجاوزها.

ولو كان الشعب غيورا على دولته ونظامه الديمقراطي لأحسّ بأن عليه أن يَجِدّ ويجتهد ليخلص نفسه ويخلّص المجتمع والدولة والحكومة من الظروف الكارثية التي حلت بها في سنوات قلائل فكادت تذهب بريحها. ولكن الشعب قد غلبت عليه أنانيّته فانصرفت كل فئة إلى تحقيق مآربها باسم الديمقراطية التي تضمن حرية الاحتجاج والتظاهر والإضراب سلميا من أجل تحقيق المطالب التي قد تكون عادلة مشروعة وقد تكون ظالمة غير مشروعة، وخاصة إذا كانت وراءها الأحزاب السياسية التي تسعى – باسم الديمقراطية أيضا – إلى إضعاف الدولة والحكومة باسم الديمقراطية أيضا.

ومن هذه الفئات النقابات. ومن أحدث الأزمات التي يشهدها المجتمع المدني ما تعرفه المدرسة التونسية هذه الأيام من تحركات احتجاجية “سريالية” تقودها نقابتا التعليم الثانوي والتعليم الأساسي من أجل تنحية وزير التربية ناجي جلول. وقد بحثنا عن المطاعن التي تحتج بها النقابتان على وزير التربية وتعتبرها أسبابا وجيهة للاعتراض عليه وعلى سياسته التربويّة فلم نجد أي وثيقة تأليفية تدعمها الإحصاءات والشواهد الثابتة والأحداث الدقيقة، وجل ما وجدناه بيانات وبلاغات تحريضيّة عامّة منها ما أمضاه الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي، ومنها ما شاركه في إمضائه الكاتب العام لنقابة التعليم الأساسي، كما وجدنا استجوابات صحافية منها ما أجري مع الكاتب العام لنقابة الثانوي ومنها ما أجري مع الوزير نفسه.

ومن هذه “الوثائق” ثلاث: أولاها “بيان” لنقابة الثانوي بتاريخ 26 ديسمبر 2016 جاء فيه “تواصل وزارة التربية استهداف المدرسة العمومية بسعيها للحد من دور المدرسات والمدرسين والعمل على توتير المناخ الاجتماعي والتربوي عبر اتخاذ تدابير تمس من استقلالية المدرسة وعموميتها وعبر العبث بمخرجات إصلاح المنظومة التربوية وتوجيهها نحو ما يستجيب إلى رؤية أحادية الجانب، حيث قامت الوزارة بدعوة إلى بعث جمعيات للأولياء في كل المدارس الإعـدادية والمعاهد في تمش خطير يعمل على خلق حالة من الصراع بين إدارة المؤسسات وهذه الجمعيات التي تزعم تمثيل الأولياء”.

والوثيقة الثانية “بيان” للنقابة نفسها بتاريخ 2 يناير 2017 فيه دعوة إلى “إضراب حضوري يوم 5 يناير أمام مقر وزارة التربية ثم بساحة الحكومة بالقصبة”، جاء في مقدمته “انتصارا لكرامة المدرسات والمدرسين وذودا عن عمومية المؤسسة التربوية ومجانيتها وديمقراطيتها وتقدميتها وتصديا لمشاريع خوصصتها والتفويت فيها عبر إنشاء ما يسمى ديوان الخدمات المدرسية ورفضا لسياسات وزارة التربية المنقلبة على مخرجات الإصلاح التربوي والرامية إلى توظيفه في تمرير مشاريع الدوائر المالية العالمية (…) تدعو النقابة العامة للتعليم الثانوي…”.

والوثيقة الثالثة “بلاغ مشترك” بين نقابتي الثانوي والأساسي بتاريخ 4 يناير 2017 فيه دعوة إلى “تجمع احتجاجي مشترك يوم 12 يناير 2017 جاء فيه “انتصارا لكرامة المدرسات والمدرسين وذودا عن عمومية المنظومة التربوية ومجانيتها وديمقراطيتها وتقدميتها ووحدتها، وعن حق عموم بنات شعبنا وأبنائه الدستوري فيها، هذا الحق الذي بات مهددا عبر المشاريع المملاة من قبل الدوائر المالية العالمية الرامية إلى نسف مكسب من أهم المكاسب الاجتماعية التي ساهمت في بناء تونس الحديثة والتي تعمل وزارة التربية على تمريرها بشتى الوسائل حتى وإن أحيت في سبيل ذلك أساليب العهد النوفمبري ممارسات وهياكل وطرق اشتغال فإن النقابتان العامتان (كذا) للتعليم الأساسي والتعليم الثانوي تدعوان…”.

ويمكن تصنيف “المآخذ” الواردة في الوثائق الثلاث والتي دعت النقابتان من أجلها إلى الاعتصام والإضراب في شهر يناير، ثم إلى الإضرابات القطاعية والإضراب العام هذه الأيام إلى صنفين: صنف أول تمثله مآخذ عامة يبدو أنها تندرج في باب التحريض والتجييش وإثارة الرأي العام وليست هي حقائق ووقائع قد حدثت فعلا، ويمثلها تهديد الوزير لعمومية التعليم ولمجانيته وتقدميته ووحدته وديمقراطيته، وتوظيفه الإصلاحَ التربويّ الذي يريد تطبيقه لتمرير “مشاريع الدوائر المالية العالمية”.

وما نعلمه عن الوزير مخالف لما ورد في هذا الصنف، فهو من المدافعين عن عمومية التعليم ومجانيته ووحدته وديمقراطيته، وأما البرنامج الإصلاحي الذي أعدته الوزارة بإشرافه فبرنامج وطني تقدمي يسعى إلى تخليص التعليم والمدرسة عامة مما أصابهما من تقهقر وخاصة خلال السنوات الست الماضية، ثمّ إن الوزير قد أنجز الكثير في إصلاح البنية التحتية للتعليم وتطوير تكوين المدرسين والمتعلّمين على السواء؛ والصنف الثاني من المآخذ تمثله ثلاثة مآخذ قابلة للتعيين: هي إنشاءُ ديوان الخدمات المدرسية الذي ترى فيه النقابتان دليلا على رغبة الوزير في خوصصة التعليم والتفويت فيه، وبعثُ جمعيات للأولياء في المدارس والمعاهد ترى النقابتان أنها تؤدّي إلى خلق صراع بين الأولياء والمدرسين؛ ثم المس من كرامة المدرسين.

ومن السذاجة في الرؤية وفي التفكير في نظرنا أن يعد إنشاء ديوان للخدمات المدرسية تهديدا لعمومية التعليم وسعيا إلى خوصصته، فلو كان ذلك صحيحا لتَخَوْصَصَ التعليم العالي الذي أُسِّسَ لخدمته ديوان الخدمات الجامعية منذ سنة 1988 فكان مؤسسة وطنية ناجحة في تنظيم شؤون الطلبة في علاقتهم بالجامعة، ولذلك فإن إنشاء ديوان الخدمات المدرسية يعد مكسبا وطنيّا يُحْسَبُ للوزير ولا يحسب عليه؛ ومن بساطة التفكير أيضا والدفاع عن المصالح الضيقة أن ترى النقابتان في بعث جمعيات للأولياء في المدارس مدعاة إلى اعتداء الأولياء على المدرّسين، فإن هذه الجمعيات، كما تشهد بذلك مثيلاتها في البلدان الأجنبية وشبيهاتها في المدارس الفرنسية بتونس، ضرورية في المدارس والمعاهد ليتعاون الأولياء مع المدرسين ومع الإدارة المدرسية على حل مشكلات التلاميذ التي بلغت درجات من التعقيد قد تجاوزت طاقة المدرسين أنفسهم، وإذن فهذا مكسب يحسب للوزير ولا يحسب عليه أيضا. وأما مسّ الوزير من كرامة المدرسين فيقابله مسّ المدرسين من كرامته في الاعتصامات والإضرابات التي رُفعت فيها لافتاتٌ تندّد به وتنعته بأقبح النعوت التي لا تصدر عن مدرس يُفترض أن يكون مربّيا قدوة في التربية والسلوك الحسن قولا وفعلا.

ولا نعتقد أن ما صدر عن الوزير من نقد للمدرسين يحتاج إلى إقامة الدنيا عليه والمطالبة بإقالته، بل إن الرد عليه ممكن بالتقاضي ضده مثلما يحدث في المجتمعات الديمقراطية التي تُحْتَرَمُ فيها القوانين حقا.

ولو عمقنا النظر في هذه العلاقة المتوترة بين النقابتين اللتين جرّتا المدرسين وراءهما وبين الوزير لوجدنا أسبابا أخرى أعمق من المآخذ التي سبقت.

وأهم تلك الأسباب ثلاثة: الأول هو رد الوزير على مقاطعة نقابة التعليم الأساسي ومدرّسيه لامتحانات نهاية السنة الدراسية 2014 - 2015 بقرار يخوّله له القانون هو الانتقالُ التلقائي للتلاميذ دون إجراء الامتحانات، إنقاذا للسنة المدرسية من أن تكون “سنة بيضاء” كما خطّطت لذلك النقابة إن لم يُسْتَجَبْ لمطالبها؛ والثاني هو موقفُ الكاتبين العامين لنقابتي الثانوي والأساسي السياسي الحزبي من الوزير. فالرجلان ينتميان إلى حزب “حركة الشعب” ذي التوجه القوميّ والذي لا يخفي، حسب ما يظهر من كتابات أتباعه، ميوله الإسلاميّة (وقد كان أحد ‘أعلامه’ وزير تربية في حكومة النهضة الثانية) وعداءَه لدولة الاستقلال وإرثها الحداثي وخاصة في مجال التعليم، بينما وزير التربية ينتمي إلى حزب “نداء تونس” الذي تأسّس للحد من المد الذي شهده الإسلام السياسي في عهد الترويكا، وتبنّى المكاسبَ التي حققتها دولة الاستقلال ودافع عنها، ومنها المكاسب التربوية؛ والسببُ الثالث هو موقف الإسلام السياسي من الإصلاح التربوي، فإن حركة النهضة رافضة لهذا الإصلاح الآن، ويرى رئيسها أن المطلوب هو أن يُلْتَزَمَ في الإصلاح التربوي “بالتوافق أي الحوار الواسع والبحث عن المشتركات بين كل التيارات وليس تكريس لون واحد وأيديولوجيا واحدة، ونحن لن نقبل بهذا الانفراد”، فعلى الإصلاح التربوي أن يخضع لـمَرَضِ “المحاصصة” السياسية أو المذهبية حتى يقبل به الإسلاميّون والقوميّون.

وما تقوم به نقابتا التعليم الأساسي والثانوي من تحركات تهدد هذه السنة الدراسية بأن تكون “بيضاء” إن لم يتحقق مطلبهما بإقالة الوزير، إنما يندرج في نطاق الحثّ الحزبيّ السياسي المتعمد على إيقاف الإصلاح التربوي بإقالة الوزير الحداثي العلماني الذي يتبناه.

وفي ذلك كله دليل على إنتاج ديمقراطيتنا للدكتاتورية على أيدي الأحزاب السياسية والنقابات.

كاتب وجامعي تونسي

9