تونس و"ديمقراطية المنظومة الحزبية"

الخميس 2017/08/10

“ديمقراطية المنظومة الحزبية” مفهوم جديد بدأ يتبلور في تونس من خلال المواقف الحزبية الغاضبة من رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

وأكبر غضب عليه قد صدر من الحزبين الأغلبيين في مجلس الشعب وفي الحكومة: نداء تونس والنهضة. فإن غضب ما تبقى من الحزب الذي ينتمي إليه – “نداء تونس” – قد أصبح قديما لأن قيادة هذا الحزب كانت قد قبلت بتعيين الشاهد رئيسا للحكومة وهي تنتظر منه الانصياع لها وتطبيق طلباتها والأخذ باختياراتها وخاصة في التعيينات سواء للوزراء أو للمحافظين أو للمعتمدين، أو في الإقالات، إذ عليه أن يكون رهن إشارتها ما أن يثير أحد الوزراء – وخاصة إذا كان من خارج الحزب – عدم رضاها. وقد أظهر رئيس الحكومة رغبة في الاستقلال في أخذ قراراته حسب ما يراه هو والفريق المحيط به صالحا، وخاصة بعد أن تبين الناس خور بعض الاختيارات في التعيينات القائمة على المحاصصة الحزبية في السنة الماضية؛ وقد مر رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد بالتجربة الصدامية مع قيادة نداء تونس خاصة في السنة الماضية، إذ كان المطلوب منه أن يقبل تعيين من يختاره الحزب في المناصب وألا يكون له رأي في الموضوع. ثم اشتد غضب قيادة النداء على يوسف الشاهد بعد فتحه ملفات الفاسدين وبدئه الحرب على الفساد، وليس سبب هذا الغضب أنه لم يستشر قيادة الحزب في هذه الحرب، بل لأنه طال بعض “الحيتان السمينة” الممولة للحزب ولبعض أعضائه “القياديين”، وبما أن رئيس الحكومة عازم حسب تصريحاته على تتبع الفاسدين حيثما كانوا ومهما تكن منزلتهم، فإن الخشية كبيرة من أن يسقط رؤوسا كانت تجد في الحزب حمايتها.

وأما حركة النهضة الداعية – بعد مغادرة الترويكا للسلطة قسرا سنة 2014 – إلى “الديمقراطية التوافقية” و“الديمقراطية التشاركية” فلم تضع من الشروط ما هو مجحف لقبول المشاركة في “حكومة الوحدة الوطنية” لأنها تعلم أنها رابحة دائما مهما يكن عدد ممثليها فيها، وقد كان قادتها لا يخفون في تصريحاتهم دعم الحركة لهذه الحكومة دون أن يعنيَهم كثيرا التشبثُ بالوثيقة “الرسمية” الموجهة للعلاقة بين رئاسة الحكومة والأحزاب المشاركة فيها. وما كانت حركة النهضة تجد حرجا في دعم الحكومة ورئيسها ما دام سائرا معها سيرة رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد، فلا محاسبةَ على الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها الحركة في عهد الترويكا وخاصة في المالية العمومية وفي تهديد أمن البلاد، ولا مراجعة للتعيينات العشوائية التي امتلأت بها الوظيفة العمومية بلا موجب ودون مناظرات مهنية، خاصة وأن جل الأخطاء التي حدثت قد تعمدت الحركة إلباسه لباسا قانونيا بإقرار المجلس التأسيسي له، وقد كانت صاحبة الأغلبية فيه فكانت تتخذ القرارات بنفسها لنفسها، متجاوزة المهمة الأساسية التي انتخب من أجلها المجلسُ التأسيسي وهي كتابة دستور جديد للبلاد في مدة محدودة من الزمن.

حركة النهضة تجاهر بغضبها على رئيس الحكومة، وليس أدل على ذلك من الطلب الغريب الذي وجهه رئيس الحركة إلى رئيس الحكومة كي يتعهد بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية

ولكن حركة النهضة قد بدأت تجاهر بغضبها على رئيس الحكومة أيضا، وليس أدل على ذلك من الطلب الغريب اللادستوري الذي وجهه رئيس الحركة إلى رئيس الحكومة كي يتعهد بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2019، وقد أيد هذه الدعوة اللادستورية واللاديمقراطية مجلس شورى الحركة الذي رأى في موقف رئيس الحركة موقف الحزب ذاتِه. ولا يخفى ما في هذه الدعوة وما في تأييدها من رؤية حزبية ضيقة جدا دالة دلالة لا تقبل التأويل على أن كل ما يدعيه هذا الحزب الديني من “ديمقراطية إسلامية” ومن “إسلام ديمقراطي” أوهام في أوهام.

ولهذا التغير المفاجئ في موقف النهضة من رئيس الحكومة بعد أن كانت تدعمه دعما تاما أسباب، أهمها في نظرنا اثنان: أولهما وأظهرهما هو الخشية من أن يمس رئيس الحكومة في حربه على الفساد “حيتانا سمينة” منها أيضا بعد أن تبيّنت عزمه على متابعة الفاسدين حيثما كانوا، وهي تعلم علم اليقين أن فتح ملفات عهد الترويكا سيثير لديها شجونا وأيّ شجون. وهي – مع النداء – أمام خيارين: إما إذلال رئيس الحكومة بالقضاء على طموحه السياسي فيصبح مجرد “خادم” لمصالح الحزبين أو مجرد “مدير عام” لشركة حزبية، مع ما يتبع ذلك من فقدان الرغبة في مواصلة الحرب على الفساد، وإما أن يلقى مصير الحبيب الصيد بأن تتألب عليه أغلبية الحزبين في البرلمان فتُقيلَه من مهامه إن استطاعت، أو تفسد عليه عمله وتربكه حتى يفشل إن لم تستطع إقالته.

وأما السبب الثاني فهو التفكير في الانتخابات الرئاسية القادمة.

فإن يوسف الشاهد أصبح يتصدر استطلاعات الرأي حول نوايا التصويت في الانتخابات الرئاسية القادمة بعد الذي حققه من نتائج في حربه على الفساد. وهذا التقدم الذي يحققه الشاهد هو مصدر إزعاج كبير لقيادة الحزبين: أما النداء فيبدو أنه يريد أن تبقى الرئاسة عند آل السبسي سواء عند الأب إذا رغب في إعادة الترشح، أو عند الابن إذا تخلى الأب عن رغبته، وهذا كان أحد الأسباب التي جعلت قيادة ما تبقى من الحزب ترفض إلى حد الآن تنظيم مؤتمر الحزب الانتخابي الأول خشية من أن تأتي الانتخابات بقيادة أخرى.

وأما النهضة فإن رغبتها في استرجاع السلطة وبسط نفوذها – نفوذ الإسلام السياسي – من جديد مازالت قائمة. وهي تمهد لذلك بالاستعداد للانتخابات البلدية التي ترى فيها مناسبة لتركيز “سلط محليّة” و“سلط جهوية” يسيرها “سبعة آلاف حاكم” حسب عبارة راشد الغنوشي، وهي تستعد لذلك بأن فتحت الباب لمن يريد المشاركة في قائماتها بنسبة خمسين بالمئة، منتظرة من هؤلاء الوافدين الجدد أن ينصهروا فيها ويصبحوا جزءا من أتباعها وأن يتخذ هؤلاء أنفسُهم أتباعا لهم يصبحون بدورهم من أتباع الحزب؛ وهذا التوسع في عدد الأتباع والانتشار في السّلط المحلية والجهوية يضمنان لها مشاركة مريحة في الانتخابات التشريعية والرئاسية سنة 2019: أما التشريعية فإن “الحكام” النهضويين سيكون لهم دور أساسي في توجيه نوايا المواطنين الانتخابية فيها وخاصة إذا استعانوا بخزائن الجمعيات الخيرية التي تتكفل بتطبيق المقاصد الدعوية للحزب، والفوز في التشريعية يعني الفوز برئاسة الحكومة وبرئاسة مجلس النواب وبسط النفوذ على البلاد من جديد.

وأما الرئاسية فإن الاستعداد لها قد بدأ بالتبشير المحتشم بترشح راشد الغنوشي لها؛ ونظرا إلى ما تعرفه الجماعة من تدن لصورة رئيسها في نظر عامة الشعب، فإنها تضع في حسبانها أيضا إما ترشيحَ شخص تختاره ممن يدينون لها بالولاء، وإما دعمَ ترشح أحد آل السبسي مع اشتراط تواصل “سياسة التوافق” وتوسيع المشاركة في السلطة التنفيذية.

ولا شك أن هذه الطموحات الحزبية الندائية والنهضوية كلها تصطدم بوجود يوسف الشاهد وبحقوقه الدستورية في الترشح للانتخابات الرئاسية، ولذلك تناصبه قيادة النداء العداءَ رغم انتمائه إلى الحزب، ويدعوه رئيس النهضة جهارا بتأييد صريح من مجلس شوراها إلى التعهد بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية.

ولسنا ندري كيف يتصور هؤلاء الناس الديمقراطية والسلوك السياسي الديمقراطي. والظاهر أنهم يضعون سلطة الحزب فوق سلطة الحكومة ورئيسها دون اعتبار لسلطة الدستور على الأحزاب وعلى الحياة السياسية كلها.

هي في الحقيقة ديمقراطية حزبية تخضع لما سماه البعض “المنظومة الحزبية” التي تفرض على رئيس الحكومة أن لا يتجاوزها وأن يسير حسب المسافات التي تسطرها له وأن يتصرف حسب الرغبات والأهواء التي تحرك قيادات الأحزاب ولو كانت ضد مصالح الشعب، وهذا يعني أن يوسف الشاهد في نظر حزبي النداء والنهضة قد أخطأ الخطأ الجسيم ببدئه الحرب على الفساد، لأن رشاش هذه الحرب سيطال الفاسدين من الحزبين، وليس ذلك لصالح “المنظومة الحزبية” التي تتحكم في تسيير الحياة السياسية في البلاد وإن كان لصالح النظام الجمهوري الديمقراطي الذي تسيره النصوص الدستورية والقانونية.

هي إذن “ديمقراطية المنظومة الحزبية” التي تسير البلاد وفق مصالح الأحزاب وليست “ديمقراطية دستورية” تسمح لرئيس الحكومة بإدارة الشأن العام للبلاد حسب الصلاحيات الواسعة الشاملة التي منحها له الدستور، والواجبات التي تفرضها عليه الأخلاق السياسية لعمل كل ما في وسعه لصالح البلاد والعباد، ولو كان ضد مصالح الأحزاب، مثل محاربة الفساد والفاسدين.

كاتب وجامعي تونسي

9