تونس وفاتورة فشل حركة النهضة

لم تفلح الحكومات المتتالية بقبادة حركة النهضة سوى في إشعال الحرائق السياسية وافتعال الأزمات والفتن من أجل صرف أنظار الشعب التونسي عن الفشل الحكومي المتواصل في إدارة شؤون البلاد.
الجمعة 2021/07/30
الشعوب تختار من يوفر لها سبل الحياة الكريمة

ما يحدث في تونس من أزمات متتالية منذ صعود حركة النهضة إلى صدارة المشهد السياسي ليس مفاجئا للمراقبين والمتخصصين؛ فالشعوب تختار من يحكمها كي يوفر لها سبل العيش والحياة الكريمة، لا ليحقق مصالحه وطموحاته السياسية والأيديولوجية في الحكم وبناء نموذج وهمي لا يسكن سوى خياله المريض!

ورغم أن التحليلات السياسية تفيض بتفسيرات متباينة أحيانا ومتشابهة أحيانا أخرى حول ما يحدث في تونس حاليا، إلاّ أن الأرقام والإحصاءات تنطوي على تفسير هو الأدق لما نراه. فبالإضافة إلى الإدارة الكارثية لأزمة تفشي فايروس كورونا في الأسابيع الأخيرة، فإن أحوال الاقتصاد التونسي تتدهور بشكل متسارع يرى الكثير من الخبراء أنه ينبئ بأزمة إفلاس تضع الدولة التونسية على مسار يشبه إلى حد كبير ما حدث في لبنان!

رغم المؤشرات الاقتصادية السلبية لم يرتق قادة النهضة إلى ما يتطلبه الموقف من مسؤولية بل سعوا للتحكم في قرارات الحكومة وسياساتها.

المعروف أن الشعب التونسي ثار على نظام حكمه في عام 2011 بسبب تردي الأوضاع المعيشية والتنموية وغياب الحريات وغير ذلك، ولكن بعد مرور عقد كامل من الزمن، لم يتغير الحال، بل شهدت بعض القطاعات الإنتاجية تدهورا يفوق ما كان عليه قبل الثورة، ولم تفلح الحكومات المتتالية التي قادتها حركة النهضة سوى في إشعال الحرائق السياسية وافتعال الأزمات والفتن من أجل صرف أنظار الشعب التونسي عن الفشل الحكومي المتواصل في إدارة شؤون البلاد.

وفي هذا الإطار نشير إلى أرقام وإحصائيات نشرتها الصحف الغربية، منها ما يشير إلى التداعيات الكارثية لتفشي وباء كورونا على السياحة مصدر الدخل الأهم في البلاد، فضلا عن مؤشرات تدهور الاقتصاد بنحو 9 في المئة خلال العام الماضي، وارتفاع معدل البطالة الرسمي إلى 18 في المئة في الوقت الذي يتوقع وصوله بين الشباب إلى أكثر من 30 في المئة، ناهيك عن عدم قدرة تونس على دفع أقساط الديون وفوائدها من دون الحصول على قروض جديدة من صندوق النقد الدولي (هناك نحو 4.5 مليار دولار مستحقة خلال العام الجاري كخدمات للديون)، يضاف إلى ذلك عجز الموازنة العامة التونسية وارتفاع قيمة الدين الخارجي إلى مستويات قياسية بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي التونسي (الديون تزيد عن مئة في المئة).

رغم هذه المؤشرات الاقتصادية السلبية تماما، ورغم دروس الحالة اللبنانية الماثلة أمام أعين الجميع، لم يرتق قادة حركة النهضة التونسية إلى ما يتطلبه الموقف من مسؤولية وطنية، بل استغلوا نفوذهم في البرلمان وسعوا بكل الطرق للتحكم في قرارات حكومة هشام المشيشي وسياساتها واستغرقوا في افتعال الأزمات الواحدة تلو الأخرى مع الرئيس قيس سعيد، حتى أصبحت الأمور، سياسيا واقتصاديا، مشابهة تماما لما يدور في لبنان.

وقعت تونس في حالة من الجمود السياسي والفشل البرلماني والحكومي، وتمادت حركة النهضة في محاولات إفشال الجميع ولم تحاول تشجيع الحكومة على تنفيذ أي مخطط اقتصادي أو تنموي يساعد على الخروج من هذا الوضع المأزوم، رغم إدراك راشد الغنوشي ورفاقه أن بلادهم تعاني عجزا تجاريا كبيرا طيلة السنوات الماضية، وأن وباء كورونا تسبب في تراجع النشاط السياحي بنسبة تفوق 60 في المئة، فضلا عن تراجع معدلات التصدير الزراعي وارتفاع الأسعار وغير ذلك من مؤشرات جعلت السبيل الوحيد لإنقاذ الاقتصاد التونسي من انهيار وشيك هو الحصول على قرض جديد من المؤسسات الدولية المانحة!

تونس التي حصلت على ثلاثة قروض من صندوق النقد الدولي وتتفاوض من أجل الحصول على قرض رابع على عكس مسيرتها التاريخية التي تشير إلى أنها لم تكن تعتمد بهذا الشكل على الاقتراض من الخارج، تدفع فاتورة فشل حركة النهضة ودكتاتوريتها التي تحول دون اعترافها بأنها نسخة طبق الأصل من أفرع تنظيم الإخوان الأخرى المنتشرة في دول عربية عدة، حيث كان الفشل ملازما لهذا التنظيم في كل جولاته السياسية بسبب انعدام الخبرة والجهل السياسي والزج بالدين في أمور السياسة وتحويله إلى مادة للمتاجرة والمبارزة السياسية ما تسبب في حالة غير مسبوقة من الانقسامات الوطنية والفتن والاضطرابات.