تونس ومصر.. أصل الثورة واحد والاختلافات كثيرة

الأربعاء 2013/09/18
الجيش المصري يتمتع بشعبية كبيرة في مصر

دفع تعليق أعمال المجلس الوطني التأسيسي في السابع من شهر آب – أغسطس الماضي مرة أخرى المحللين السياسيين والإعلام إلى القيام بمقارنات بين تونس ومصر متسائلين هل تتطور الأمور في تونس لتصل إلى العنف الذي شاهدناه في مصر؟

صحيح أن هناك أوجه شبه بين مصر وتونس، فكلاهما يمر بتجربة القلاقل السياسية. كما أن الأحزاب السياسية المسيطرة والتي ربحت الانتخابات في البلدين ليست لديها خبرة في الحكم. وأيضا يكافح البلدان من أجل تعديل تأثير الإسلام داخل أنظمتهما الديمقراطية الوليدة.

لكن الناظر عن كثب إلى مصر وتونس يكشف بعض الفروق الأساسية التي تبين أن المقارنات بينهما يمكن أن تكون مضللة. إذا نظرنا إلى البلدين اللذين يمران بمرحلة انتقالية والموجودين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أنهما متشابهان هناك مخاطر بأن يخلق المجتمع الدولي تصورا ليصبح واقعا فعليا مرتكزا على أسوأ السيناريوهات دون فهم للفروق الصغيرة بين البلدين. وبدلا من ذلك علينا الإقرار بالوضعية الخصوصية لكل بلد على حدة والدعوة إلى حلول تتأقلم مع السياق المحلي. في مصر حافظ الجيش على مركز القوة على مدى عقود طويلة. وبالرغم من أن السلطة تسلمتها حكومة مدنية في مصر، استمر الجيش في لعب دور كبير في المجالين السياسي والاقتصادي مثلما برهن على مدى قوته وحضوره لدى قيامه باعتقال الرئيس السابق محمد مرسي وإعلان سقوط نظامه الإخواني. أما في تونس فإن الجيش لم يتسلم السلطة خلال الثورة. وكان الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة قد حظر، بالقانون، على الجيش المشاركة في الحياة السياسية، وذلك توقيا من حدوث انقلابات. والبديل الذي لجأ إليه بورقيبة ومن بعده زين العابدين بن علي، الذي تسلّم الحكم على خلفية انقلاب على نظام بورقيبة، هو بناء قاعدة السلطة حول الشرطة وقوات الأمن الداخلي. وإثر ثورة يناير 2011 حلّت حكومة مدنية محل حكومة بن علي في تونس ويواصل الجيش لعب دور صغير جدا في الحياة السياسية التونسية.

الفروق بين قطاعات الأمن في كل من تونس ومصر تكتسب أهمية بالغة، إذ أن الجيش التونسي يخضع لسلطة القيادة المنتخبة ديمقراطيا في حين أن الجيش المصري لديه القدرة على التدخل. كما أن الفارق في الدينامية السياسية المعمول بها في تونس ومصر لا تقل أهمية. إن النظام السياسي الذي تولى الحكم بعد الثورة يتميز بسيادة حزب واحد له ارتباطات وثيقة بحركة الإخوان المسلمين في حين أن تونس حكمها ائتلاف بين الحزب الإسلامي النهضة وحزبين علمانيين آخرين وهما التكتل والمؤتمر من أجل الجمهورية. وتواجه الحكومة التونسية معارضة متنامية بسبب الإحباط الناتج عن غياب التقدم السياسي. وتسبب اغتيال معارضين بارزين هذا العام في اندلاع مظاهرات وزاد إخفاق الحكومة في جلب مرتكبي الجريمتين إلى العدالة في تأجيج غضب الشعب التونسي. لكن في الوقت نفسه تمكنت الحكومة من حل الخلافات بواسطة التنازلات السياسية واعتماد الحلول الوسط. فمثلا تخلت النهضة عن الوزارات المهمة لصالح أحزاب علمانية ومستقلين وحدّت من الإشارة إلى الإسلام في مسودة الدستور.

في الاحتجاجات الأخيرة في تونس كان هناك عنف محدود جدا بين المحتجين وقوات الأمن أو بين المحتجين المساندين للحكومة والمعارضين لها. توفي شخص فقط من المتظاهرين منذ انطلاق الاحتجاجات في الخامس والعشرين من شهر يوليو وكان سبب الوفاة يرجع إلى رضوض في الرأس بعد أن أصابته قنبلة مسيلة للدموع.

تبين الاحتجاجات أن التونسيين غير راضين عن التقدم الحاصل في مسار التغيير السياسي وقد يكون المنتقدون متشائمين جدا بخصوص التطور الديمقراطي في تونس. بيد أن الطبيعة السلمية -إلى حد كبير- للمظاهرات والرد المحسوب من قوات الأمن يشيران إلى تطور إيجابي في اتجاه ممارسات أكثر ديمقراطية وأكثر احتراما لحقوق الإنسان تستحق الإعجاب والتشجيع.

علينا ألا ننسى أن الانتقال الديمقراطي هو مسار صعب ومعقد يستغرق وقتا طويلا وفي أحسن الحالات عدة عقود من الزمن. وعمليات الانتقال الديمقراطي الناجحة تتوقف على مجموعة من العوامل بما في ذلك التاريخ والثقافة والنمو الاقتصادي والقيادة السياسية والمجتمع المدني. وبالرغم من نقاط التشابه الثقافي والتقارب الجغرافي يواجه البلدان اللذان يمران بمراحل انتقالية تحديات مختلفة وتتوقف عملية الانتقال في كل منهما على الاختلافات الطفيفة.

• عن صحيفة «هافينغتون بوست» الأميركية، ترجمة منصف الخروبي

6