تونس ومصر.. ماذا تغير بعد الربيع

منذ خمس سنوات أصبح شهر يناير موسما لاستقراء تطورات الأوضاع في العالم العربي، تزامنا مع ذكرى ثورات الربيع العربي التي اندلعت في هذا الشهر من عام 2011. وعليه ينخرط المتابعون في نقاشات تتمحور أساسا حول ما تم تحقيقه من إنجازات، وتذهب غالبية المهتمين إلى الوقوف عند ما لم يتغير بعد في هذه البلدان التي ثارت من أجل التغيير بدرجة أولى. والحقيقة أن رياح الربيع العربي حملت في جرابها جملة من المتغيرات الإيجابية في بلدان مثل تونس ومصر، فيما كانت عاصفة في بعض البلدان الأخرى مثل سوريا واليمن وليبيا.
الجمعة 2016/01/29
متى تتضح الرؤية

القاهرة- نجحت الدولتان اللتان أشعلتا فتيل الثورات العربية (تونس ومصر) في البقاء بمنأى عن حجم العنف الذي حل بجيرانهما في المنطقة. ولعل مرد ذلك أن كلا البلدين أظهرا تعاطيا مختلفا وأقل صلابة مع الأحداث الكبرى، ولا سيما الشعبية منها، فضلا عن ضعف تأثير المشاكل الطائفية التي كانت فتيلا مركزيا للصراع المتواصل إلى اليوم في بلدان مثل سوريا واليمن.

ورغم هذا الوضع المطمئن إلى حد ما، إلا أنه يظل واقعا مهزوزا ومهددا بالانفجار في أي لحظة، نظرا للتأثيرات الممكنة للحكومات القديمة التي عاد الكثير من رموزها كشركاء حقيقيين في الحكم. وهو ما أكده مركز ستراتفور الذي يعتبر أنه رغم نجاح دول مثل تونس ومصر في تخطي بعض المحطات الخطيرة وعدم الانزلاق في العنف، إلا أن ذلك لا يعني تحقيق ما أوكل إلى هذه الحكومات من مطالب منذ خمس سنوات.

يميل شهر يناير إلى أن يكون شهر استقراء أوضاع العالم العربي بما أن المنطقة تسترجع ذكرى عام 2011، الذي كان بداية الربيع العربي، عبر مناقشة ما قد تغير منذ ذلك الحين، وربما الأهم من ذلك، ما لم يتغير وبقي على حاله إلى حد الآن. قبل خمسة أعوام، بدت الاحتجاجات العامة وكأنها لا تسعى إلى تغيير وجه العديد من الدول العربية الحديثة فحسب، وإنما تسعى لإعادة تشكيل سياسات المنطقة.

وفي بعض الأماكن اختلفت نتائجها بين الأفضل والأسوأ. في بلدان مثل ليبيا وسوريا واليمن، حيث شارك الآلاف في الاحتجاجات الشعبية، تغير مسار الربيع العربي ليصبح حروبا أهلية ما تزال قائمة إلى يومنا هذا، ومنها ما ينطوي على معارك بالوكالة لفائدة أصحاب المصالح المتنافسة. ولكن في البلدين الذين انطلقت منهما الاحتجاجات عمليا، ونعني بذلك تونس ومصر، فإن الاحتجاجات التي دارت هناك كانت بعيدة عن العنف الذي طال جيرانهما في المنطقة.

التهديدات الجهادية، التي تستهدف المواقع السياحية التونسية والمصرية، تشكل أولوية تونس والقاهرة

ويرجع الاستقرار النسبي في هذين البلدين إلى قدرة الحكومات التي وصلت إلى السلطة إبان سقوط النظامين السابقين على تبني مسار الإصلاح الديمقراطي. ومع ذلك، هناك دلائل على أن هذه الحكومات القديمة والراسخة سوف تظل بمثابة التحديات التي تواجه سلطة الحكومات الجديدة.

تحديات كبيرة

لا يحتاج الأمر إلى الكثير من التحليل العميق لإظهار كيف تغيرت هياكل السلطة في مصر وتونس ولو بنسبة ضئيلة. صحيح، أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أجبر على الهروب وحسني مبارك أرغم على الاستقالة، وهو ما يدل على قوة الاحتجاجات التي كانت ضدهما، لكن الرئيس التونسي الحالي الباجي قائد السبسي كان جزءا من نظام بن علي، وكان الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي هو الجنرال الموثوق به في المجلس العسكري في عهد مبارك. فضلا عن العديد من الوزراء والمشرعين في كلا البلدين الذين يشغلون في الوقت الحالي وظائف مماثلة لتلك التي كانوا يعتلونها قبل خمس سنوات.

تعود أسباب نجاح هذه القوى إلى استعدادها للخضوع للمطالب الشعبية (مطالبة بالرحيل) بدلا من تدمير الدولة على غرار ما حصل في باقي بلدان الربيع العربي. والآن، يعتبر أكبر تهديد تمر به الحكومتان التونسية والمصرية هو الأزمات الأمنية الخارجية التي باتت تهدد الاستقرار الداخلي، حيث تعج ليبيا بالميليشيات المسلحة إلى جانب الحضور الملفت للنظر لكل من تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة، وبالتالي فإن الفوضى القائمة في ليبيا، إلى جانب الفراغ في السلطة في سيناء والساحل والجبال الجزائرية، بالإضافة إلى الهجمات على الأراضي التونسية والمصرية التي ينفذها عناصر موالون لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وهو ما أغرى الشباب التونسي والمصري بالالتحاق بساحات القتال.

والتهديدات الجهادية، التي تستهدف بشكل متزايد المواقع السياحية التونسية والمصرية الهامة والمنشآت الأمنية، تشكل أولوية هامة لتونس والقاهرة، لذلك عززت مصر من قدراتها الأمنية بشكل أفضل مقارنة مع تونس، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن قوات الأمن التونسية تشعر بأنها تتقاضى أجورا زهيدة.
الأزمات الاقتصادية هواجس تؤرق تونس ومصر

وتعد المشاكل الاقتصادية إحدى أكبر العقبات والتحديات التي قد تؤدي إلى زعزعة أسس الحكومتين بطرق مختلفة، نظرا لارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب في كلا البلدين، فضلا عن ارتفاع تكاليف المعيشة. ففي تونس، أكثر من 60 بالمئة من الشباب حاملي الشهادات الجامعية عاجزون عن الحصول على عمل، في حين تبلغ نسبة البطالة في صفوف الشباب بشكل عام حوالي 30 بالمئة، رغم أن المعدل الإجمالي للبطالة انخفض بنسبة 3 بالمئة مقارنة بعام 2011. وفي مصر، تفوق نسبة البطالة في صفوف الشباب 40 بالمئة.

ومؤخرا اندلعت احتجاجات في تونس في نفس المحافظات التي اندلعت منها شرارة الربيع العربي في عام 2011، مطالبة بالتشغيل، مرددة نفس الشعارات، التي لم تتحقق منذ خمس سنوات.

الإسلاميون في تونس ومصر

كيفية تعامل الحكومتين في تونس ومصر مع أحزاب المعارضة السياسية لا تقل أهمية عن كيفية إدارة القضايا الاقتصادية. وللحفاظ على الشرعية بين المواطنين المندفعين سياسيا، تعاملت كل من القاهرة وتونس مع أحزاب المعارضة والإسلاميين بطرق غير متوقعة، وكانت تعتبر غير قانونية في زمن ما قبل الربيع العربي.

في تونس، توصّل كل من حزب نداء تونس وحركة النهضة الإسلامية إلى توافق في الغرف المغلقة، وقد مكنهما ذلك من الحفاظ على نوع من التفوق السياسي في المشهد السياسي المتقلب في تونس. هذه الصفقة أجبرت بعض أعضاء حزب نداء تونس في البرلمان على الاستقالة، مؤخرا، من أجل تشكيل تحالفات أصغر، لكن مع المحافظة على المؤسسات السياسية القائمة في البلاد، على الأقل حتى الآن. هذه التحالفات الوليدة يمكن أن تقوض العلاقة بين حركة النهضة ونداء تونس في المستقبل.

العلاقة بين المؤسسة السياسية المصرية والمعارضة الإسلامية المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين التي كان أداؤها أسوأ بكثير من أداء الإسلاميين في تونس أخذت منحى مغايرا، فقد تولى المجلس العسكري السلطة بعد أن أدت الاحتجاجات الشعبية إلى إسقاط نظام مبارك وكذلك نجله جمال، الذي كانت له أفكار حول إصلاحات اقتصادية قد تهدد مصالح المجلس العسكري بشكل مباشر.

استقرار مصر أمر هام بالنسبة للسعودية، التي منحت القاهرة قروضا ومنحا، وكل الموارد التي يحتاجها النظام لتهدئة المواطنين
وسمح المجلس العسكري بوصول الرئيس الإخواني محمد مرسي إلى السلطة وحمّله مسؤولية الأزمات الاقتصادية والأمنية، التي حلت بالبلاد، بالإضافة إلى رفض شريحة واسعة من النخب المصرية لحكم الإسلاميين. لذلك اختار القادة العسكريون تهميش جماعة الإخوان المسلمين باستخدام نفس التقنيات التي تم استخدامها في عهد مبارك. بعد سقوط الإسلاميين، يبدو أن مصلحة بعض الدول تكمن في استقرار مصر، بما في ذلك الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية، لذلك من غير الوارد القبول بزعزعة استقرار البلد.

ويعتبر استقرار مصر أمرا بالغ الأهمية بالنسبة للمملكة العربية السعودية، التي منحت للقاهرة قروضا ومنحا ومخزونات طاقية، وكل الموارد التي يحتاجها النظام لتهدئة المواطنين. تقليديا، تعتبر المملكة العربية السعودية الأحزاب الإسلامية من الأخطار التي تهدد شرعيتها، ولكن الرياض تدرك الآن، أنها بحاجة إلى تعديل موقفها من أجل المزيد من الأمن الإقليمي، بالإضافة إلى كونها ترغب في إقامة تحالف سني يضم تركيا.

وتمر مصر اليوم باختبار مهم يتمثل في مدى قدرة الحكومة على الحفاظ على النظام، اختبار من الواضح أنه مر بسلام، وبأقل ما يمكن من مظاهر العنف نتيجة الاعتقالات التي تم تنفيذها في صفوف المخربين، والتي سبقت الاحتفال بذكرى الثورة في 25 يناير. ربما مع هذا الإنجاز، يمكن للقادة المصريين الشعور بالراحة تجاه بعض القضايا، مثل أحكام الإعدام بحق البعض من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، والتي تشكل عقبات أمام تحسن العلاقات بين مصر ودول سنية أخرى.

6