تونس: 7 توصيات بشأن الحركة الإسلامية

السبت 2013/11/16

في ظرفٍ محلي يتسم بالاحتقان السياسي الناجم بالخصوص عن الاستقطاب الإيديولوجي الذي يكاد يقسم المجتمع التونسي إلى مؤمنين وكفار، وبعد إطلاعي على مقال السيد راشد الغنوشي المُعنون «هل فشل الإسلام السياسي حقا؟» (نشر في جريدة «الصريح» التونسية بتاريخ 11-11-2013 ص 5)، لا يسعني بصفتي تربويا إلا أن أعرض أمام أنظار عموم التونسيين وعلى الأخص منهم أتباع الحركة «الإسلامية» بمختلف أطيافها، المشهد التصحيحي التالي كما يتراءى لي:

أولا: لا يجوز لا أخلاقيا ولا حضاريا أن يتواصل تقسيم المجتمع المسلم في غالبيته باسم حركة تُدعَى على سبيل الخطأ وبسبب الفقر اللغوي بـ»الإسلامية» وهو مما حمَل المجتمع، تبعا لهذا النعت، على أن يوظِّف مفردة «إسلامية» على أنها الضد لـ»مسلمة» أو «محلية» أو «أهلية» أو «وطنية»، بينما في تقديرنا لا ضير في أن ننعت كل حركات التقدم المحلية في الوطن العربي الإسلامي بـ»الإسلامية» لكن شريطة أن يكون مدلول الكلمة معادلا لمدلول عبارة «إسلاميك» (باللغتين الفرنسيــة والإنكليزيـة على الأقل).

أما المدلول العربي المعادل لمدلول الكلمة الأجنبية «إيسلاميست»، وهو المعنى الضيّق المتداول إلى حد الآن، فهو مصدر البلاء وواحد من معاول التفرقة الذي تستخدمه قوى الشر، وكذلك القوى الذاتية من دون وعي، إن في داخل العالم العربي الإسلامي أم خارجه، لتعرقل كل جهود التوحد والوفاق داخل المجتمع العربي الإسلامي الواحد.

ثانيا: إنّ الحاجز اللغوي والمفاهيمي الموصوف أعلاه لا يتسبب فقط في عدم استقرار الرأي العام على موقف موحد من جملة القضايا الحارقة حتى يتسنى للمجتمع أن يخطط البرامج وينجز المشاريع التنموية، ولكنه يحقن العقل المجتمعي بصفة تُجبر الحزب «الإسلامي» على المزيد من التشبث بـ»إسلاميته» بقدر ما تدفع أيّ حزب غير «إسلامي» نحو الغلوّ في التعلق بمناهضته للـ«إسلامية»، ولعل تعثر الحوار الوطني في بلدنا أحدث دليل على هذا الوضع.

لذا يتوجب النظر إلى كل حزب سياسي على أنه إسلامي (بالمعنى الواسع) وحينئذ ستسقط آليا صفة «الإسلامية» (الضيّقة) عن الحزب «الإسلامي» ويكون مآلها الإلغاء، سواء كان هذا الحزب اسمــــه «النهضة» أم «التحرير» أم «أنصـــار الشريعة» أم غيرهــا.

ثالثا: عندما تتخلص الأحزاب السياسية مما كان يُفرّقها على النحو الموصوف سوف يتوسع مجال النضال السياسي على أرضية متوحدة، وبالتالي تقوى حركة النضال الإسلامي بصفتها أصبحت حركة لا تنبثق عن فصِيلٍ بعينه دون آخر، وإنما عن مجموع الفصــــائل والأطيــاف والأحزاب.

وهذا مما لن يتسبب أبدا في تسطيح العمل السياسي أو تكريس العقلية الخِرفانية لدى الطبقة السياسية وإنما سيسمح هذا النهج، بفضل ما يحتويه من توحد قاعدي ومن توسيع نضالي، بخلق مساحات جديدة حمّالة للاختلاف المطلوب في كل حراك سياسي سليم وتعددي.

رابعا: بتوفر التوحد الفكري العام والشمولية النضالية وبتوفر التعددية وقبول حق الاختلاف كنتيجة لهما، يمكن القول إنّ الحركة الإسلامية لا ينبغي أن تبقى مسألة حزب أو اثنين أو عشرة من بين مجموعة حزبية أكبر، وإنما يتوجب أن ترتقي إلى نضال مجتمعي بإمكانه أن يُترجَم في حزبٍ بعينه ولكنه لا ينحصر في حزب بعينه.

فهنالك فرق شاسع بين أن يناضل الفرد والمجموعة من أجل الارتقاء المرتكز على قيم الإسلام لمّا يكون النضال متحررا من التحزب، مع أنه قابل للتبني من طرف حزب في جوانبه السياسية التنافسية والانتخابية من أجل التسابق نحو السلطة، وبين أن يناضل الفرد والمجموعة من أجل تحقيق نفس الهدف حصريا في داخل حزب «إسلامي» لا يمكن أن يتمالك نفسه عن ركوب الدين واللهث وراء السلطة مثلما حصل وما زال يحصل إلى حدّ الآن.

خامسا: إنّ أكبر خاسر في عملية الفرز الإيديولوجي بين «إسلامي و»علماني» هو الفكر الإسلامي (بالمعنى النقي والأصلي للعبارة) وكذلك السياسة الإسلامية بالمعنى العام والشامل.

فهذا الفرز هو ما دفع الطرف «الإسلامي» (ذي المعنى الضيق والذي مآله الإلغاء) إلى تقويضِ جُلّ المفاهيم والمواقف السياسية الناجمة عن هذه الأخيرة والتي يتبناها الطرف «العلماني» وذلك بصفة تكاد تكون آلية وكاريكاتورية ولا تخلو من السادية والمازوشية.

فالحركة «الإسلامية» تتحدث، على سبيل الذكر لا الحصر، عن تبنيها للقضية الفلسطينية (انظر المقال المذكور) إلا أنّ الواقع يظهر تعامل بعض رموز الحركة مع اللوبيات الصهيونية، وهم لا ينأون بأنفسهم عن محاولة استدراجهم من طرف بارونات التطبيع إلى الإسهام في هذه العملية الرامية إلى التعامل مع الكيان الصهيوني، وذلك على حساب مصلحة الشعب الفلسطيني وأيضا الشعب العربي بأكمله.

والحركة الإسلامية، على سبيل الذكر أيضا، توفد مقاتلين إلى سوريا وتفتي بالجهاد ضد النظام السوري دون تحفّظ ومن دون تدارس للأسباب العميقة للنزاع في بلد مثل سوريا، ناهيك أن تنسق مع الطرف «العلماني» أو تحاول تقصي مبرراته التي تمنعه من الإسهام في القتال ضد النظام السوري.

سادسا: إنّ الحركة «الإسلامية» تقيس نفسها بقيم كونية بينما هي قيم استساغها الإسلام، وإن لفظها فلم يلفظها بالتمام والكمال، وهي قيم مثل الحداثة والليبرالية والاشتراكية والشيوعية التي تداخلت مع الفكر الإسلامي بما يكفي لتكون جزءا لا يتجزأ منه وبما يكفي لتوطيد انتمائها إلى هذا الفكر.

إنّ راشد الغنوشي مثلا، بعد أن قام بعرض خصال الحركة «الإسلامية» كما يراها هو، يقول: «بينما في المقابل تقف الليبرالية المصرية العريقة (…) على أرضية الثورة المضادة (…)» (المصدر المذكور أعلاه)، وكأنّ «الليبرالية المصرية» ليست إسلامية من حيث الممارسة، ولو أنها لم تكن إسلامية النشأة.

وما الفرق بين أن يتبنى المسلمون الليبرالية (ذات النشأة الغربية غير الإسلامية) فيُطوّرونها وتصبح مِلكهم، وبين أن يتبنى غير المسلمين قديما الخوارزميات أو الطب والجراحة أو فكر ابن سينا وابن رشد وابن خلدون، فطَوّروها مع أنها علوم ومهارات ذات نشأة إسلامية؟ هل أنّ الليبرالية والحداثة وغيرها من التوجهات الفكرية المعاصرة بمثابة النيازك أو الصواعق التي تنزل من السماء فيحل الخراب على أرض المسلمين بسببها؟

بل يذهب الغنوشي إلى أبعد من هذا فيفرّغ الفكر الإسلامي (النبيل) من كل المرتكزات الأخرى التي تنضاف إلى الليبرالية وهو الذي كتب: «إننا لا نرتاب في أنّ ما حصل في مصر ليس انتكاسة للإسلام السياسي، بقدر ما هو انتكاسة ستجهز على ما تبقى للأسف من تراث ليبرالي وقومي عربي علماني، وذلك ما لم يراجعوا مواقفهم ويؤوبوا إلى رشد» (المقال).

حسب الغنوشي، وكأنّ «الإسلامية» شيء وكُلا من «الحداثة» و«الليبرالية» و»القومية» و»العلمانية» أشياء أخرى، وما على هذه الأخيرة إلا أن «تراجع نفسها» إن أرادت البقـــــاء وإلا فسيكون مآلها «الإجهاز عليها». والحال أنّ هذه العقائد السياسية من المفترض أن تكون مكونات أساسية للفكر الإسلامي المعاصر و»إرثا مشتركا» للأمة (نستعمل عبارة الغنوشي التي يصف بها الإسلام في مقاله وهو توصيف لا يختلف حوله اثنان)، مَثلُها في ذلك مَثل الإسلام ولا يجوز بأيّ حال من الأحوال أن تُؤخذ على حِدة وبمعزل عن الوعاء الفكري الأصلي، الذي هو إسلامي أي ملكا للمسلمين كافة وللمجتمع ذي الغالبية السكانية المسلمة، ناهيك أن تُعتبر نقيضا للفكر الإسلامي كما يعتبرها الغنوشي.

سابعا: نعتقد أن ليس هنالك، نظريا، مسلم واحد يناهض الحركة الإسلامية بمدلولها الطاهر والأصلي والشامل.

لكن العائق المنتصب بينه وبين استبطان هذا المدلول الصحيح في الممارسة يكمن في أنّ التحوّل من النظري إلى التطبيقي والوظيفي عصيّ لا فقط على الأشخاص والجماعات والأحزاب، أو بخصوص هذا الموقف دون سواه، وإنما التحوّل عصيّ على الثقافة الإسلامية بأكملها، في نسختها الحالية.

ومن أسباب الاستعصاء أنّ تجسيد الموقف الإيجابي من الحركة الإسلامية لا يأتي بواسطة السياسة وإنما بواسطة علم السياسة ومن ورائه بواسطة تطوير باقة من علوم أخرى متصلة. وهل طوّر المسلمون اليوم علوما من شأنها أن تفضي إلى علمٍ للسياسة يُلهم النخب وعامة الناس ويُلهم أحزابهم؟

بانتظار انطلاق حركة إصلاح شاملة يكون توحيدُ المواقف من بين أهدافها السامية، نرجو أن يتم تقبل ملاحظاتنا على نفس المسافة من طرف الأحزاب «الإسلامية» من جهة، ومن طرف الأحزاب «العلمانية» من جهة أخرى.


كاتب تونسي

9