توني بلير.. البارع في لعبة الباب الدوار

السبت 2013/08/24
اللاعب البارع يعود إلى نفس نقطة تحركه

لم يغب توني بلير عن المشهد، كي يتم استعادته بالخبر الذي تداولته وسائل الإعلام البريطانية والعالمية هذا الأسبوع إثر الإعلان عن إنتاج فيلم وثائقي طويل عن "القاتل" أو "المقتول"، فمثله "قَتل" ولم يشعر بالندم مطلقا، ومثله أيضا يراد له أن "يُقتل"، كما يقترح عنوان الفيلم "قتل توني بلير" بدلالة اعتبارية تحمل ما يكفي من الصدمة، مع أنه وفقاً للحس الإنكليزي يحمل هذا الاسم ما يكفي أيضا من الذوق السيئ!

يأمل الفيلم الذي لو قدر له أن ينتج بأموال المتبرعين البريطانيين، أن تكون خلاصته اقتياد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق إلى المحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم حرب، ويبدو أن من يقف وراء هذا الفيلم "جورج غالواي وإن كان شخصية مثيرة للجدل" تعلم شيئا من مايكل مور في فيلم "11 فهرنايت" الذي عرى جورج بوش.

و"قتل توني بلير" سيستخدم لإثبات أنه قتل حزب العمال بالجهود التي بذلها لتحديثه، وأدى قراره المشاركة في غزو العراق إلى قتل مئات الآلاف من المدنيين، وجمع ثروة قاتلة منذ تنحيته من منصبه عام 2007.

هذا الرجل وصف باللاعب البارع بـ"الباب الدوار"، إنه يوحي لك بأنه ينتقل إلى الأمام، لكنه يعود إلى نفس نقطة تحركه! سنجد ما يكفي من الأمثلة العربية كمعادل موضوعي لهذا المثل الإنكليزي، هل يكفي مثلا "فلوس إبليس بجيب الشيطان"!

تأمل لماذا رفض الأسقف الجنوب أفريقي ديزموند توتو مؤخرا، تقاسم المنصة معه خلال قمة دولية استضافتها جنوب أفريقيا، بسبب "جرائمه وأكاذيبه" حول احتلال العراق.

قال توتو الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1984 "تأييد بلير لغزو العراق أمر لا يمكن الدفاع عنه أخلاقياً، وسيكون من غير المناسب بالنسبة لي المشاركة إلى جانبه في هذه المناسبة". مكتب بلير لم يجد تسويغاً لهذه الصدمة التي سببها له رجل دين مسيحي وحاصل على أرفع الجوائز العالمية بجزء من خيار الديمقراطية السليمة.

حرب غير أخلاقية

لم تغادر ذاكرة البريطانيين وعدد أقل من العراقيين والعرب، كيف طالب الأسقف توتو قبل سنوات في خطاب ألقاه في كنيسة وستمنستر وسط لندن، الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير أن يعتذرا لحربهما "غير الأخلاقية" على العراق.

وقال "إن بوش وبلير سيزيدان من مصداقيتهما إذا ما اعتذرا عن حرب أعلناها جعلت من العالم مكانا أقل أمنا مما كان". وحتى التحقيق الرسمي البريطاني في حرب العراق وجه انتقادات لاذعة للطريقة التي تعامل بها بلير مع الحرب عام 2003.

وأعلن التحقيق في اللجنة التي رأسها سير جون شيلكوت، أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير تجاهل النصيحة القانونية للنائب العام في حكومته بأن غزو العراق سيكون غير قانوني من دون استصدار قرار بهذا الشأن من الأمم المتحدة، لأنها كانت مؤقتة.

وحمّلت اللجنة بلير مسؤولية الفشل بأربعة جوانب رئيسية هي "الإدعاءات المزيفة حول أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين، وعدم إبلاغ الرأي العام البريطاني بالتعهد السري الذي قطعه على الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بإشراك بريطانيا بالحرب، وعدم اطلاع حكومته على خطط غزو العراق، والفشل بالتخطيط لمرحلة ما بعد الحرب في العراق".

أما بلير فعبر عن عدم ندمه إشراك بريطانيا في غزو العراق، معتقدا أن العالم أصبح أكثر أماناً بعد احتلال العراق والإطاحة بصدام حسين. هذا الرجل البارع في حركته وتسويغ كلامه يواجه رفضا شعبيا في المنتديات والمؤتمرات بسبب إصراره على احتلال العراق مع اكتشاف "كذبة أسلحة الدمار" التي روج لها مع بوش.

وسبق وأن حاول ناشط ضد الحرب توقيف بلير، بموجب قانون "اعتقال مواطن" بينما كان يلقي خطاباً. واتهم الناشط توم غراندي بلير أمام الحضور بإنتهاك معاهدة جنيف خلال سنوات حكمه، بعد صعوده إلى المنصة لإلقاء كلمة في جامعة هونغ كونغ.

وانتظر غراندي حتى بدأ بلير خطابه ثم توجه إليه وأبلغه بأنه يريد القبض عليه بتهمة ارتكاب جرائم ضد السلام بموجب صلاحيات القانون 101 في هونغ كونغ، والذي يسمح بتنفيذ إعتقال مواطن.

وقال إنه سجل اسمه لحضور خطاب بلير عبر الإنترنت، وأحضر معه ملاحظات حول الأساس القانوني لمحاولته اعتقاله، تغطي ما اعتبرها انتهاكاته لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ نورمبرغ ومعاهدات جنيف واتفاقيات لاهاي.

المواقف تجلب الثروة

أما لعبته المالية فهي باب دوار بامتياز در عليه ثروة لم يحصل عليها أي رئيس وزراء بريطاني تتراوح بين 20 و 50 مليون جنيه استرليني، كان آخرها تقديم "خدمات سياسية" نحو حاكم مطلق آخر بعد أن فقد صديقاً ماليا هو معمر القذافي حسب تعبير صحيفة "صندي تليغراف".

فقد أسس مجموعة استشارية جديدة لمساعدة نظام كازاخستان على تنفيذ إصلاحات اقتصادية. وقالت صندي تليغراف "قد يكون فقد صديقاً برحيل العقيد معمر القذافي، لكنه وجد حاكماً مطلقاً آخر للقيام بأعمال تجارية معه هو نور سلطان نزار باييف رئيس كازاخستان الغنية بالنفط".

كيف يعيش بلير اليوم
* أنفقت شرطة لندن نصف مليون جنيه إسترليني من أموال دافعي الضرائب، أي ما يعادل نحو 815 ألف دولار، على حماية رئيس الوزراء الأسبق توني بلير لدى مثوله مرتين أمام لجنة التحقيق في حرب العراق. وتناوب 657 شرطياً على حمايته حين مثل للمرة الأولى أمام لجنة التحقيق في حرب العراق 2010.

* قررت شرطة سكوتلند يارد تخفيض عناصر الحماية الأمنية حول منزل بلير بمعدل النصف في محاولة للتخفيف من تكاليفها، والتي كانت تصل إلى مليوني جنيه إسترليني في العام قبل التخفيضات. ويتولى حمايته فريق من الشرطة أكبر من فريق الحماية المخصص لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ويضم 16 عنصراً يرافقونه في جميع أنحاء العالم.

* قال مصدر كويتي أن بلير "يزور الكويت بشكل منتظم وكذلك موظفوه، فيما توجه شركته في المقابل دعوات لمتدربين كويتيين إلى لندن لاطلاعهم على طرق عمل الحكومة البريطانية وتزويدهم بالنصائح من الفترة التي أدار بها بلير المملكة المتحدة كرئيس للوزراء.

وانتقل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح لتنفيذ بعض التوصيات التي اقترحتها شركة بلير في تقريرها "رؤية الكويت 2035"، وخصص 45 مليار جنيه إسترليني لتنفيذ 250 مشروعاً على مدى السنوات الأربع المقبلة، بما في ذلك مركز تجاري باسم مدينة الحرير وميناء جديد ونظام للمترو والسكك الحديدية وربما سيطلق على شارع في الكويت اسم بلير اسوة بشارع بغداد الذي غير اسمه الى شارع بوش.

* سكنت شيري بلير في جناح أميري بفندق الشيراتون بمدينة الكويت يكلف 2400 دولار في الليلة الواحدة على حساب سلطات الكويت.

* قال المحلل الكويتي أحمد سعيد "لست الوحيد في الكويت الذي يأمل أن تفسر لنا الحكومة كيف يمكن تجسيد الحكم الرشيد في صفقتها مع توني بلير، فيما وصف وزير التربية الكويتي الأسبق موضي الحمود الصفقة بالسلبية والغامضة.

* قالت شيري بلير ان التاريخ سينصف زوجها كما أنصف رئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل، واصفة السنوات العشر التي كان فيها زوجها في سدة الحكم بانها "مميزة".

وكشفت زوجة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ان زوجها اتخذ عام 2002 قرار الإعلان عن إجهاضها لتجنب الشائعات حول اجتياح العراق، في مذكراتها التي صدرت بعد مغادرة زوجها رئاسة الحكومة.

المتحدث باسم بلير اعترف بأن الأخير أسس مجموعة استشارية لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية في كازاخستان التي يحكمها الرئيس نزار باييف بقبضة حديدية منذ أكثر من عشرين عاماً، فيما أكدت مصادر مطلعة أن الصفقة تساوي نحو 8 ملايين دولار في السنة.

أما السلطات الكويتية فقد سبق وأن دخلت في "لعبة الباب الدوار" ومنحت شركته عقدا بقيمة 43 مليون دولار من أجل رسم مستقبل الإمارة الغنية بالنفط.وكانت الكويت أول زبون لشركة "توني بلير وشركاؤه" والتي أسسها مبعوث اللجنة الرباعية لعملية السلام في الشرق الأوسط في لندن عام 2009 لتقديم استشارات في مجال الإصلاح السياسي والاقتصادي والاتجاهات الحكومية.

وتعاقدت معها لوضع تقرير حول المستقبل السياسي والاقتصادي للإمارة الخليجية الصغيرة والغنية بالبترول تحت عنوان "رؤية الكويت 2035" سلّمته إلى الحكومة الكويتية في وقت سابق من العام 2010. وذكرت مصادر كويتية مطّلعة على الصفقة لصحيفة "ديلي ميل" أن شركة بلير ستحصل على أكثر من 12 مليون دينار كويتي (27 مليون جنيه إسترليني)، فيما نفى متحدث باسم بلير هذه المزاعم واعتبر أنها مبالغ فيها، لكنه اعترف بأن فريقاً من شركة "توني بلير وشركاؤه" ستعمل مع الكويتيين لعدة سنوات.

مكافأة على احتلال العراق

وبالطبع ليس صعبا الاستنتاج بأن الاعتراف الكويتي هو ما يشبه مكافأة بلير على دوره المحوري في احتلال العراق مع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش تحت ذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل التي ثبت فيما بعد أن لا وجود لها. و"صندي تليغراف" نفسها سبق وإن كشفت أن بلير حقق أرباحاً مقدارها 710 آلاف جنيه استرليني، أي ما يعادل نحو 1.1 مليون دولار، من شركات غامضة على شبكة الإنترنت أنشأها لزيادة مصالحه التجارية.

وفشل توني بلير في إخفاء عشرين مليون جنيه استرليني كسبها عبر تسهيل مهمات شركات نفطية عالمية في العراق بعد احتلاله عام 2003.

ونفذ صبر لجنة التعيينات التجارية البريطانية المشرفة على عمل رؤساء الحكومة السابقين بعد مماطلة بلير في إخفاء المبالغ التي حصل عليها.

وذكرت صحيفة "ديلي ميل" في عدد سابق، إن بلير بذل جهداً لإخفاء صفقات كبيرة مع شركة النفط الكورية "UI Energy Corporation" العاملة في العراق بما فيها محافظات كردستان، وحصل بموجبها على عمولة تقدر بالملايين منذ عام 2007. كل ذلك دفع النائب دوغلاس كارسويل إلى وصف صفقات بلير بـ"النتنة" مؤكدا أنها ليست مجرد أفعال سيئة وجشعة.

وأما النائب الليبرالي الديمقراطي نورمان بيكر فركز على أن الكشف عن صفقات بلير التجارية، تؤكد لنا أن رئيس الوزراء الأسبق كان يعرض مواقفه السياسية للبيع، وكل ما فعله في حرب العراق كان يهدف لكسب المال لنفسه.

وكان بلير قد دخل على خط الصفقات النفطية في العراق بحصوله على مليون جنيه استرليني سنوياً بصفته مستشاراً لتسهيل الفوز بتطوير حقل الزبير النفطي في محافظة البصرة جنوب العراق. وتفند الأموال التي يحصل عليها بلير حيال هذه "الخدمة الشكلية" مزاعمه المصرة دائما على أن احتلال العراق لم يكن له علاقة إطلاقا بالثروة النفطية.واستغرب روث تانر الذي يرأس منظمة دولية ضد الحرب والفقر استسالة المبالغ الهائلة على الشركات الدولية من دون توفير الحاجة الواقعية للعراقيين من الوقود.

وعبر تانر عن صدمته في تصريح لصحيفة "صاندي تايمز" بقوله "بدلا من أن يحاسب بلير على أفعاله في احتلال العراق، صار ينتفع على حساب الشعب العراقي". وأتهم بلير بدعم مصالح شركات النفط الغربية مع غزو العراق عام 2003، إلا أنه نفى هذه الاتهامات واصفاً اياها بـ "نظرية المؤامرة" واقترح أن توضع عائدات النفط العراقي في صندوق يدار من قبل الأمم المتحدة.

وكانت صحيفة "ميل أون صندي" قد كشفت أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق تلقى نحو 90 ألف جنيه استرليني لزيارة شركة لانتاج الميثانول في أذربيجان يملكها ثري يقيم مصالح تجارية في سوريا وإيران وأفغانستان.

وقالت الصحيفة إن الزيارة، التي تعد الأولى من نوعها لبلير، موّلها نظامي بيرييف مالك شركة "إي زد ميكو" لانتاج الميثانول، وستثير تساؤلات جديدة حول علاقاته التجارية.وعائلة بيرييف، هي واحدة من أثرى الأسر في أذربيجان، وأدار نظامي بيرييف قسماً من شركة النفط الروسية (غازبروم)، قبل أن يؤسس شركته التي حصلت على عقد قيمته ملياري جنيه إسترليني لتطوير مجمع أذربيجاني للبتروكيميائيات في سوريا.

لا أحد يشك بنجاح بلير السياسي ومن بعده تجميع ثروة هائلة من بيع "مواقف سياسية"، ولا يوجد أمل في أن يحاكم بلير في يوم ما على الجرائم التي ارتكبت في العراق، لكن الذاكرة العراقية لن تنسى قبلة التلميذ العراقي الصغير على خده في محافظة البصرة التي تناقلتها العدسات بعد أسابيع احتلال وتدمير العراق، بصفتها صورة عن مستقبل البلاد "الوردي"، فيما كانت الميليشيات والأحزاب الطائفية تستحوذ على البلاد وثروته.

بلير مازال مصرا على أن العراق في حال أفضل اليوم، ولا يريد أن يسمع كم من العراقيين قتلوا منذ إطلاق كذبته المشتركة مع بوش، وكم يقتل كل يوم منهم في مشهد سياسي عبثي.

15