توني بلير يحث البريطانيين على "ثورة" ضد قرار البريكست

ذكر رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليس حتميا، داعيا إلى تشكيل حركة من مختلف الأحزاب لإقناع الشعب بأنه بإمكانه تغيير موقفه بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي، في موقف يلاقي ترحيبا من بروكسل والنخبة الأوروبية المعارضة التي تخشى أن يكون خروج بريطانيا بداية لعمليات مشابهة تطال مختلف بلدان القارة، خصوصا دول شرق أوروبا المعروفة تاريخيا بتقلباتها السياسية والفكرية.
السبت 2017/02/18
النجوم مازلت راسخة في مكانها

لندن - حث رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير البريطانيين المؤيدين للاتحاد الأوروبي على التحرك وإقناع الناخبين الذين صوتوا لصالح بريكست بتغيير رأيهم، معلنا أنه ينشىء معهدا لتطوير حجج ضد الخروج ومع إبقاء علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي.

وقال بلير، خلال حفل نظمته، الجمعة، مجموعة “بريطانيا منفتحة” التي تنشط من أجل إبقاء علاقات وثيقة بين لندن والاتحاد الأوروبي، “هذا ليس الوقت المناسب للتراجع وعدم المبالاة، وإنما وقت النهوض للدفاع عن الأمور التي نؤمن بها”.

ومنذ التصويت على استفتاء الـ23 من يونيو 2016 للخروج من التكتل المؤلف من 28 دولة، حاولت رئيسة الوزراء تيريزا ماي الحيلولة للقضاء على أي بريق أمل في إمكانية العدول عن التصويت والبقاء في التكتل.

وأعلنت ماي أنها ستفعل المادة 50 في اتفاقية لشبونة الأوروبية بحلول نهاية مارس لبدء عملية الخروج من الاتحاد التي تمتد على سنتين، لكن الخبراء منقسمون حول ما إذا بامكان الحكومة تغيير رأيها حول الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في المستقبل، حتى بعد تفعيل المادة 50.

في خطابه، الذي بثته بشكل مباشر هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” وقناة “سكاي نيوز”، شن بلير هجوما لاذعا على سياسة الحكومة قائلا إن عملية الخروج من الاتحاد الأوروبي يقودها مؤيدو عملية بريكست مشددة.

وقال بلير “التحدي الذي نواجهه، هو فضح التكلفة المترتبة على قرار الخروج”، متهما حكومة تيريزا ماي بـ”تضليل الرأي العام حيال عواقب الانسحاب من التكتل الأوروبي”.

ولاقت تصريحات توني بلير تأييدا في صفوف النخبة الأوروبية التقليدية، التي عارضت خروج بريطانيا من التكتل وتخشى من تكرار التجربة مع دول أخرى، في ظل موجة صعود التيارات اليمينية والشعبوية المعارضة لسياسات الاتحاد الأوروبي.

وأعرب مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الميزانية جونتر أوتينجر عن تفاؤله تجاه مستقبل الاتحاد الأوروبي، على الرغم من الشكوك القائمة بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والنهج الذي يتبعه الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب.

وأوضح أوتينجر، السياسي الألماني البارز المنتمي إلى حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل المسيحي الديمقراطي في تصريحات لصحيفة “بيلد أم زونتاج” الألمانية الأسبوعية، أنه يعتمد في ذلك على أن الانتخابات المنتظرة سوف تدعم أوروبا وليس الأحزاب الشعوبية اليمينية.

ويحدو هذا الأمل دول في شرق القارة الأوروبية، تشهد اضطرابات مرتبطة بموجة الشعبوية الصاعدة، على غرار رومانيا. تتنافس في هذا البلد ثلاث قوات بغرض الوصول والهيمنة على الحكم. وهذه القوات، وفق تقرير صحيفة الغارديان البريطانية هي: الفاسدون من السياسيين التقليديين، الجماهير الغاضبة التي ينفد صبرها بشكل متزايد، والشعبويون الثائرون.

الشعبويون يستغلون انتشار حالة من الحنين إلى الماضي في الترويج لخطاب قومي يمتزج بنزعة دينية متطرفة

الاختبار الحقيقي

يعتبر شرق أوروبا، الذي ساعد بشكل كبير لإسقاط الشيوعية عام 1989، أنسب مناخ يمكن أن تراقب من خلاله ظهور السياسات الجديدة التي تعرض النظام الأوروبي بأكمله إلى اختبارات ضاغطة، بسبب عدم قدرة مؤسساته على خلق نظام لحماية ضوابط الديمقراطية في الثقافات المختلفة.

ويرى الكاتب البولندي في صحيفة الغارديان يان كوبيك أن عجز الحكومات الأوروبية على خلق نظام يحمي ضوابط الديمقراطية الأوروبية نتج عنه تعرض النظام الليبرالي والقيم الأوروبية الحرة التي طالما نادت بها القارة إلى اختبارات وضغوط في ظل الترويج للقيم المحافظة والقومية المتشددة كبدائل ناجعة للمجتمع الأوروبي.

وأسفر سقوط الشيوعية عن ظهور ما يقرب من 30 دولة تسعى لإعادة هيكلة اقتصادها، وإعادة تصميم أنظمتها السياسية وتشكيل هويتها. ففي بداية عام 1990، لم يكن هناك أي مخطط اقتصادي بخلاف ظهور ما يسمى بالنيوليبرالية وتأييد الرأسمالية المطلقة.

تقبل السياسيون في تلك البلدان فكرة الديمقراطية الليبرالية دون النظر مليا في ما بين سطور هذه الديمقراطية بعد مواجهة أعوام كارثية. وحققت بعض الدول في شرق أوروبا ومنطقة البلطيق نجاحات باهرة. وعمل سكان المنطقة على الرغم من معاناتهم على بناء أنظمة ديمقراطية، فما الذي يفسر إذن التصدع الديمقراطي في شرق القارة الأوروبية اليوم؟

تنتشر أفكار في دول شرق أوروبا، كما هو الحال في بقية القارة، تقول إن مجموعة من العوامل الاقتصادية والثقافية هي التي أدت إلى ازدياد الشعبوية.

وتوجهت أصابع الإتهام بشكل أساسي إلى الليبرالية الحديثة وما نتج عنها من تأثيرات اقتصادية سلبية. لكن، بعض الأبحاث التي أجريت في سياق البحث عن إجابات لصعود هذه الموجة، كشفت أن العوامل الثقافية لعبت الدور الأبرز في تعاطف شعوب أوروبا الشرقية مع اليمين الشعبوي، في محاولة للحفاظ على الثقافة التقليدية في مواجهة العولمة.

ويشير يان كيوبك إلى أن الشعبويين استغلوا انتشار حالة من الحنين إلى الماضي في بولندا، في الترويج بمهارة لخطاب قومي امتزج بنزعة دينية مُتطرفة، حيث يرفع عدد من السياسيين الشعبويين شعارات منها “نريد الحفاظ على المسيحية النقية التي تم تشويهها في الغرب”.

الجبهة الأضعف

قال كيوبك «هناك خطر من توجيه الشعبويين لحالة الغضب ضد المؤسسات الضعيفة»، محذرا من انهيار المؤسسات الديمقراطية حديثة النشأة في بلدان شرق أوروبا جرّاء المُطالبات الشعبوية بانتهاك حكم القانون والمؤسسات من أجل الحفاظ على الإرادة الشعبية.

وتعبر شعوب أوروبا الشرقية عن رفضها وغضبها لأنظمتها بطرق عديدة. وكانت أفكارها قديما منحازة إلى الجانب اليساري، ولكن مع سقوط الشيوعية والاشتراكية توجهت الأفكار صوب الاتجاه اليميني، وضعفت الجبهة اليسارية، واليوم تجد موجة الشعبوية اليمينية مكانا لها.

ورغم أن الشعبويين لا يستطيعون حل المعضلات إلا أن خطابهم تمكن من إقناع من حولهم بأن الحلول بسيطة، لكن يجب في البداية “استعادة أنفسنا النقية الموجودة بداخلنا“.

وإذا أصيبت المجتمعات في النهاية بمرض الشعبوية، كما يقول يان كوبيك، فسيكون من الصعب عليها استرجاع معتقداتها الديمقراطية الليبرالية، بل وسيكون من الصعب أيضا الاستفاقة من الوهم المزعوم بوجود عالم يسهل فيه حل جميع المشكلات؛ وهو ما يفسر قلق قادة حملات البريكست من تأثيرات تصريحات توني بلير التي يؤكد فيها أن “أنصار الانفصال عن الاتحاد الأوروبي كانوا مخطئين عندما جزموا أنه لا يمكن تغيير ‘إرادة الشعب'”.

7