توني بين صديق المحرومين ونصير شعوب العالم

السبت 2014/03/22
بين الاشتراكي الديمقراطي الذي أحب العرب

مات توني بين، أحد آخر المتبقين من أصدقاء العرب في عاصمة الضباب، ممن عاصروا الأحداث الكبيرة التي عصفت بالشرق، فاقتلعت أنظمة، ونصّبت أخرى، ظهرت قوى عالمية، وتوارت أخرى، وبقي توني بين منحازاً للقضايا الصعبة، تلك التي لا تجد لها مناصرين في أنحاء كثيرة من العالم.

كثيرون مروا على محافل الغرب وساحاته السياسية، وقالوا عن أنفسهم إنهم أصدقاء الشعوب، ولكن معظمهم كانت لديه مصالحه الشخصية والسياسية، ولم تكن الشعوب عنده إلا وسائل استثمار من أجل أهداف بعيدة، توني بين لم يكن من هؤلاء، فقد صدّق ما يدافع عنه، وآمن بتلك الكوارث التي حلّت بهم بفضل رغبة العالم المتحضّر في الهيمنة على بلادهم وثرواتهم، دون أن يعطوهم حصة من أهم رسائل الغرب.. الديمقراطية.

بين المولود في العام 1925، والذي قضى أكثر من نصف قرن نائباً في مجلس العموم البريطاني وتركه بالاستقالة وليس بغيرها، تولّى خلالها حقائب وزارية عديدة، منها الطاقة والصناعة والتكنولوجيا، واحداً من الاشتراكيين الذين شغلوا الشعب البريطاني بقدراتهم الخطابية، قدّم توني بين نموذجاً إنسانياً رفيعاً رفض الوراثة في قيادة المجتمع، فرفع دعوى قضائية ضد نفسه في العام 1963 كي يتنازل عن لقب “لورد” الذي ورثه عن والده، ورسّخ مبادئ سياسية مختلفة ثبّتت نفسها فيما بعد في تيار حزب العمال.


نصير الشعوب بلا ثمن


رغم تأييد بين للعراق وحقّه في الوجود، بعيداً عن تهديدات الولايات المتحدة وبريطانيا وقبلهما إيران، إلا أنه رفض الهبة التي أرسلها له السفير العراقي في لندن، كي يبقى محافظاً على شرف دفاعه المجاني عن قضايا عادلة رآها، على النقيض من آخرين من زملائه جمعوا ثروات كبيرة من خلال نصرتهم للقضايا ذاتها، وكان توني بين من أشدّ المعارضين للحرب على العراق واعتبر أن ” الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا تخططان لإطاحة غير قانونية بحكومة صدام حسين” كما قال في أحد الحوارات التي أجريت معه، فقام بتصدّر ملايين البريطانيين في المظاهرات التي خرجت ضد سياسة توني بلير في حربه على العراق.

وقبل ذلك كان توني بين قد عارض شن الحرب على مصر بسبب تأميم قناة السويس، وما عرف بحرب “العدوان الثلاثي” في العام 1956، ثم احتلال إسرائيل للأراضي العربية في هزيمة العام 1967، أما القضية الفلسطينية فنالت من اهتمام توني بين الكثير، وكان قد كتب يوماً إن الولايات المتحدة الأميركية تتحمل مسؤولية الجرائم المروعة التي ترتكب بحق الفلسطينيين وذلك للدعم المالي الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل وتسليحها واستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن لحمايتها ضد تطبيق القرارات الدولية.

قضى خمسين عاماً نائباً في مجلس العموم البريطاني وتركه بالاستقالة، ورفع دعوى قضائية ليتخلص من لقب لورد الذي ورثه عن والده


الهولوكوست والملكية


كان وعي توني بين متقدماً، استطاع أن يكتشف جميع النوايا والأهداف والبرامج التي طبّقت على الرأي العام الغربي، وكان على رأسها تسويق قضية الهولوكوست، التي اتهمها بأنها لم تكن أكثر من تقنية استخدمتها إسرائيل لتبتز بها العالم الغربي، و كان توني بين قد وصل إلى مقعده في مجلس العموم البريطاني في سن الخامسة والعشرين، وصنّف كأصغر نائب في تاريخ المجلس، فعاش تقلبات العالم مع الاشتراكية بكل نسخها، الشرقية والغربية، وأصدر كتابه، “الجدل حول الاشتراكية” الذي قدّم فيه الفكر الاشتراكي من وجهة نظره بما يخدم مستقبل بريطانيا وحل قضاياها السكانية والمعيشية، بل إنه تجاوز بلاده إلى أنحاء العالم لتكون الاشتراكية التي طرحها توني بين حلاً للعالم بأسره، وبالأخص العالم الذي لم يعرفها جيداً (العالم الرأسمالي)، وعارض إلى جانب القضايا التي رفضها، النظام الملكي ذاته، الذي لم يعترف به، وطالب بنظام بديل عنه هو النظام الجمهوري الدستوري، وعارض العنصرية والفاشية، وشارك في مظاهرات المسلمين التي خرجت ضد إجراءات الشرطة والأمن في بريطانيا التي أثارت حساسية المسلمين، رغم علمانيته.


جندي في الحرب العالمية


في العام 1943، جُنّد توني بين في سلاح الجو الملكي وتم منحه رتبة ضابط طيار بعد عامين، ليحارب في جنوب أفريقيا وروديسيا، ولكنه كان قد بدأ يشعر بالذنب، فرفض تقاضي أي راتب على وظيفته كطيار حربي، بعد أن خسر شقيقه في تلك الحرب، وترك الجيش مع وقف إطلاق النار، ثم درس الفلسفة والاقتصاد في جامعة ويستمنستر، وأصبح مديراً عاماً للبريد، وتمت ترقيته إلى وزير للتكنولوجيا، فشهدت هذه الفترة مشاركة الحكومة في الترشيد الصناعي، ودمج العديد من شركات السيارات، وفي حكومة حزب العمال في العام 1974 أصبح بين وزيراً للصناعة وعمل على زيادة الأجور وتأميم الصناعة، وتوفير شروط وظروف أفضل للعمال مثل قانون الصحة والسلامة، وإنشاء تعاونيات العمال للتحفيز والإصلاح تكافح الصناعات، كتب بين أن: “السياسيون يكرهون ” الوحدة الاقتصادية الأوروبية”، ويدّعون أن ” البيروقراطية والمركزية ” وأن ألمانيا تهيمن على الوحدة الاقتصادية الأوروبية”، تلك الوحدة التي تفاوتت مواقفه منها.

عارض توني بين إلى جانب القضايا التي عارضها، النظام الملكي، الذي لم يعترف به، وطالب بنظام بديل عنه هو النظام الجمهوري الدستوري، وعارض العنصرية والفاشية


يسار العمال


انتقل بين إلى الجناح اليساري من حزب العمال البريطاني، وعزا هذا التحول السياسي إلى تجربته كوزير في حكومة حزب العمل 1964-1970. وقال إنه تعلّم أربعة دروس الأول هو كيف يمكن للخدمة المدنية إحباط سياسات وقرارات الحكومات المنتخبة شعبيا، والثاني، طبيعة مركزية حزب العمال التي تتيح للقائد التصرف وكأن الحزب مملكته الشخصية، أما الدرس الثالث فقد كان تحالف السياسيين مع قوة من الصناعيين والمصرفيين للحصول عن طريقهم على شكل من أشكال الضغط الاقتصادي، وحتى الابتزاز، ضد حكومة حزب العمل، والرابع اتصل بقوة وسائل الإعلام، والتي شبّهها بسلطة الكنيسة في العصور الوسطى.


لماذا استقال من العموم


كان توني بين مؤيداً بارزاً لإضراب عمال المناجم في بريطانيا الذي شغل أواسط الثمانينات، ووقف قبلها ضد حرب الفوكلاند، وطالب بتطبيق قرارات الأمم المتحدة بدلاً عن شنّ حرب مأساوية، وكان حيّاً في الحياة السياسية والمجتمعية البريطانية بحيث يمكن العثور عليه في محطات الميترو والأنفاق والشوارع والمظاهرات وتجمعات الفقراء والندوات الأدبية وتقريباً في كل مكان، كما قالت عنه صحافة بلاده، وحين قرر الاستقالة من مجلس العموم برّر ذلك بالقول: "أترك البرلمان من أجل أن أنفق المزيد من الوقت على السياسة” وكما قال، فقد تفرّغ بالفعل للحركة بحرية أكبر ضمن تجمّع “أوقفوا الحرب” وسافر إلى بغداد للقاء الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وأجرى معه مقابلة تم بثها على التلفزيون البريطاني، قال له صدام حسين وقتها إنه لا توجد أدلة على امتلاك العراق أية أسلحة للدمار الشامل، وقال له إنه وثق به حتى أنه لم يطلب منه الاطلاع على أسئلته قبل إجراء المقابلة، فكانت تلك المقابلة التي أجريت قبل ثلاثة أسابيع من بدء العمليات العسكرية ضد العراق، من أواخر لقاءات صدام حسين مع الإعلام، بدأها توني بين بكلمات باللغة العربية (السلام عليكم)، ولكن الحرب وقعت، ووقع الرئيس العراقي في الأسر ثم تم إعدامه الأمر الذي تسبّب بالكثير من الحزن لتوني بين، ولكن هذا الرجل الذي رفض الألقاب النبيلة، أبقاه الشعب البريطاني على رأس قائمة الأبطال والعظماء في تاريخه الحديث، حين اختارته مجلة “نيو ستيتسمان” في العام 2006 ، ليكون الرقم الثاني عشر في قائمة “أبطال في عصرنا".

سافر إلى العراق وأجرى مقابلة تلفزيونية مع الرئيس الراحل صدام حسين بثها الإعلام البريطاني

بموت توني بين، خسر العرب صديقاً، فوق خساراتهم الجسيمة في نقل قضاياهم العادلة هنا أو هناك، ولا يمكن القول إن وجود شخصيات عالمية من طراز توني بين، كان أحد إنجازات العمل الإعلامي والسياسي العربي المشترك، بل إن حسن الحظ هو من دفع بهؤلاء إلى تبني الرؤى التي تدافع عن شعوب الشرق.

لتوني بين عالم خاص بذاته… طوّر فكره وأصبح نباتياً في العام 1970، لأسباب أخلاقية كما قال، واستمر حتى آخر من يوم حياته ضد العنف الموجّه للإنسان والطبيعة والكائنات كافة.

13