توهّموا أنها النهاية

البعض توقع أن ديبالا الذي بلغ درجة مرموقة خلال المواسم الأخيرة في عالم نجوم الكرة شارف على نهاية مبكرة وسقوط “حرّ” قد يجرّه التقهقر نحو "عوالم" اللاعبين العاديين.
الأحد 2018/03/18
نجم اليوفي الإيطالي يعود "إلى الحياة"

أخيرا وبعد طول انتظار عاد الأرجنتيني باولو ديبالا نجم اليوفي الإيطالي “إلى الحياة”، عاد إلى التألق والبروز وتسجيل الأهداف الحاسمة، لقد عاد في الوقت المناسب كي يدافع بشراسة عن حظوظ فريقه سواء في الدوري المحلي أو في دوري الأبطال، وسيعود بلا شك أقوى بكثير مع المنتخب الأرجنتيني ليقدّم نفسه بشكل مثالي كونه أحد المرشّحين للتألق في المونديال الروسي.

لا أدري لماذا استحضرت صورة الممثل العالمي ليوناردو دي كابريو في فيلمه الشهير “العائد” الذي تمكّن من خلاله من التتويج بجائزة الأوسكار لأول مرة في مسيرته، حيث جسّد شخصية “صياد فراء” لديه قوة رهيبة، بل هو محارب مقدام تمكّن من “تحدّي الموت” وعاد أقوى من ذي قبل.

صورة الشخصية الرئيسية في هذا الفيلم التي جسّدها النجم الهوليوودي ببراعة فائقة تشبه كثيرا ما حصل لنجم “السيدة العجوز″ ديبالا، فبطل الفيلم الذي يدعى “هيو غلاس″ تعرض لأذية كبيرة في إحدى الغابات الكثيفة إثر اعتداء وحشي من دبّ ضخم الجثة أصابه بخدوش مميتة، بيد أن غلاس تمكّن بعد صراع طويل من التغلب على جراحه وآلامه وعاد مثل سابق عهده قويا مقداما ومحاربا شجاعا.

وما ينطبق على الشخصية المحورية في هذا الفيلم قد يعكس في أغلب تفاصيله ما حصل مع النجم الأرجنتيني ديبالا هذا الموسم، الذي عانى خلاله طويلا من مشكلات صحية ونفسية كادت تفقده كل شيء، بل وكادت تخرجه نهائيا من أقوى فرق الدوري الإيطالي.

في بداية الموسم عرف صاحب الرقم عشرة في تشكيلة اليوفنتوس من هبوط محيّر في مستواه، إذ لم يتمكّن من تقديم مستوى يليق بلاعب ينشط في هذا النادي، كان عجزه عن البروز واضحا، إذ لم يكن قادرا على إقناع الجهاز الفني بأحقيته باللعب ضمن التشكيل الأساسي.

وبعد فترة وجيزة فقد ديبالا مكانه في الفريق، لقد عانى من بعض الهزات النفسية التي أثّرت كثيرا على مستواه وجعلت منه لاعبا عاديا ليست لديه أي قدرة تمكنّه من الصمود في وجه الصعوبات والعراقيل.

لقد كان ذهنه مشتتا وبدنه ضعيفا إلى درجة أن مجرد إصابة طفيفة تجبره على الابتعاد عن التمارين لفترة طويلة نسبيا، كان يائسا وبائسا، وبلغ به الوضع في نهاية العام الفائت إلى درجة اعتقد من خلالها بعض متابعيه أنها النهاية.

لقد توقّع البعض أن ديبالا الذي بلغ درجة مرموقة خلال المواسم الأخيرة في عالم نجوم الكرة شارف على نهاية مبكرة وسقوط “حرّ” قد يجرّه التقهقر نحو “عوالم” اللاعبين العاديين غير القادرين على اللعب مع الفرق الكبرى.

وهذا الاعتقاد كبر أساسا بسبب فقدان ديبالا تلك المواهب والمهارات التي جعلته في وقت قريب أحد أبرز اللاعبين الشبان الذين يتوقّع منهم خلافة مواطنه ميسي، ففي المباريات التي خاضها في بعض فترات هذا الموسم سواء ضمن الأساسيين أو أثناء اللعب فشل بشكل ليس له أي تفسير في ترك بصمته.

الأمر أغضب مدربه في اليوفي ماسيمو أليغري ليحيله خلال فترة طويلة نسبيا على دكة البدلاء علّه يستعيد رشده ويستفيق من غفوته.

لقد كلفه هذا “السقوط الحرّ” المؤقت مكانه ضمن تشكيلة المنتخب الأرجنتيني ولم يشارك في أغلب المباريات الحاسمة على درب تأهل هذا المنتخب للمونديال، لقد واصل العيش في ظل “العملاق” ميسي، بل لم يكن له أي حضور مؤثر مع منتخب بلاده، ولهذا السبب توقعّت الجماهير الرياضية في الأرجنتين أن ديبالا بلغ مرحلة النهاية الكروية المبكّرة التي تشبه حالة “الموت المفاجئ”، التي ضربت في وقت مضى عدة لاعبين أخفقوا في تعويض النجم الأسطوري مارادونا قبل أن يجود الزمن الراهن بالجوهرة الغالية ليونيل ميسي.

لكن في الوقت الذي اعتقد فيه الجميع بمن في ذلك بعض المقرّبين منه أن ديبالا لم يعد قادرا على المواصلة والمضي قدما نحو الأمام، عاد باولو أخيرا وكأنه أراد أن يقول للجميع “أنا هنا، أنا لم أمت”.

عاد تماما مثلما عاد هيو غلاس في فيلم “العائد”، فالثاني نجا بمعجزة من براثن الدبّ ووحشيته وداوى جراحه الغائرة بنفسه، والأول داوى أيضا بنفسه كل جراحه النفسية واستعاد فجأة سالف عنفوانه وقوته.

لقد شكّلت مباراة الإياب ضمن الدور السابق لدوري الأبطال ضد توتنهام منعرجا حاسما في حياة هذا اللاعب، فديبالا صنع الحدث وأحدث الفارق ولعب دور المنقذ في تلك المواجهة ليقود فريقه اليوفي إلى الفوز خارج الديار على الفريق الإنكليزي بعد أن قدّم مستوى رائعا للغاية.

لقد عاد ديبالا وبات اليوم رقما مهما في تشكيلة فريق “السيدة العجوز” ليس في منافسات أوروبا فحسب، بل ضمن المنافسات المحلية، إذ تمكّن من تسجيل عدة أهداف حاسمة قادت الفريق إلى انتزاع صدارة ترتيب الدوري الإيطالي من نابولي.

اليوم وليس بالأمس، يمكن القول إن هذا الفتى الوسيم يحق له أن يقول إنه لاعب مهم للغاية ونجم قادر على خلافة ميسي لحمل القميص رقم عشرة في منتخب “التانغو”.

العائد ديبالا ربما قد يعلو شأنه أكثر في الأشهر القليلة القادمة، حيث ينتظر الكل عرس المونديال على أحر من الجمر، ربما يقدر هذا اللاعب “العائد للحياة” من مساندة ميسي وإعلاء راية منتخب بلاده، لكن قبل ذلك ثمة دين على الحساب في دوري الأبطال، سيتعيّن على ديبالا أن يثبت أنه لم يحمل أي آثار جانبية، وربما لن يحصل ذلك، إلاّ من خلال التصدي لمنافس الدور القادم، ونعني بذلك ريال مدريد الذي أسقط ديبالا واليوفي بالضربة القاضية في نهاية المسابقة في الموسم الماضي.

23