تويبلوماسية ترامب تنهي عصر الدبلوماسية التقليدية

باريس ترد على تغريدات الرئيسي الأميركي بعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ومعركة تصفية الحسابات بين الدول تستخدم لغة دارجة يفهمها الجميع.
الثلاثاء 2018/12/11
تحسن أداء ترامب في تسيير الرسائل التويترية

تويبلوماسية الرئيس الأميركي دونالد ترامب أصبحت نهجا يتنافى مع التعاملات السياسية المعهودة تساهم في تسريع تفكك العالم الغربي، فقد أصبح زعماء البلدان يتصرفون كما لو كانوا نجوما مراهقين متخاصمين.

واشنطن – أظهرت تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة بشأن احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا تحسن أدائه في تسيير الرسائل التويترية.

وردا على تغريدات ترامب المثيرة للجدل، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الرئيس الأميركي إلى عدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية لفرنسا.

ويقول كريستوفر هل عميد كلية كوربل للدراسات الدولية في جامعة دنفر وهو أيضا مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق، إنه في ظل هذا العدد الهائل من المشكلات الدولية اليوم، فإن الدبلوماسية تحتاج حقا إلى الجمع بين فن إدارة الدولة القديم من القرن الماضي، والأدوات الجديدة التي وفرتها التكنولوجيات في القرن الحادي والعشرين.

وتقول كونستانس دونكومب المحاضرة في العلاقات الدولية بجامعة موناش التي كتبت مقالات حول دور وسائل الإعلام الاجتماعية في الدبلوماسية الحديثة، إنه لا يمكننا تجاهل ما يحدث عبر الإنترنت.

وتضيف “يجب أن نأخذ غضب تويتر على محمل الجد، إما كإشارة دبلوماسية وإما كاستجابة شخصية للشعور بأن صورة الدولة قد شوهت أو قُوضت”، مشيرة إلى أن “الدبلوماسية ليست دائما حفاظا على سلوك مهذب، الدبلوماسيون أصبحوا ينشرون إهانات أو دعوات خفية لتعزيز صورتهم الوطنية أو للرد على سلوك نظرائهم”.

وتؤكد كونستانس أنّ ما تغير هو درجة العلانية التي أصبحت عليها نوبات التنفيس الدبلوماسي على تويتر الذي أصبح يسمى “تويبلوماسي Twiplomacy”، إذ يتم تبادل تصفية الحسابات بين الدول باستخدام لغة دارجة يفهمها الجميع.

وانتشر مصطلح “تويبلوماسي” اعتبارا من عام 2016، إثر استخدام الرئيس ترامب على وجه الخصوص لموقع تويتر بشكل يتنافى مع التعاملات السياسية المعهودة، من خلال تغريداته الساذجة والقاسية، التي استخدمها على الدوام في انتقاد وتهديد الدول الأخرى.

ويساهم تويتر في تسريع تغيير النظام العالمي، من خلال كونه ساحة يتواجه فيها الحلفاء والأعداء بأساليب متشابهة عبر تغريدات “تويبلوماسية”.

وتعرضت الدبلوماسية عبر التاريخ للتغيير لسببين رئيسين، هما التطورات التكنولوجية والتغيرات في النظام الدولي، حيث بدأ تبادل الرسائل الرسمية والعلاقات بين الأنظمة المستقلة منذ ظهور التجمعات السياسية الأولى.

ويعود أصل كلمة الدبلوماسية إلى الحضارة اليونانية القديمة، إذ كانت عبارة عن شهادات، تمنح حاملها امتيازات وقت السفر، ومن ثم أصبحت في زمن الإمبراطورية الرومانية بمثابة جوازات سفر معدنية “دبلوما”، ومن ثم أصبحت تُطلق على الأوراق القيّمة التي يستخدمها السفراء أثناء أعمالهم، ولاحقا ومنذ أواخر القرن الثامن عشر، بدأ استخدام كلمة الدبلوماسية بمعناها الحالي.

ومع التقدم التكنولوجي في القرن الماضي، تغيرت هذه المعادلة، حيث أصبح قادة الدول يلتقون مباشرة مع بعضهم البعض بشكل أكبر، ما زاد من أهمية الدبلوماسية اعتبارا من ذلك الوقت.

تويبلوماسية ترامب من خلال الإمكانيات التي أتاحتها مواقع التواصل الاجتماعي، تجعل مئات الملايين من المستخدمين يجتمعون في منصة واحدة

فمثلا في الولايات المتحدة، تلعب البيروقراطية في البيت الأبيض ومؤسسات مثل وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، دورا أساسيا في تحديد تصريحات رئيس الولايات المتحدة بخصوص السياسة الخارجية وكلماته الموجهة للرأي العام.

لكن في ما يخص تصريحات الرئيس ترامب، أدت عوامل مثل التطورات التكنولوجية وتوترات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة والتحول الأيديولوجي تجاه السياسة الخارجية، إلى تعطيل الطرق الدبلوماسية المعهودة.

وحسب التعاملات التقليدية تخضع الرسائل الدبلوماسية لتغييرات في المحتوى والأسلوب ضمن إطار 3 نماذج للتواصل، أولها اللقاءات المغلقة للرؤساء والقادة، حيث تلعب سرية المباحثات في سهولة التوصل إلى نتائج إيجابية.

طريقة التواصل الثانية، هي التصريحات التي يدلي بها الرؤساء خلال زيارتهم الدول الأخرى بهدف التأثير على الرأي العام المحلي، وثالثا إطار يركز على التأكيد على النجاحات في السياسة الخارجية، والتغاضي عن ذكر حالات الفشل.

وتتمتع الإطارات الثلاثة بإمكانية تحديد الكتلة الرئيسية المخاطبة، وإمكانية تفسير طبيعة وهدف الرسالة الموجهة بالنسبة للكتل الأخرى، فعلى سبيل المثال، لو استخدم أحد الرؤساء خلال جولته الانتخابية تصريحات مبالغا فيها تجاه دولة ما بخصوص الخلافات في ما بينهما، فهذا معناه رسالة للناخبين مفادها بأنه سيتم اتباع سياسة أكثر قسوة تجاه ذلك البلد ما بعد الانتخابات.

إن تويبلوماسية ترامب من خلال الإمكانيات التي أتاحتها مواقع التواصل الاجتماعي، تجعل مئات الملايين من المستخدمين يجتمعون في منصة واحدة ضمن الإطارات الثلاثة آنفة الذكر، حيث يتم بموجبها تحديد نوعية الرسالة واستحقار وتهديد الدول والشعوب على تويتر، كما تؤدي خطابات التويبلوماسية إلى ارتفاع موجات الغضب والأحكام المسبقة.

إن امتداد التوترات من الولايات المتحدة إلى ما بعد منطقة المحيط الأطلسي، بموجب صراع العلاقات والمصالح، يزيد من وتيرة التويبلوماسية، حيث يعتبر صراع ترامب مع مجموعات ذات هويات مختلفة، مثل وسائل الإعلام الليبرالية والعالمية ورؤوس الأموال والبيروقراطيين، أحد أهم الأسباب التي جعلت تويتر منصة لخوض صراعاته بشكل يومي.

ودفعت تويبلوماسية الرئيس الأميركي بكل من البيروقراطية والإعلام إلى المقام الثاني في اتخاذ القرارات، إذ يعتبر هذا التصرف جزءا من استراتيجية ترامب في مواجهة معارضيه.

يذكر أن التويبلوماسية ليست بعيدة عن قراءة دولية عامة، حيث تمتلك روحا لا تعترض إنفاق المصادر في المجالات التي لا تهم المصالح المجردة للسياسة الخارجية الأميركية بشكل ملموس.

واستهدفت تويبلوماسية ترامب فرنسا مؤخرا بسبب دعوتها لإنشاء جيش أوروبي موحد، لكنها قوبلت من قِبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالدعوة إلى “أوروبا أكثر قوة وسيادة”.

فالأنظمة المهيمنة، رغم أنها تبدو في المقام الثاني، إلا أنها يمكن أن تعمل من خلال الاعتماد على نيل رضا الحلفاء، ولذلك فإنها بحاجة إلى جهد دبلوماسي حقيقي، ومنطق الربح ولو بنسبة أقل. ويمكن اعتبار التويبلوماسية بأنها تخل عن هذين الشرطين، كما أنها تفترش الحجارة على مسار التفكك في العالم الغربي.

يعاني العالم الغربي اليوم أزمة وجودية، ويمكن للقادة والمسؤولين والأطراف المؤثرة فيها الاتفاق على 4 عناصر بهدف مواصلة البقاء، وهي القيم المشتركة والمصالح والقواعد والمؤسسات.

19