تويتر: حلب غرنيكا العصر الحديث

في عام 1937 كانت شجاعة لوحة غرنيكا التي رسمها بيكاسو في قول الحقيقة في عصر الأكاذيب. واليوم أيضا تمثل اللوحة رمزا للصدق في زمن تزدهر فيه الدعاية بكافة أشكالها خاصة بعد تعديلات أدخلها رسام برتعالي عليها ونشرها على حساباته على الشبكات الاجتماعية.
الأربعاء 2016/11/16
الدعاية الإعلامية الروسية: الجميع يكذب ولا توجد حقيقة

لندن- أعاد رسام الكاريكاتير البرتغالي، فاسكو غارغالو، رسم لوحة بيكاسو “غرنيكا” المتعلقة بوحشية الحرب، لتصبح متعلّقة بمدينة حلب ونشرها على حسابيه على تويتر وفيسبوك. الرسام أدرج وجهي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس النظام السوري بشار الأسد، في كابوس “غرنيكا”، كما حول الحصان في لوحة بيكاسو ليصبح رمزا للولايات المتحدة الأميركية ورئيسها باراك أوباما.

واستوحى الرسام الفكرة من المعاناة التي تتعرض لها مدينة حلب السورية ومعاناة المدنيين فيها. ولا يزال لهيب غرنيكا يحرق الذاكرة الحديثة. ففي عام 1937، قصفت القوات الجوية الألمانية النازية هذه المدينة القديمة في تلال منطقة الباسك في أسبانيا نيابة عن الجانب الفاشي في الحرب الأهلية الأسبانية. وأوقع الهجوم أكثر من 1600 قتيل. واستحضر الوزير السابق أندرو ميتشل الشهر الماضي أشباح غرنيكا في مجلس العموم البريطاني بقوله “ما تفعله روسيا للأمم المتحدة هو بالضبط ما فعلته إيطاليا وألمانيا لعصبة الأمم، وما يُفعل في حلب هو بالضبط ما فعلته النازية لغرنيكا في الحرب الأهلية الأسبانية”.

وتقول صحيفة الغارديان البريطانية إن قوة غرنيكا تتمثل في جعلنا نرى جرائم وقتنا الحالي أكثر وضوحا هناك سبب ليتعرف الكل على غرنيكا كصورة لبربرية القصف. لقد شهدت الحرب العالمية الثانية هجمات جوية أكثر إجراما، لكن غرنيكا هي ما يستعاد عالميا كمثال على رثاء الغارات الجوية؛ لأن بيكاسو رسمها. وأشار ميتشل في حديثه عن قصف عاصمة الباسكيين كمقارنة لإيقاظنا.

وتعرض غرنيكا مأساة الحرب والمعاناة التي تسببها للأفراد، وقد صارت معلما أثريا، لتذكر دائما بمآسي الحروب، إضافة إلى اعتبارها رمزا مضادا للحرب وتجسيدا للسلام. وأصبحت اللوحة أكثر شهرة، وساهمت في لفت أنظار العالم للحرب الأهلية الأسبانية، والعديد من الحروب في العالم. في عام 1937 كانت شجاعة هذه اللوحة في قول الحقيقة في عصر الأكاذيب.

وما أشبه الحاضر بالأمس (1930) إذ ما يميزه أن الحقيقية سحقت بالأكاذيب والدعاية، ونحن في عصر ما بعد الحقيقة. سياسيون مثل الرئيس الروسي فلادمير بوتين والرئيس الأميركي المنتحب دونالد ترامب يقولون ما يحلو لهم. الإنترنت تشوش على كل الحقيقة، فآلات الدعاية الشمولية هاجمت فكرة الحقيقة. في الثلاثينات من القرن الماضي شن هتلر وستالين الحرب الدائمة على وقائع باستخدام الإذاعة والسينما والرقابة وغسيل المخ وتجمعات جماهيرية. وبيكاسو يعرف بالضبط ماذا كان يفعل عندما كان يرسم غرنيكا. كان يحاول إظهار الحقيقة بشكل عميق ومستدام بحيث يمكنها أن تضع عينيها في عيني الأكاذيب اليومية في عصر الطغاة.

الرسام فاسكو غارغالو استوحى الفكرة من المعاناة التي تتعرض لها مدينة حلب السورية ومعاناة المدنيين فيها

كانت لألمانيا النازية وروسيا الستالينية أجنحة كبيرة في معرض عام 1937 أين تم الكشف عن غرنيكا، ولكن بيكاسو فقط حمل شهادة الحق، رسم واقع البشرية في ذلك الوقت الدنيء، وتجاوزت اللوحة جميع الدعايات. وتؤكد الغارديان “نحن في حاجة إلى القتال من أجل الحقيقة بشجاعة كما فعل بيكاسو، إنها ليست فقط قنابل تقتل الناس في حلب ولكنها تمثل كذلك آلة بوتين للكذب”.

يذكر أنه وقع الإعلان عن التشابه بين حلب وغرنيكا وسريبرينكا الأحد 25 ديسمبر 2015 في نيويورك، بمناسبة الاجتماع العاجل لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أجل سوريا، على لسان السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة فرنسوا ديلاتر، وهذا التشبيه لم يأت صدفة، لأن حلب تتشارك نفس نقاط التشابه مع أخواتها من المدن التي لم يتحرك العالم خطوة واحدة لوقف نزيف آلامها.

وعلى الشبكات الاجتماعية يقول السوريون “عند كل مجزرة بشرية هائلة نسمع نفس تلك الصرخة ‘لم يحصل هذا سابقا’، بلى حصل لكننا ضحايا هذا العجز العالمي عن وقف هذا الاقتتال منذ 5 سنوات، ما جعل هذه المحنة الإنسانية تتجاوز حدود المعقول”. وأصبحت حلب، شمالي سوريا، ساحة قتال رئيسية في النزاع المسلح الذي تشهده سوريا منذ 5 أعوام.

من جانبها تلتزم روسيا ككل الدول في حالة الحروب، بدعاية إعلاميّة حربيّة تبدأ بتقديس المهمّة التي من أجلها شنّت حربها. فإقناع الشعب الروسي بأهمّية الحرب في سوريا، ليس بالأمر السهل. إذ قبل نقل الدعاية الإعلاميّة الروسيّة من أوكرانيا إلى الداخل السوري، 14 بالمئة فقط من الروس كانوا يؤيّدون العمليّات العسكريّة في سوريا. المحلّل في الشؤون الإعلاميّة فاسيلي غاتوف يقول “الجميع يكذب ولا توجد حقيقة”. لكنّ “هذه التقنية لم تكن مفيدة، ومن غير المحتمل أن تفيدها في المستقبل”.

إنّ ما يلفت النظر في الإعلام الموالي لموسكو، القدرة على تغطية الأحداث العسكريّة والغارات الجوّيّة بتقنيات عالية الجودة ومن خلال زوايا مختلفة. كما سمحت ثورة المعلومات للناس باختيار ما يرغبون فيه من الأخبار التي تناسب ميولهم وتوجهاتهم وتجعلهم ينغلقون في عالم نظرية المؤامرة الذي تنسجه ماكينة الكذب الروسية على الإنترنت. وتستند الحرب الإلكترونية بحسب رأي مدير معهد الدراسات الدفاعية في وزارة الدفاع البلغارية البروفيسور تودورتاغاريف على ثلاثة عناصر أساسية هي: الدعم الإلكتروني، الهجوم الإلكتروني، والحماية الإلكترونية.

مع بروز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتطور وسائل تقنيات الاتصالات، ظهرت مرحلة ثالثة للحرب الإلكترونية أشد شراسة وأكثر تعقيدا من سابقتها تستخدم شبكة الإنترنت في شن هجمات على الدولة المعادية تتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة، كما تقود إلى خسائر في البنى التحتية تؤدي في النهاية إلى استنزاف الموارد إلكترونيا بدلا من حروب الاستنزاف العسكرية التي اعتمدتها الجيوش قديما كتكتيك حربي. ويرى الخبراء أن هذا التطور النوعي ساعد على جعل مسارات الحرب الإلكترونية أكثر اتساعا بحيث ارتقت إلى درجة كبيرة من الجدية عالميا في مجال استخدام هذا السلاح للدفاع والهجوم في آن واحد.

19