تويتر وشركاؤه نقلوا الحرب إلى جيوب الناس

السبت 2014/08/16
لا وجه للمقارنة بين صور الحرب المنتشرة في الإنترنت والمشاورات الديبلوماسية العسيرة

لندن – لا يكاد يمر يوم واحد دون نشر تغريدات على تويتر حول انفجارات وصواريخ وتدخلات عسكرية في غزة والعراق وسوريا. فهل صحيح أن وتيرة الأزمات في العالم قد ارتفعت؟ أم أنه مجرد طوفان إلكتروني يساء استخدامه؟

لم تكن للحروب والنزاعات المسلحة أصداء متناقضة ونقاشات في وسائل الإعلام، سواء التقليدية منها أوالحديثة، مثلما هو الشأن هذه الأيام.

هذا الاهتمام المتزايد بما يجري في مناطق عديدة من العالم بدأ في الأصل قبيل اندلاع حرب غزة الأخيرة.

يربط سام بيرلو فريمان، المختص في النفقات العسكرية لدى معهد SIPR لشؤون السلام في استوكهولم، تزايد اهتمام الإعلام بهذا النوع من الأخبار بارتفاع نسق المواجهات العسكرية في العالم خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك بعد مرحلة طويلة دام فيها السلام والأمن امتدت تقريبا من نهاية الحرب الباردة إلى مطلع هذا القرن (باستثناء حرب البلقان)، ويرى أن “هناك معطيات لا شك في صحتها تفيد أن عدد الصراعات الداخلية المتزايدة في العالم قد حصدت معها العديد من الضحايا، وهذا يعود بالأساس إلى الحرب في سوريا”، وفق ما نقلت عنه دوتشيه فيلله الألمانية.


حروب على الهواء


وحتى نستطيع أن نفهم ما يجري من أحداث في المناطق المتناحرة، يكفي أن نلقي نظرة على شبكات التواصل الاجتماعي، ففيسبوك وتويتر يعتبران المصدر الأكبر للصور الصادمة التي تصلنا من سوريا وقطاع غزة.

الصحفي الأميركي الشهير دافيد كاير كتب قبل أسبوعين في صحيفة نيويورك تايمز حول علاقة وسائل التواصل الاجتماعي بالحروب معلقا “لقد جعلت علوم الجغرافيا السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي من العالم مكانا أصغر ولكنه يبدو أكثر دموية”.

من جانبه يرى سام بيرلو فريمان أن استعمال الشبكات الاجتماعية له جانب إيجابي، حتى في زمن الحروب، فقد تطورت لتصبح “فضاء رحبا لممارسة الديمقراطية” ومنبرا لنقاش المواجهات العسكرية.

في السابق كانت محطات التلفزيون الكبرى والصحف هي المسيطرة على ميدان الأخبار، أما اليوم فأصبحنا نتلقى معلومات لا تحصى من أشخاص موجودين في عين المكان. هذا ما يؤدي إلى خلق وجهات نظر عديدة من زوايا مختلفة. وبالتالي يمكن القول إن الوضع في غزة قد جعل إسرائيل في موقف صعب، فصور الضحايا أصبحت تنشر على تويتر مباشرة من غزة، وهذا يختلف طبعا عن الوضع إبان عملية “الرصاص المصبوب” قبل ستة أعوام.

صورة واحدة قد تلخص كل الأحداث


مصداقية على المحك


لكن في المقابل لا بد من التسليم أن الشبكات الاجتماعية قد صارت نعمة ونقمة في نفس الوقت، فما أن يتم نشر صور جديدة على الإنترنت حتى يتم توظيفها في غير محلها لأغراض سياسية بحتة. وهذا ما حصل بالفعل مؤخرا في حادثة ما يسمى بصور جنديات الجيش الإسرائيلي. إذ قامت بعض الجنديات خلال عملية تدريب عسكرية بوضع الميكياج الخادع للتظاهر بأنهن مصابات، وتم تداول صورهن وفق سياق واضح من التلفيق، إذ علق أحدهم بالقول “هذا ما تقوم به إسرائيل لتضليل الناس”.

جريدة زوددويتشه تسايتونغ واسعة الانتشار في ألمانيا علقت على موضوع مصداقية تويتر وفيسبوك بالقول “طالما أننا نضع صوب أعيننا صورة نمطية حول العدو، فإنه سيتم تصديق كل معلومة تنشر” وبالتالي فقد تحولت شبكات التواصل الاجتماعي بدورها إلى “ساحات قتال” بين أطراف مختلفة. هذا الأمر برز خاصة خلال أزمة أوكرانيا وأزمات الشرق الأوسط، إذ يسخر أطراف النزاع هناك جهودا كبيرة لتوظيف الأخبار على الشبكة العنكبوتية حتى تصب في مصلحتهم. وكما يقول المثل الإغريقي فإن “أول ضحية تسقط عادة في الحرب هي الحقيقة”.

ولعدم السقوط في نشر الإشاعات ينصح سام بيرلو فريمان بأنه “يجب على القراء في هذه المواقف أن يأخذوا حذرهم من هذه المعلومات وأن يبادروا بالبحث عن إمكانية أفضل تساعدهم على تقصي المعلومة الصحيحة من عدمها”.

إعادة تداول الصور على عجل وتبسيط المواضيع المعقدة جدا في آن واحد سيقودان في آخر المطاف إلى تأجيج الصراع حتى خارج مناطقه الأصلية.

هذا ما أثبتته فعلا الحرب الأخيرة في غزة. المواجهة لم تقتصر في آخر المطاف على طرفي النزاع هناك فقط، بل تجاوزتهما لتكون أكثر حدة بين مؤيديهم في الخارج، إذ شهدت كل من ألمانيا وفرنسا مظاهرات احتجاج ضد إسرائيل لم تخل من شعارات معادية للسامية.

ويمكن القول أيضا إن لوسائل التواصل الاجتماعي تأثيرا سلبيا إضافيا: إذ أن هذا الطوفان الكبير من الصور والتغريدات حول أوكرانيا والشرق الأوسط كفيل في واقع الأمر بأن يلهي وسائل الإعلام عن التفاعل مع ما يحدث في مالي ونيجيريا والكونغو والسودان من صراعات طاحنة، لعدم وجود من يغرد هناك. فهل ستكون الغلبة في النهاية لمن يغرد أكثر؟


الديبلوماسية تحت سهام النقد


ما يزيد الطين بلة هو هذا التفاوت العميق بين صور الحرب المنتشرة بسرعة في الإنترنت والمشاورات الديبلوماسية العسيرة بغية إيجاد حل سلمي للأزمة. فعجز المجتمع الدولي دفع الناس للتعبير عن سخطهم، فتمتلئ صفحات الإنترنت بالتعاليق ومثلها أيضا تمتلئ الشوراع بالمتظاهرين. وقد بدا عجز الأمم المتحدة عن التدخل واضحا خاصة إثر اندلاع الصراع في الشرق الأوسط مؤخرا، وقبله في الحرب في كل من سوريا وأوكرانيا.

ولكن الناشط الحقوقي والسياسي في حزب الخضر الألماني توم كونيغس يرى أن الأمم المتحدة تبذل كل ما في وسعها ودون أدنى تحفظ من أجل حماية المدنيين، “فهذا شيء مهم وضروري” حسب تعبيره.

ويوافقه سام بيرلو فريمان الرأي في هذه النقطة، فعندما نلقي نظرة على العالم، يتبين لنا أنه حتى في أشد النزاعات فظاعة كان هناك دوما مخرج سياسي.

ويقول “لم تربح كفة العمل الديبلوماسي دوما طيلة فترة حكم الرئيس الأميركي جورج بوش وحربه ضد الإرهاب، فالغلبة كانت في أغلب الأحيان لصالح التدخل العسكري.

هذه “الموضة” أي الخيار العسكري عادت مؤخرا لتنتصب في الواجهة”.

هناك العديد من الأمثلة حول نجاعة الحل السياسي، ففي كولومبيا تواصل الحكومة مفاوضات سلام مع حركة الفارك المسلحة كما هو الشأن في تركيا مع حزب العمال الكردستاني وحتى في الشرق الأوسط هناك مساعٍ ديبلوماسية جادة بين واشنطن وطهران للتوصل لإتفاق سلمي لأزمة النووي الإيراني. هذا الأمر لم يحدث مطلقا منذ الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979.

ويرى فريمان أن الديبلوماسية بمعناها الكلاسيكي، حتى في زمن الفيسبوك، أهم من أي وقت مضى وتعقيدات الحرب المتشعبة لا يمكن أن نختزلها إطلاقا في بعض الكلمات على تويتر.

الإعلام الاجتماعي طوفان إلكتروني ابتعد عن الحقيقة


أخلاقيات الإعلام الاجتماعي


كتب ديفيد كار، مسؤول الإعلام في صحيفة «نيويورك تايمز» «رأيت الجثث متناثرة في الحقول والمستشفيات في أوكرانيا، وفي قطاع غزة. لقد جعلت الجغرافيا السياسية، وانتشار وسائل الإعلام الاجتماعية، العالم مكانا أصغر. ومكانا يدعو للتقزز. في ستينات القرن الماضي، جلب التلفزيون حرب فيتنام إلى غرفة المعيشة في منازل الأميركيين، واليوم، يجلب الإعلام الاجتماعي صور حروب سوريا، وغزة، والعراق، وأوكرانيا إلى هواتفنا ونحن نحملها في جيوبنا، ليلا ونهارا”.

ويقدر على أن يؤكد هذا كل من يتجول في مواقع التواصل الاجتماعي. فالفيسبوك يميل نحو نداءات المساعدة الإنسانية، وتنشر الصور البشعة. وتويتر يميل نحو نشر تقارير إخبارية سريعة، وينشر الصور البشعة.

ولا يتحدث الأميركيون عن صور الحرب التي تسبب التقزز إلا ويتحدثون عن صور الحرب الأهلية (1838 – 1862). خاصة صور موقعة «انتيتام» (ولاية فرجينيا). لكن، في ذلك الوقت، كانت الصور باهتة، وكانت رسما أكثر منها تصويرا، وكانت تنقل بعربات الخيول من مكان إلى آخر. وبعضها وصل إلى الناس بعد أن انتهت الحرب.

ومع الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، ظهر المراسلون الذين ينقلون صور الحرب المروعة باللاسلكي. ومع الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945)، ظهر المراسلون الذين ينقلون صور الحرب المروعة بكاميرات سينمائية. ومع حرب فيتنام (1963 – 1973)، وصلت الصور المروعة إلى منازل الأميركيين على شاشات التلفزيون. لكن، كان نقل الصور يستغرق أياما.

ومع حرب تحرير الكويت (1991)، صار تلفزيون «سي إن إن» ينقل صور الحرب المروعة حية على الهواء. (خاصة صور جثث جنود عراقيين مدفونين في الرمال).

أيمن محيي الدين: دفع ثمن نشره صورة على تويتر تبين استهداف إسرائيل للأطفال

أما في الوقت الحاضر، في عصر الإعلام الاجتماعي، كما كتب كار: «لا يوجد وقت لانتظار وصول صور من مراسلين يغطون الحروب. ولا يوجد وقت لتمر الصور على رئيس التحرير، أو مسؤول الأخبار، قبل نشرها أو إذاعتها. صارت الصور تظهر في هواتف هؤلاء عن طريق فيسبوك أو تويتر أو غيرهما».

ثم حدث تطور آخر، صار المراسلون ينشرون الصور في هذه المواقع. لكن ليس الجميع.

وانتقدت آن برنارد، مراسلة صحيفة «نيويورك تايمز» في إسرائيل، بأنها لا تكتب في المواقع الاجتماعية، لكنها ردت «يجب علينا أن نتذكر العمل الأساسي الذي كلفنا به، وهو نقل ما يحدث على أرض الواقع. مهمتنا ليست الكتابة في تويتر خلال وقت عملنا”.

في كل الأحوال، صار تويتر وفيسبوك أسرع الوسائل لنقل أخبار وصور الحروب، خاصة الصور البشعة، ومنها معارك غزة.

وعن هذا، قالت باربي زيلزار، أستاذة الاتصالات في جامعة بنسلفانيا، إنه، في كثير من الأحيان، تظهر صورة بشعة واحدة تلخص كل الحرب أو كل الحدث.

وكمثال على ذلك سحبت شبكة “إن بي سي” الإخبارية الأميركية مراسلها في غزة أيمن محيي الدّين قبل أن تعيده بعد يومين على خلفية حملة إلكترونية ضدها باسم #letAymanreport

سحب الصحفي كان بعد تغطيته المباشرة لاستهداف القصف الإسرائيلي لأربعة أطفال فلسطينيين قُتلوا على شاطئ غزة.

18