تيارات الإسلام السياسي أوجدت التناقض بين الحداثة الوطنية والإسلام

الخميس 2013/10/31
فشل التيارات الإسلامية في خلق العدالة الاجتماعية التي وعدوا بها أثار الشعوب ضدهم

ضمن فعاليات منتدى الاتحاد الثامن، الذي احتضنته العاصمة الإماراتية، أبوظبي يومي 27 و28 اكتوبر الجاري، ألقى محمد المر، رئيس المجلس الوطني الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة، مداخلة حملت عنوان «مفهوم الوطنية ودلائل الانتماء إلى الوطن»، تحدّث في جزء كبير منها عن مفهوم الوطنية في الإسلام وتزور هذا المفهوم من قبل بعض التيارات الإسلامية.

«مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي»، كان عنوان منتدى الاتحاد الثامن، وفي إطاره تحدّث محمّد المر عن مفهوم الوطنية باعتباره يتنزل في صلب القضية التي طرحها المنتدى، والتي تتزامن مع أخطر التحديات والتغيرات التي تشهدها غالبية الدول الوطنية في العالم العربي في وقت شاع فيه الحديث في الآونة الأخيرة عن نهاية الدولة الوطنية نتيجة سيرورة العولمة، وتغير وظائف الدولة التقليدية التي لم تعد دولة حارسة ومتداخلة بل دولة رعاية بعدما تغيرت طموحات الأفراد بفضل النمو المتراكم لثورات الاتصالات والمعرفة، والمعلومات، والإعلام، والتكنولوجيا مما جعل التقنية الذكية تحل تدريجيا محل العامل البشري في الإنتاج والخدمات. فمثل هذه التطورات التي تتدارسها بعمق حاليا مؤسسات ومراكز الأبحاث الغربية تجعل السؤال عن مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي ملحا، وضروريا خاصة أن عمر الدولة الحديثة في الوطن العربي، لا يزيد على ثلاثة أرباع قرن في الدول الأكثر رسوخا. فالدول العربية انتقلت من التقليد السياسي المملوكي العثماني إلى كنف الدول الاستعمارية ثم بدأت تتجه إلى تكوين مفهوم الدولة الحديثة منذ خمسينات وستينات القرن الماضي ومن ثم لم تكتمل فيها خصائص النضوج السياسي الديمقراطي كما هو الحال في الدول الغربية.


مستقبل الدولة الوطنية


مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي، وما يرتبط بذلك من تحديد مفهوم الوطنية لدى المواطن العربي يتعلق بثلاثة عناصر أساسية:

أولها: موقع كل دولة عربية على حدة من النظام العالمي بمتغيراته وتطوراته، ثم موقع الدول العربية في مجموعها من هذا النظام العالمي. لأن النظام العالمي هو الحاضن للقيم والمبادئ والمعايير الدولية التي يجب أن تسود العالم. فهل هذه القيم والمبادئ ستتصادم وتتعارض أم ستتكامل وتستوعب داخل منظومة القيم والمبادئ لكل دولة عربية على حدة، ثم في منظومة قيم العرب جميعا. لأن الإجابة عن ذلك ستتحدد ما إذا كان مفهوم الوطنية في داخل الدولة العربية الوطنية سينسجم ويتوافق أم يتباعد ويتكامل مع المفهوم الدولي المشترك للوطنية.

ثانيها: موقف كل دولة عربية من الدول العربية الأخرى. فإذا كان مفهوم الوطنية هو الوعاء الرئيسي للدولة الوطنية العربية فإن هذا الوعاء يستلهم الكثير من أفكاره، ومعتقداته من المحيط العربي. فهل سيتكامل مفهوم الوطنية في الدولة مع ذات المفهوم في الدول الأخرى دون أن يعني ذلك الانتقاص من خصوصية كل وطنية أم أن هناك تعارض وتنافر.

ثالثها: هل يمكن الحديث عن مفهوم واحد للوطنية في داخل الدولة الوطنية العربية أم هناك مفاهيم متعددة للوطنية في داخل هذه الدولة بناء على تمايزات دينية، أو إثنية، أو قومية، أو عرقية، أو قبلية. لأن هذه التمايزات تعوق بناء الدولة المدنية التي إن غابت فسيغيب معها الحديث عن مفهوم الوطنية وفق أصوله العلمية، لأن الدولة المدنية هي التي يتم فيها احترام حقوق المواطنين الأساسية بغض النظر عن العرق، أو الدين، أو الجنس، أو القبيلة، أو اللغة ويصبح الدين هو أحد روافدها لكفالة هذه الحقوق وليس مهيمنا عليها. لأن هذه الهيمنة قد تؤدي إلى ولاءات مزدوجة تهدد مفهوم الوطنية.


أزمة مفهوم "الوطنية"


الوطنية بعناصرها الثلاثة تترسخ وجدانيا وعمليا لدى المواطن إذا قامت الدولة بواجباتها في الدفاع عن أمن المواطن ورعايته لمقومات العيش في إطار من المساواة والمشاركة، ووجود مجتمع مدني فاعل. إلا أن إخفاق تجارب التنمية الاقتصادية والبشرية في الكثير من البلدان العربية خلق شعورا لدى الكثير من المواطنين العرب بإنكار الوطنية المؤسساتية، ومن ثم نشأ ما يطلق عليه «دولة الثقب الأسود»، التي لا تتمتع بثقة الداخل مما جعل العديد من مجتمعات الدول العربية تتعايش في إطار من الثقة المفقودة بين الجماهير ومؤسسات الدولة، وأدى ذلك عمليا إلى انكماش الكثير من المواطنين العرب على أنفسهم، وأصبحوا يبحثون لهم عن ملاذ آخر لمفهوم الوطنية المتعارف عليه مما نشأ عنه مفهوم «التقوقع التعصبي» بديلا عن مفهوم الوطنية، فأصبحنا نرى ولاء الأفراد يتجه إما إلى جماعات دينية، أو مذهبية أو فكرية أو إثنية بديلا عن الوعي الشعوري للمواطن. وقد عمّق صعود الإسلام السياسي الانقسامات الجزئية داخل الكثير من البلدان العربية حول مفهوم الوطنية حيث لم يعد الحديث عن مفهوم الدولة الوطنية بقدر مفهوم الأمة الإسلامية. وهناك تباين كبير بين مشروع بناء الدولة الوطنية التي تترسخ فيها مفاهيم الوطنية والمواطنة وبين مشروع مفهوم الأمة. فبناء الدولة ومفهوم الوطنية يتركزان حول تحقيق الاندماج بين مكونات الدولة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا والتوحد والتوافق حول هذه المكونات.

«صعود الإسلام السياسي عمق الانقسامات الجزئية داخل الكثير من البلدان العربية حول مفهوم الوطنية».

أما بناء الأمة الإسلامية فهو يتجاوز حدود الدولة القطرية إلى الدول الأخرى التي تدين بالإسلام، فهذه التيارات ترى أن الدولة متناقضة لمفهوم الخلافة، أو الشريعة. في حين أن مصطلح الخلافة ليس واجبا دينيا، بل هو تعبير بشري أطلقه المسلمون بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. كما أن الإسلام لم يرفض مفهوم الوطنية بل رفض الوطنية الحزبية التي يراد بها تقسيم الوطن إلى طوائف متناحرة تتباغض وتتطاحن وتترامى بالتهم، وتكيد لبعضها البعض. فالوطن في الإسلام يشمل القطر الخاص أولا. ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى ومن ثم وفق الإسلام بين شعور الوطنية الخاصة، وشعور الوطنية العامة، فالإسلام قد فرض على كل مسلم أن يعمل كل الخير لبلده وأن يتفانى في خدمته، ويتواد ويتراحم مع أبناء وطنه ثم يقدم أكثر ما يستطيع من خير للأمة الإسلامية والدول الأخرى. وأرى أنه ليس هناك تعارض أو تناقض بين الدولة الوطنية العربية، وبين الإسلام، بل الإسلام هو أحد مكوناتها الأساسية، وهو الحاضن لكل تجارب الحداثة الوطنية.

إلا أن التيارات التي تقود حركة الإسلام السياسي في العالم العربي هي التي أوجدت التناقض بين الحداثة الوطنية والإسلام. ومفهوم الدولة المدنية في الإسلام هو الاجتماع أي أن يجتمع الأفراد مع بعضهم البعض ليقرروا ما هو صالح وأنسب لهم.

هناك أزمة في الحراك الاجتماعي الهائل الذي تشهده المواطنة. فمن الواضح أن الثورات المعرفية التي شهدها العالم في العقد الأخير من ثورات اتصالات وإعلام وعلم ومعرفة أو ما يطلق عليه « العولمة الكوكبية « أدت إلى حراك اجتماعي عميق خاصة بين فئة الشباب العربي إلا أن ذلك قابله الحفاظ على تقليدية الأنظمة والمؤسسات في الكثير من البلدان العربية مما جعلها تواجه صعوبة في صناعة وتطبيق السياسات العامة. فأصبحت الإشكالية في كيفية بناء علاقة التوافق والتوحد بين مختلف طوائف المجتمع. ومن ثم عانى مفهوم الوطنية من علاقة مأزومة بين الحكام والمحكومين لغياب المؤسسات العصرية. بالإضافة إلى أن الشباب العربي بنى له «عالما افتراضيا» من خلال الإنترنت.

وهذا العالم الافتراضي أصبح هو المؤطر للاتصال التنظيمي والعلاقات، في حين ظلت آليات الدولة تعمل بالأسلوب الكلاسيكي التقليدي، فحدث ما لم يكن متوقعا في العديد من بلداننا العربية، مما زعزع مفهوم الوطنية القادرة على تطويع واستيعاب الحراك الاجتماعي في مجتمعاتنا العربية.

لعل واحدة من إشكاليات مفهوم الوطنية في العالم العربي ما يتعلق بأزمة العدالة الاجتماعية، التي تؤثر تأثيرا جوهريا في مفهوم الوطنية المؤسساتية، كما أنها تؤثر بدرجة أو بأخرى على مفهوم الوطنية البيئية من حيث عدم احترام المواطنين للقوانين، والالتزامات الواجبة. فانتشار الفقر والتفاوت المعيشي الصارخ داخل العديد من الدول الوطنية العربية أدى إلى انتشار «التقوقع التعصبي».

وأرى أن فشل تجارب التنمية الاقتصادية في العديد من البلدان العربية أثر في قدرتها على ترسيخ مفهوم الوطنية لدى غالبية أبنائها من المواطنين. وحسب بيانات البنك الدولي فإن زيادة قدرها 1 بالمئة في متوسط دخل الدولة ينتج عنه انخفاض قدره 204 بالمئة في مستوى الفقر، إلا أن توزيع زيادات الدخل القومي في بعض البلدان العربية لم يكن موجها إلى العدالة الاجتماعية مما أدى إلى زيادة نسب انتشار الفقر. وارتفاع مستويات الفساد الإداري والمالي. ولهذا عجزت سياسات النمو الاقتصادي في توفير أساسيات الحياة من صحة وتعليم وسكن، أو تنمية العنصر البشري. كل ذلك كانت نتائجه إشكالية حقيقية في الربط بين مفهومي المواطنة والوطنية. فالعلاقة الصحية بين المفهومين تكتمل عندما تكون الدولة قادرة على القيام بوظيفتها الأساسية في «الرعاية الاجتماعية» لمواطنيها.


تقليد الغرب


الكثير من المجتمعات العربية يعاني عدم الثقة في الثقافة الوطنية، أو الثقافة العربية بصفة عامة، والولع بالثقافات الأجنبية وتقليدها هو أحد معاول الهدم لمفهوم الوطنية. فالثقافة هي العادات والتقاليد، والأعراف والمعتقدات والأفكار والفنون وغيرها، بصرف النظر عن مستوى تميزها على المستوى العالمي.

إلا أن الكثير منا يتخلى عن طابع هذه الثقافة لصالح الثقافات الأجنبية مما نتج عنه ظاهرة الاغتراب الثقافي التي تناقض مفهوم الوطنية.

وقد ساعد على انتشار هذه الظاهرة تزايد اتساع الفجوة الحضارية بين الوطن العربي والبلدان المتقدمة. بل إن إسرائيل التي يشكل سكانها أقل من 2 بالمئة من سكان العالم العربي تتفوق بنحو عشر مرات في التكنولوجيا وثلاثين مرة في الإنفاق على الأبحاث والتطوير العلمي، وأكثر من سبعين مرة في النشر العلمي، وقرابة المائة مرة في براءات الاختراع.

كذلك فإن إحدى إشكاليات مفهوم الوطنية في العالم العربي هي الخلط بين مفهومي الوطنية المنفعلة والوطنية الفاعلة. فالوطنية لا تستدعى فقط في المناسبات العامة، أو الأغاني والمأثورات الوطنية، أو اختزالها في مجموعة من المبادئ والمعايير والقيم، ولكنها في جوهرها مدى قدرة المواطن على ترجمة تلك المشاعر الوطنية إلى واقع مادي ملموس. فهل إنشاء أكثر من 200 جامعة في العالم العربي، وتخريج الملايين سنويا من الجامعات ساهما في إنشاء وطنية عربية فاعلة وقادرة على أن تطور أوطانها. فالكثير من البلدان العربية تعيش على مفهوم الوطنية المنفعلة التي تتغنى بأمجاد الماضي دون أن يكون للحاضر نصيب فاعل في الوطنية.

ففي الوقت الذي نؤمن فيه بقيمنا ومبادئنا وتراثنا إلا أننا في حاضرنا ما زلنا نعتمد على الآخر اعتمادا يكاد يكون كليا، في الغذاء، والكساء، والدواء، وخدمات الاتصالات، والحاسوب، والسيارات، والطائرات، وفي صناعة الأزياء وغيرها من مستهلكات الحضارة الحديثة. لذلك فإن أية وطنية منفعلة (قيم ومبادئ ومعايير) إذا لم تصاحبها وطنية فاعلة (عمل مادي ملموس) فإن مآلها إلى الزوال والاندثار…

هناك مسؤولية أساسية على المؤسسات التعليمية الإعلامية، والدينية، في بناء مفهوم الوطنية بمحدداتها ومقوماتها وثوابتها المتمثلة في التمسك بالقيم والأخلاق والعادات المستمدة من التاريخ الوطني.


* رئيس المجلس الوطني الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة

7