تيارات تيار المستقبل وأزمة الحكومة الإرهابية

الأحد 2016/03/06
قوة 14 آذار في شارعها

مثّل تيار المستقبل حالة نمت وترعرعت في انطلاقتها الأولى في أجواء نهاية الحرب، وقيام ورشة إعادة الإعمار التي ترافقت مع صعود نجم الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

بعد اغتيال الرئيس الحريري، عرف تيار المستقبل انطلاقة ثانية، تمثلت في تشكيله عصب قوى الرابع عشر من آذار التي نجحت، وللمرة الأولى في تاريخ لبنان في تحقيق تغيير سياسي ضخم، من قبيل طرد الوصاية السورية الأمنية والعسكرية من لبنان تحت وطأة زخم شعبي عارم غير مسبوق. بعد ذلك شهد التيار حالة من التراجع والانكفاء إثر تراكم سلسلة من الظروف والأخطاء على المستوى الداخلي، وعلى مستوى العلاقة مع دول الخليج التي وصلت إلى تأزم غير مسبوق، ينذر بقطع الصلات المالية السياسية والتحالفية.

الأسباب التي أدت إلى وصول التيار السياسي الأبرز في لبنان إلى هذه الحالة كثيرة ومتعدّدة، لعل أبرزها يتعلق بفقدان الصلة مع الزخم الشعبي، وعدم تطوير إرث رفيق الحريري، والإصرار على التعايش المستحيل مع حزب الله، والحرص على تجنّب المواجهة معه بأيّ ثمن، والصراع المكشوف على رئاسة الحكومة بين عدة شخصيات مستقبلية، أو تنطوي تحت جناح تيار المستقبل.

يضاف إلى ذلك قصور الرؤية، وسوء معالجة الأزمات مع دول الخليج عامة والسعودية خاصة، بسبب سيطرة نزوع عام عند التيار الأزرق يصر على الفصل بين الداخل والخارج، ويقرأ الواقع السعودي والخليجي الذاهب إلى مواجهة مفتوحة وجدية مع إيران وحزب الله على غير ما هو عليه، ويفترض أن لبنان سيبقى بمنأى عن تداعيات هذا الصراع داخليا، وأن المواجهة مع حزب الله تقتصر على الساحات الساخنة حربيا في حين يبقى التبريد سمة الموقف في الداخل اللبناني.

رؤساء حكومات تيار المستقبل

تتصارع في تيار المستقبل حاليا ثلاث حالات هي الحالة المشنوقية، والحالة الريفية، والحالة التي يمثّلها سعد الحريري. وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي يطرب لوصفه بأنه من أبرز صقور المستقبل، يسعى للاستفادة من ظروف محلية وإقليمية لركوب موجة الترشح لرئاسة الحكومة كبديل مقبول من سعد الحريري.

يلعب من أجل تحقيق هذا الحلم لعبة مسايرة حزب الله، ورفع لواء التعبير الشرس عن الصّوت السني في آن واحد، وذلك من أجل محاوله تحقيق حد ما من الإجماع الداخلي والخارجي عليه. هذه التسوية المستحيلة أنتجت شخصية لا تحظى بقبول سنّي كبير في الداخل، ومضطرة تحت وطأة الضرورة لمسايرة حزب الله في المواقف التي تطلق في المحافل العربية. النتيجة النهائية لمثل هذه التركيبة كانت شخصية أطلق عليها الرأي العام السني تسمية نهاد صفا، نسبة إلى مسؤول الارتباط في حزب الله وفيق صفا الذي بلغت مسايرة المشنوق له حد مشاركته في الاجتماعات الأمنية في وزارة الداخلية.

صاحب التيار الثاني هو أشرف ريفي وزير العدل المستقيل احتجاجا على ممارسات حزب الله، وهو يصف نفسه بأنه حالة مستقلة عن تيار المستقبل، ولكنها متحالفة معه.

تياره يقوم على فكرة ضرورة تشكيل زعامة سنّية تواجه حزب الله، وتستجيب لمعطيات ومفاعيل الحزم العربي، وتحاول توظيفه واستثماره في بناء ردة فعل على سلوكيات حزب الله، تقطع مع كل أساليب المهادنة والمسالمة السابقة والتي أسّست، كما يرى ريفي، لحالة من الخضوع لأوامر الحزب، وتحويل الحكومة إلى مطيّة له. كذلك فإن هذا التيار يقول إنّ حزب الله ليس على هذا القدر من المنعة والقوة، وإنّ منعته ناتجة عن ضعف ردود الأفعال عليه، وليس انطلاقا من حجم قوّته الذاتية وحسب، ويرى أن لبنان عامّة والسنّة خاصة ما لم يتخذوا مواقف سريعة وحاسمة من حزب الله، فإنهم سيفقدون حاضنتهم العربية والإسلامية، وسيدرجون في الخانة نفسها التي يدرج فيها حزب الله. هكذا يمكن توصيف طموح ريفي بأنه يميل لكي يكون أكثر من رئيس حكومة بل يريد أن يكون زعامة سنية، بل الزعامة السنية، وساعتها ربما يصبح الكرسي السنّي الأول في لبنان حقا شرعيا له دون منازع.

ثلاث حالات تتصارع في تيار المستقبل هي الحالة الريفية والحالة المشنوقية والحالة التي يمثلها سعد الحريري

يصر رئيس التيار الثالث سعد الحريري على اعتبار أن تياره لا يزال هو التيار الأصلي والأساسي. يتجاهل كل التيارات الأخرى التي باتت حركتها غير خافية عن أعين المراقبين، ويتعامل مع مطلقيها بوصفهم مجموعة من الموظفين الذين لا يستطيعون الخروج عن أوامره وتوجّهاته.

هذا التعامل برز بشكل واضح في كيفية تعامل سعد الحريري مع أشرف ريفي، حين خرج محتجا من جلسة حكومية على عدم إدراج بند إحالة ملف المجرم ميشال سماحة إلى المجلس العدلي دون التنسيق معه. ردة فعل الحريري التي شغلت وسائل التواصل الاجتماعي كانت عبر تغريدة غاضبة على موقع تويتر، اعتبر فيها أن أشرف ريفي لا يمثله.

هذه التغريدة فتحت مشكلة مستقبلية – مستقبلية إذا صح التعبير، فقد توالت بعدها ردود الأفعال من قلب جمهور تيار المستقبل الذي لم يرق له هذا الموقف، فرد على تغريدة الحريري بتغريدات مستنكرة تقول عكس ما قاله، وتعلن أن أشرف ريفي يمثلها. وكان سبق للأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري أن أطلق مواقف غاضبة تستهدف ريفي، يعلن فيها أن لا صوت يعلو فوق صوت الرئيس سعد الحريري في تيار المستقبل.

ربما يكون ما قاله أحمد الحريري صالحا في ما يخص التيار المستقبلي الذي يمثله سعد الحريري، ولكن قد تكون إشاحة النظر عن التيارات المستقبلية التي تنمو على ضفاف التيار الأصلي نوعا من الإنكار الذي لا يفيد، بل يعقّد عملية إعادة اللحمة إلى تيار المستقبل وتوحيده.

تجميد إرث الرئيس الشهيد

لا تقتصر الأزمة التي يعاني منها التيار الأزرق في واقع تكاثر التيارات المستقبلية وحسب، بل في علاقة التيار بإرث الرئيس الشهيد رفيق الحريري حيث يتم التعامل معه بوصفه رصيدا لا ينفد مهما تم الصرف ببذخ منه، وهذا لسوء الحظ غير صحيح.

الرئيس سعد الحريري اعتاد في كل مفاصل حراكه السياسي على بث خطاب يقول بأنه يسير على درب الرئيس الشهيد، ولكن الهالة الرمزية التي كان يمثّلها رفيق الحريري لم تنتقل بالوراثة إلى سعد الحريري الذي بات مطالبا في كل لحظة بتحقيق إنجازات تماثل وتضاهي ما كان قد أنجزه الرئيس الشهيد، وهو ما لا يبدو أنه قادر على تحقيقه. كذلك لا تبدو المرحلة والظروف التي تحيا فيها المنطقة صالحة لتشكيل مناخ يسهل مهمة سعد الحريري، بعد أن باتت الشعارات التي نسخها عن والده محتاجة إلى توظيف ذكيّ وفعّال يدرجها في سياق يتناسب مع التغيرات الكبرى التي تلت مرحلة الاغتيال، وهي تغيّرات لا شك في أنّ إثرها طاول المعاني التي تمثل تركة الشهيد، بحيث باتت تحتاج إلى إعادة تفسير، لأن ممارستها الحرفية لم تعد ممكنة.

إصرار سعد الحريري على قيادة تيار المستقبل في اتجاه الوفاء الأرثوذوكسي لتعاليم الرئيس الشهيد، صبّ في نهاية الأمر في مصلحة حزب الله، الذي عبّر في أكثر من محطة عن ارتياحه، لاعتدال تيار المستقبل، وحرصه على صيانة السلم الأهلي، وسدّ الفراغ في سدة الرئاسة.

معنى الاعتدال تمثّلَ واقعيا في السماح لحزب الله باختراق الساحة السنية، وتأسيس تيار مسلح يدين له بالولاء في قلب البيئة السنية، هو تيار “سرايا المقاومة” الذي يشمله القرار الخليجي القاضي بتصنيف حزب الله ومن يدور في فلكه بالإرهاب. كذلك تمثّلَ معنى الحرص على صيانة السلم الأهلي، بالقبول بأيّ سلوك من حزب الله على كافة المستويات الأمنية، والسياسية، والاقتصادية، ما دام يضمن عدم الانزلاق إلى مواجهة تتسبّب بحرب أهلية، فكانت النتيجة أن أحكم حزب الله سيطرته على كل مرافق البلاد وعلى خطابها السياسي الاقتصادي.

بات البلد مع هذا المنطق يعيش عمليا ما هو أسوأ بكثير من حالة الحرب الأهلية، التي لم تصل في أكثر فصولها سوادا إلى القدرة على خلق مشهد تغرق فيه العاصمة بيروت بالنفايات، وتتسابق وسائل الإعلام على عرض قائمة السرطانات والأوبئة التي يبشرنا بها السلم الأهلي المنيع والذي لم يخدش.

لبنان يعيش عمليا ما هو أسوأ بكثير من حالة الحرب الأهلية، التي لم تصل في أكثر فصولها سوادا إلى القدرة على خلق مشهد تغرق فيه العاصمة بيروت بالنفايات، وتتسابق وسائل الإعلام على عرض قائمة السرطانات والأوبئة التي يبشرنا بها السلم الأهلي المنيع

قطع الصلة مع الزخم الجماهيري

يعاني فريق 14 آذار عامة، وفريق المستقبل خاصة، من مشكلة كبيرة تتعلق بالصلة المقطوعة مع زخم اللحظة التي انطلق منها هذا التيار كتحالف واسع، برز مع صعود زخم شعبي عارم، وغير مسبوق إثر اغتيال رفيق الحريري. هذا الزخم التّأسيسي كان قد أثبت جدواه، وفعاليّته، وقدرته على إعادة إنتاج المواقف الإقليمية، والدولية، وصبّها في اتجاه دفع الوصاية السورية الأمنية والسياسية للخروج مرغمة في لبنان.

الأزمة التي يعاني منها هذا الفريق ككلّ، وتيار المستقبل بشكل خاص لكونه يمثل عصب هذا التحالف وروحه، تكمن في فقدان الصلة بالزّخم الشعبي المستاء من توالي التنازلات تحت عنوان تجنّب المواجهة. هكذا تحوّلت الحالة المستقبلية من حالة نمت وترعرعت في أحضان الحماس الجماهيري إلى حالة مكتبية بيروقراطية، يديرها ويتحكّم فيها مجموعة من الموظفين الإداريين الذين لا يعرفون، ولا يجيدون التعامل مع سلسلة الوقائع المتسارعة.

لعلّ أبرز ما يدلّ على فقدان الصلة مع الزخم الشعبي، هو فكرة ترشيح الحريري لواحد من أقطاب فريق الثامن من آذار لرئاسة الجمهورية، تحت عنوان الضرورات التي تبيح المحظورات. اختيار سعد الحريري دعم سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، فجّر الكثير من الجسور بينه وبين الجمهور المستقبلي، وخصوصا لأنّ هذا الجمهور يعتبر فرنجية مشاركا في التغطية على قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كونه كان وزيرا للداخلية حين وقع الاغتيال، وقد أصدر حينها قرارا يقضي بإزالة الحطام من مكان الانفجار، بهدف تضييع الأدلة.

يقول سعد الحريري في تبرير هذا الاختيار لجمهوره إن رفيق الحريري لو خيّر بين الفراغ، واختيار أيّ شخصية لملء هذا الفراغ لكان فعل ذلك، وقبل بترشيح شخص من تيّار خصم، لأن الأولوية هي لمنع الشغور نظرا لما يتسبّب به من تفكيك للمؤسسات. هذا المنطق لا يبدو مقنعا للجمهور الذي يرى أن حليف المستقبل المسيحي الرئيسي سمير جعجع رشح ميشال عون فباتت الرئاسة حكرا على شخصية من 8 آذار، في حين أن حزب الله يجد نفسه مرتاحا كما تعبّر أدبياته إلى جرّ الخصوم إلى خياراته.

لا يجد الحزب نفسه متلهّفا لقطف انتصاراته، والمبادرة إلى انتخاب أيّ من هاتين الشخصيتين، ليس لأنّ الفراغ هو هدفه وحسب، ولكن لأنه يعتبر أن ترشيح الحريري لفرنجية، غير المقبول في الوسط الجماهيري المستقبلي، إنّما يأكل من رصيد التيار الشعبي، بينما يبيع الحزب لجمهوره هذين الترشيحين بوصفهما ثمنا لتضحياته في سوريا، التي أتاحت له السيطرة على الموقع الأول في البلاد.

تم الترويج لهذا الترشيح بوصفه مدخلا لتسوية شاملة تعيد الحريري إلى رئاسة الحكومة، وعبر فكرة مفادها أن حزب الله يخسر بمجرد انتظام الأمور، ولكن الحزب أظهر قدرة على استيعاب وتوظيف ترشيح الحريري لفرنجية لصالحه، في حين أن الحريري لا زال يدفع تبعات هذا الترشيح من تكريس فقدان الصلة بالزخم الشعبي.

سوء إدارة أزمة العلاقات

بعد موقف وزير الخارجية جبران باسيل الرافض لتجريم التهجّم على السفارة السعودية، يأتي موقف الوزير نهاد المشنوق برفض تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية، بعد أن صنّفته دول الخليج كذلك. اللافت أن تيار المستقبل يتحمّل المسؤولية عن هذين الموقفين والتبعات السياسية والاقتصادية الناتجة عنهما. مرّة لأن الحكومة التي يرأسها تمّام سلام محسوبة عليه، وتاليا فإن مواقف أيّ وزير خصوصا في الشأن الخارجي تحسب على الحكومة ككلّ، وبشكل خاص على التيّار الذي ينتمي إليه الرئيس، ويتحمّل كذلك المسؤولية المباشرة عن مواقف المشنوق لأنه ينتمي إلى تيار المستقبل، لا بل يعدّ نفسه واحدا من الصقور فيه. هكذا تكون كل المواقف الرسمية المناهضة للتوجّهات السعودية والخليجية قد صدرت عمليا عن تيار المستقبل، الذي يعلن مرارا وتكرارا ليس عجزه عن المواجهة، ولكن عدم الرغبة فيها.

يستمر في الحوار مع حزب الله، ويصرّ على إبقاء الحكومة التي باتت في التصنيف الرسمي السعودي والعربي حكومة إرهابية، بحكم اشتمالها على تنظيم إرهابي. هكذا بات تيار المستقبل أسير تصور يرى فيه شريكا للإرهاب في لحظة لم يعد فيها الصراع مع إيران وحزب الله، يتخذ شكل خلاف سياسي وخطابي، بل بات معركة مفتوحة بكلّ الأساليب وفي كل الميادين. الامتناع عن اتخاذ مواقف عملية ومباشرة صار يصنف في خانة الانحياز للعدو، وهو معطى يرفض المستقبل الاعتراف به.

ما كشفته المعلومات ووجهات النظر التي تنشر في أكثر من مكان، يقول إن السعودية لا تطلب من تيار المستقبل المستحيل، بل تفترض أنه يمكن على الأقل تصميم حالة شعبية فاعلة عبر مظاهرات شعبية حاشدة، يمكن من خلالها إقناع الرأي العام السعودي والخليجي الغاضب بأنّ لبنان لا يدور كله في فلك حزب الله.

المخاوف الأمنية، وضعف الصّلة مع الزخم الشعبي، جعلت التيار الأزرق غير راغب، وغير قادر على صناعة مثل هذا المشهد الشعبي. تاليا لا يبدو قادرا على الأقلّ في هذه اللحظة على تغيير النظرة العربية والخليجية، التي تعتبره في أقصى درجات التسامح الممكنة أسيرا سعيدا لدى حزب الله.

المشكلة بنظر الرأي العام العربي والخليجي أن المستقبل لا يريد الخروج من الأسر، ويطلب من الجميع تفهم خصوصيته، واعتبار الكلام الذي يصدر عنه شبيها بما يقوله الأسرى من مديح في حق الآسرين في التسجيلات التلفزيونية التي تجريها معهم الجهات الآسرة. ربما يكون المستقبل محقّا في هذه النقطة، ولكن ما لا يفهمه أنه لا يحق للأسير التمتع بميزات المقاتلين.

7