تيار إسلامي متشدد يعيد المرأة العربية إلى عصر الحريم

الأربعاء 2013/11/13
مكاسب المرأة العربية تشهد اليوم تراجعا مقارنة بما تحقق في الماضي

القاهرة- أشارت دراسة نشرتها مؤسسة تومسون رويترز "إلى أن مصر هي أسوأ بلد في العالم العربي يمكن للمرأة أن تعيش فيه يليها العراق بفارق صغير ثم السعودية ثم سوريا فاليمن. وفي صدارة أفضل الدول العربية بالنسبة إلى المرأة تجيء جزر القمر ثم سلطنة عمان فالكويت والأردن وقطر وفقا للدراسة التي أجرت تقييما لوضع المرأة في 22 بلدا عربيا من حيث العنف والحقوق الإنجابية والمعاملة داخل الأسرة والاندماج في المجتمع والمواقف تجاه دورها في السياسة والاقتصاد.

واستُخلصت النتائج بناء على آراء 336 خبيرا اجتماعيا في مجال المرأة وجهت إليهم الدعوة للمشاركة في استطلاع على الإنترنت أجرته الذراع الخيرية لشركة "تومسون رويترز" للأخبار والمعلومات خلال شهري أغسطس/ آب وسبتمبر/أيلول. واستندت الأسئلة المطروحة إلى بنود اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي وقعت أو صدقت عليها 19 دولة عربية

لعبت المرأة العربية دورا محوريا في انتفاضات الربيع العربي لكن آمالها في أن يعود عليها ذلك بحريات وحقوق أكبر تحطمت على صخرة المجتمع الذكوري الراسخ وصعود الإسلاميين.

ورغم مرور نحو ثلاث سنوات على الانتفاضات الشعبية التي أطاحت برؤوس أنظمة شمولية أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "تومسون رويترز" في 22 دولة عربية أن ثلاثا من خمس دول شملتها تلك الانتفاضات جاءت بين الدول الخمس التي هبطت إلى قاع القائمة الخاصة بحقوق المرأة.

فقد أظهر الاستطلاع أن مصر هي أسوأ مكان في العالم العربي يمكن أن تعيش فيه المرأة الآن، ومن بعدها وبفارق بسيط العراق ثم السعودية. وكانت نتائج مصر سيئة في معظم المجالات ومنها العنف ضد المرأة وحقوقها الإنجابية والمعاملة التي تلقاها داخل الأسرة ومشاركتها في السياسة والاقتصاد.

ومن بين الدول الخمس التي جاءت في قاع القائمة سوريا واليمن وهما من دول "الربيع العربي" أيضا. وتخلفت الدولتان في القائمة عن السودان ولبنان وفلسطين والصومال، الذي يشهد تمردا، لأن تلك الدول حققت نتائج أفضل في جوانب منها إشراك المرأة في السياسة والاقتصاد ووضعها في الأسرة وحقوقها الإنجابية والعنف الجنسي. ومن دول الربيع العربي أيضا شغلت ليبيا المركز التاسع في القائمة وتونس المركز السادس.

رغم هذا يرى بعض النشطاء أن هناك مدعاة للتفاؤل لأسباب، منها أن هذه الانتفاضات جعلت عددا أكبر ممن يعانين الفقر ويعشن على الهامش أكثر وعيا بحقوقهن. في هذا السياق، قالت نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، إن حقوق المرأة كانت دوما شاغل "النخبة المثقفة" في مصر حيث يعاني أكثر من نصف السكان من الأمية ويعيش تحت خط الفقر. وأضافت "اعتدنا حقيقة أن الحديث عن حقوق المرأة كان… مقتصرا على سيدات النخبة في المجتمع. لكن التحدي الكبير الذي واجهته المرأة جعل قضاياها محل نقاش في الشارع بين النساء العاديات وغير المتعلمات."

استندت الأسئلة التي وجهت إلى 336 خبيرا في حقوق المرأة وجهت لهم الدعوة للمشاركة في الاستطلاع إلى بنود أساسية في اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي وقعت أو صدقت عليها كل دول انتفاضات الربيع العربي.

ثمن الصراع

إلى أي مدى تستطيع المرأة العربية ممارسة حقوقها؟


في سوريا وهي رابع أسوأ دولة عربية وفقا للاستطلاع تضررت حقوق المرأة بشدة وسط حرب أهلية مستمرة منذ أكثر من عامين ونصف العام سقط خلالها أكثر من مئة ألف قتيل.

ويقول سوريون إن الغضب الذي تأجج بعد صدور حكم بسجن مدونة شابة كان هو شرارة الثورة التي تعيشها البلاد منذ عامين ونصف العام.

قبل شهر من خروج المظاهرات في مارس- آذار 2011 صدر الحكم على طل الملوحي (19 عاما)، التي كتبت مدونة عبرت فيها عن رغبتها في رسم مستقبل بلادها، بالسجن خمس سنوات في اتهامات بالتجسس. وبعد احتجازها بالفعل لأكثر من عام اقتيدت إلى المحكمة وهي موثقة اليدين ومعصوبة العينين.

وانفجرت أمها التي كانت تنتظر في فناء المحكمة بالبكاء. وأصدرت محكمة سورية حكما بالعفو عنها الشهر الماضي في إطار صفقة ثلاثية الأطراف للإفراج عن سجناء. وعندما تخرج من السجن ستكتشف أن بلادها تغيرت جذريا.

وتقول جماعات حقوقية إن قوات الأمن السورية استهدفت النساء خلال الثورة والحرب الأهلية. وتعرض آلاف منهن للتعذيب والاغتصاب وتمتلئ السجون السورية بالسيدات والفتيات.

وذكرت محامية سورية من دمشق، تحدثت إلى رويترز، بشرط عدم ذكر اسمها، أن بعض المحتجزات اللاتي تزورهن في السجون يعانين كدمات وقروحا مفتوحة في أقدامهن وجلدهن وعدوى في العين وتحمل أجسادهن بقعا من الدماء المتخثرة.

وشدّد على شهادة المحامية السورية أنور البني، المحامي الحقوقي الذي يقيم في دمشق، أيضا مؤكدا أن احتجاز النساء يتم عادة دون اتهامات. ويحتجز بعضهن لقيامه بتهريب الغذاء عبر نقاط التفتيش التابعة للجيش أو لأنه يحتفظ بصور مسيرات مناهضة للأسد على هواتفه المحمولة. وأضاف "لم تحمل أي منهن السلاح أو قاتلت القوات الحكومية". وقدر عدد السجينات اللاتي مازلن على قيد الحياة في مراكز الاحتجاز في سوريا بين 3000 و4000 سجينة.

وقال إن نساء كثرا لقين حتفهن تحت وطأة التعذيب أو بسبب نقص الرعاية الصحية أو اختناقا وأنهن يحتجزن عادة في أقبية تحت الأرض لا يدخلها ضوء الشمس وأحيانا يكون بصحبتهن أطفال صغار. وللبني موكلة حامل تقول إنها اغتصبت في السجن.

لكن القوات الموالية للرئيس بشار الأسد ليست عدو المرأة الوحيد في سوريا.. فالإسلاميون المتشددون أيضا يحرمونها من حقوقها. ويقول لاجئون خارج سوريا إن اليأس يدفع البعض إلى تزويج بناتهم القاصرات، وأبلغ موظفو إغاثة عن ظهور الدعارة في المخيمات. وقالت سوزان أحمد، وهي ناشطة معارضة في دمشق، "النساء هن الأكثر معاناة. مات عدد كبير من الرجال وتلعب المرأة دور الرجل لإعالة الأبناء."

ويخشى كثير من السوريات من تأثير الإسلاميين المتشددين الذين هيمنوا على بعض المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وقالت فتاة كانت تدرس بجامعة دمشق لدى اندلاع الانتفاضة في مارس- آذار عام 2011 وشاركت في عدد من الاحتجاجات الأولى التي نظمت في العاصمة "الشيء الوحيد الذي تريده المرأة الآن هو الأمان." واستطردت "أشعر أن عليّ الآن أن أتحجب. نخاف مما سيفعله الإسلاميون… الإسلاميون يريدون أن تغطي المرأة حياتها لا مجرد جسدها."

قواعد المقاتلين الإسلاميين

ترتيب الدول من الأسوأ إلى الأفضل
أشارت دراسة لمؤسسة "تومسون رويترز" إلى أن مصر هي أسوأ بلد في العالم العربي يمكن للمرأة أن تعيش فيه يليها العراق بفارق صغير ثم السعودية ثم سوريا فاليمن.

وفي صدارة أفضل الدول العربية بالنسبة للمرأة تجيء جزر القمر ثم سلطنة عمان فالكويت والأردن وقطر وفقا للدراسة التي أجرت تقييما لوضع المرأة في 22 بلدا عربيا من حيث العنف والحقوق الإنجابية والمعاملة داخل الأسرة والاندماج في المجتمع والمواقف تجاه دورها في السياسة والاقتصاد.

واستخلصت النتائج بناء على آراء 336 خبيرا اجتماعيا في مجال المرأة.

واستندت الأسئلة المطروحة إلى بنود اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي وقعت أو صدقت عليها 19 دولة عربية.

22- مصر

21- العراق

20- السعودية

19- سوريا

18- اليمن

17- السودان

16- لبنان

15- فلسطين

14- الصومال

13- جيبوتي

12- البحرين

11- موريتانيا

10- الإمارات

9- ليبيا

8- المغرب

7- الجزائر

6- تونس

5- قطر

4- الأردن

3- الكويت

2- سلطنة عمان

1- جزر القمر

بالرغم من أن الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد تسيطر على أكثر المراكز نفوذا في البلاد كانت سوريا تدار كدولة علمانية. وتقول سوريات إن ما تواجهه المرأة الآن من كراهية وقمع على أيدي الإسلاميين بمثابة انتكاسة. وأبلغت امرأة سورية من شرق البلاد، تقول إنها تساند حركة معارضة سلمية علمانية رويترز، بأنها تفضل البقاء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة لأنها رغم المخاطر التي تواجهها لا تتعرض لمضايقات لمجرد أنها امرأة.

وفي بعض المناطق التي تسيطر عليها المعارضة أقيمت محاكم تديرها فصائل مقاتلة تقول إنها تطبق الشريعة الإسلامية. وأصدر إسلاميون في أحد أحياء حلب أمرا في يوليو/ تموز يحظر على النساء ارتداء الملابس التي تعتبر مثيرة، وهو ما أغضب أناسا يتهمون الجماعة بتجاوز حدودها.

وقال أحد المقاتلين الإسلاميين لرويترز إن المرأة في سوريا التي يتصورها في المستقبل لن تعمل إلا في أماكن يقتصر الوجود فيها على النساء مثل المدارس والمستشفيات غير المختلطة.

معركة اليمنيات مستمرة

أمام نساء اليمن معركة صعبة للحصول على الحقوق في دولة محافظة بدرجة كبيرة يتفشى فيها زواج القاصرات. ولتنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي يتبنى تفسيرا متشددا للإسلام وجود ملموس في البلاد.

وتسعى المرأة اليمنية إلى تخصيص حصة لها في البرلمان خلال محادثات المصالحة الوطنية الجارية في البلاد التي لا تزال تحلم بالاستقرار بعد مرور نحو عامين من الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس، لكن، وفق اليمنية توكل كرمان، الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2011، "هناك أصوات تحاول قمع المرأة مثلما هو الحال في دول عربية أخرى". وقالت كرمان "يحاولون أن يطمسوا… مشاركتها في الثورة وفي بناء مجتمع مدني ناضج". لكنها أضافت أن الأصوات المحافظة "تضعف يوما بعد يوم." وجاء اليمن في المركز الثامن عشر من بين 22 مركزا في المسح الذي أجرته "تومسون رويترز".

ليبيا.. تحسن ولكن..

جاءت ليبيا في المرتبة الرابعة عشرة من حيث حقوق المرأة. ولكن، بعد مرور عامين على سقوط معمر القذافي، لا يزال الزعماء القبليون والإسلاميون يتصارعون على اقتسام مغانم ما بعد الثورة. وقالت الناشطة الحقوقية الليبية دينا رزوق "أخشى أن يأتي من يستغلون الإسلام إلى الحكم وأن يسعوا إلى جعل ليبيا مثل أفغانستان والصومال. إنه مجتمع متعصب جدا ومتمسك بالتقاليد."

وأعرب الخبراء عن قلقهم من انتشار الميليشيات المسلحة وارتفاع معدلات الخطف والابتزاز والاعتقال العشوائي والانتهاك البدني الذي تتعرض له النساء. وقالوا إن الانتفاضة التي أطاحت بمعمر القذافي قبل عامين فشلت في ضم حقوق المرأة إلى القانون.

ووجد بعض النظريات "الإسلامية" المتشدّدة صدى، في كثير من المناطق التي كانت منغلقة ومهمّشة قبل "الربيع العربي"، حيث لا يزال ينظر إلى المرأة بحكم التقاليد والعادات والفهم المغلوط للدين على أنها جسد للمتعة فقط، يجب أن يتلف ببرقع "الحياء" وإلا فإنها "رجس" يقود إلى الفتنة.

خطر التشدد الديني

في تونس، أكثر بلد عربي منح المرأة حقوقها وواجباتها، تبدو الصورة قاتمة، وغير مبشّرة لكثير من التونسيات، بعد أن سيطر الإسلاميون على الحكم وبدأ شبح الإرهاب يصطاد حريّتهن ويهدّد حقوقهن التي نلنها منذ استقلال البلاد في الخمسينات من القرن الماضي. فالبلاد التي لم يكن تعدد الزوجات مسموحا به شهدت بعد الثورة ووصول الإسلاميين إلى الحكم حالات زواج عرفي، كما أن قوانين الإرث منحازة إلى الرجل. وتقول الناشطة والمدونة التونسية لينا بن مهني إنها قلقة على وضع المرأة في ظل الحكومة التي يقودها الإسلاميون. وتوضح "وضع المرأة التونسية أسوأ في ظل الحكومة التي يقودها الإسلاميون. المتطرفون الإسلاميون يلعبون دور شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويمارسون ضغوطا على الفتيات."

والوضع لا يختلف كثيرا في بلاد قاسم أمين، حيث أصبحت المصريات يخشين على مكتسباتهن التي حققنها منذ عقود طويلة. وكادت أن تعصف بها حكومة الإخوان التي ناصبت العداء للمرأة.

التحرش الجنسي.. ارتفاع معدلات ختان الإناث.. زيادة العنف وصعود التيار الديني بعد انتفاضات الربيع العربي.. كلها عوامل جعلت من مصر أسوأ مكان في العالم العربي يمكن أن تعيش فيه المرأة. هذا ما توصلت إليه دراسة مؤسسة "تومسون رويترز".

أظهرت أيضا الدراسة أن القوانين التي تميز بين الجنسين وزيادة معدلات الاتجار بالنساء ساهمت أيضا في إنزال مصر إلى قاع قائمة تضم 22 دولة عربية. قال الخبراء إنه رغم الآمال في أن تكون المرأة من أكبر المستفيدين من الربيع العربي إلا أنها كانت من أكبر الخاسرين بعد اندلاع الصراعات وانعدام الاستقرار وموجات النزوح وظهور جماعات إسلامية في أجزاء كثيرة بالمنطقة. ويرى محللون أنه رغم حدوث تحسن طفيف في مشاركة المرأة في السياسة في ظل الحكومة المؤقتة التي يدعمها الجيش إلا أن الطريق لا يزال طويلا.

وقالت فاطمة خفاجي، مديرة مكتب شكاوى المرأة بالمجلس القومي للمرأة في مصر، "اختزلت صورة المرأة خلال حكم مرسي في أنها أم مهمتها الإنجاب.. هذا أهم شيء. كان الخطاب كله ضد حقوق المرأة وضد المساواة بين الجنسين."

وحذر الإخوان المسلمون من أن إعلان الأمم المتحدة لحقوق المرأة يمكن أن يدمّر المجتمع بالسماح للنساء بالسفر والعمل واستخدام وسائل منع الحمل دون موافقة الزوج والسماح لها بإدارة شؤون الأسرة. وقالت فاطمة خفاجي "الأوضاع تغيرت إلى الأحسن بعد عزل مرسي. على الأقل هذه المخاطر لم تعد موجودة. لكني لا أرى زيادة نسائية كبيرة في صنع القرار."

تؤكّد على ما سبق نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، قائلة إن هناك، رغم كل هذا، قوة دفع مستمرة لتحسين الأوضاع. واستطردت "الدفاع عن حقوق المرأة أنشط بكثير من ذي قبل."

وقالت آمال عبد الهادي، عضو مجلس أمناء مؤسسة المرأة الجديدة في مصر، "المهم ألا تسود روح الانهزامية.. الأمر محبط جدا هذه الأيام وإذا لم ندفع أنفسنا للنظر إلى الجوانب الإيجابية، التي نعمل من أجلها على المدى الأطول، سنموت." واستطردت "الثورات لم تخذل المرأة لأنها أعطتها الفرصة لأن تتواجد وأن تدرك أنها إذا لم تدفع نفسها إلى الساحة فلن تحقق شيئا. علينا أن ندفع أنفسنا".


20