تيار المجتمع المدني: إلا نصر الله

الأربعاء 2014/11/12

يشبه حراك المجتمع المدني في لبنان منطق التعميم الذي اشتهر سائقو سيارات الأجرة بممارسته، حيث تصعد إلى السيارة فيبادرك السائق بحديث عام كي يستشف من خلاله توجهاتك السياسية وطائفتك، هذا الحديث العام غالبا ما يكون من ماركة “كلن إخوات شر…”.

إذا ما بادرت إلى دعوته إلى الاستثناء وقلت لا ليس الجميع تكون قد وقعت في الفخ، وإذا ما وافقته وقعت في فخ آخر هو اضطرارك لتحمل سلسلة من الشتائم العامة التي تطال كل الطبقة السياسية التي تعلم أن هذا السائق وسواه من شاتميها مستعدون حين يجد الجد للموت دفاعا عنها.

شتم الطبقة السياسية والسياسيين بات نوعا من بنية عامة وهو لا يعدو كونه نوعا من فلكلور مباح، ما يدفع المرء إلى الاستنتاج أنه من إنتاج الطبقة السياسية نفسها التي تعمم شتمها الفاقد للتمركز كصيغة تنفيسية فاقدة للاتجاه.

هذه الصيغة يسهل في أي لحظة ردها إلى أفعال رعاعية لا تجد من يتبناها ويدافع عنها، وهي تغطي على الكم الهائل من الارتكابات الفظيعة التي باتت تجري على مرأى ومسمع الجميع دون أن يجرؤ أحد على الإشارة إليها والوقوف في وجهها.

يبحث المجتمع المدني عن عناوين كبيرة في حين نعلم أن الشيطان يكمن في التفاصيل، موضوع التمديد للمجلس النيابي ومشهد رشق النواب بالبندورة هو مشهد متلفز إلى حد كبير ومن شأنه كما هو حال المشهدية التلفزيونية أن ينحصر في لحظته دون أن يستطيع تقديم معنى يتجاوز لحظة الإثارة المكتملة الأركان التي تقدمها لحظة البث المباشر.

لا تمايز ولا خطاب واضحا، يهدون الـ128 نائبا حبات بندورة دون تمييز ولا فرز، هم غاضبون وطلاب تغيير ومن يطلب التغيير يقصف النواب بالبندورة أمام الكاميرات فيدخل في عين الصورة ويفتح قبرا واسعا لعالم من النضالات الصامتة المتأنية والجدية والبعيدة عن الشاشات.

ما يفقد فتيان المجتمع المدني تمايزهم هو أنهم حين رفعوا يافطات إسقاط النظام الطائفي صمموا لافتات تضم صور جميع قادة الطوائف في لبنان، ولكنهم حين وصلوا إلى الطائفة الشيعية وضعوا صورة محمد رعد ولم يرفعوا صورة قائد الطائفة الشيعية الحقيقي وهو السيد حسن نصر الله.

كان هذا الفعل المنسوب إلى تقية طائفية شيعية الهوى قاتلا لهذا الحراك الذي شارك فيه في بدايته أفراد ينتمون لأحزاب طائفية، واحتلوا الواجهة وراحوا يتبارزون في لا طائفيتهم في مواجهة طائفية الطوائف الأخرى. سرعان ما طغت خصوصيات اللاطائفية الخاصة بكل طائفة على مشهد إسقاط النظام الطائفي وحولته إلى ما يشبه حشدا من الطوائف اللاطائفية المطالبة بإسقاط نفسها.

الاستجابة للتهديد الفعلي الذي يرفعه السيد حسن نصر الله في وجه الجميع جعل من الحراك المدني لإسقاط النظام الطائفي فعلا يتحالف مع رعب تبثه طائفة معينة ضد الطوائف الأخرى، وتبنيا لما تحمله هذه الطائفة من تقديس مطلق لزعيم يجعله خارج التناول. هكذا يكون فعل ضم جميع النواب إلى خانة السارقين والناهبين في لحظة التمديد فعلا فاقدا للمصداقية أمام استبطان الهول الإلهي الخاص بطائفة محددة.

يقول خطاب المجتمع المدني إنه لا تمايز بين كل مكونات البرلمان بل مشروع واحد مجمع عليه هو مشروع سرقة البلد وسرقة التمثيل وسرقة المناصب.

هذا الكلام لا يستقيم في الحديث عن السياسة وهو يعكس ليس سذاجة القائلين به، ولكن كسلهم وعدم رغبتهم في بذل جهد واضح في التصويب على مسائل محددة بشكل دقيق. انعدام التمايز هذا يحرم حراك المجتمع المدني من التحول إلى حراك عام ويمنع القضية المحقة من أن تصبح عنوانا للنقاش في البلد، هذا التعميم يقفل النقاش وهو خطاب يشبه ويتماهى مع خطاب السياسيين الذي يستعلي على الناس.

يبدو في نهاية المطاف أن تيار المجتمع المدني يرشق النواب بالبندورة ليكون موجودا في ظل حضورهم. إنه إيمان بخلودهم ويأس سلبي يشبه ذلك اليأس الذي تسبب بتفجير البرجين التوأمين في أميركا.

لا يبدو لي هذا الحراك بصيغته الحالية سوى امتلاء بالإعجاب، والدليل على ذلك هو أن ذلك التسرع الذي يضع كل شيء في حالة عماء ما هو إلا تواطؤ مفتوح مع السياسيين وإجماع على محاربة المفكرين الذين ينسفون الثوابت ويؤسسون المفاهيم. هؤلاء ممنوعون من المثول في دائرة الوضوح لأن جهدهم لا يتأسس في السرعة والإثارة والمشهدية المتلفزة التي يشترك فيها النواب والمجتمع المدني.

التحالف الكبير بين المجتمع المدني والنواب قائم على نفي صناع المفاهيم وطردهم من المشهد.

ربما كان الأجدى بتيارالمجتمع المدني أن يرفع شعارا يقول أنا مع إسقاط النظام الطائفي إلا نصر الله.

4