تيار المستقبل للإيجار

الأحد 2015/08/23

ليس سهلا على من هم مثلي ممّن تغلغلت ثورة 14 آذار في ذاكرتهم ووجدانهم توجيه سهام النقد إلى الرئيس سعدالدين رفيق الحريري، فالرجل من المفترض أنه امتداد لوالده ورمز لحرية لبنان وسيادته واستقلاله، لكن مصلحة 14 آذار ولبنان والإخلاص لرفيق الحريري ونهجه فوق كل اعتبار.

نشر الصحافي ثائر غندور تقريرا عن اعتزام سعد الحريري بيع قصور والده، قصر فقرا الجبلي، وقصر قريطم التاريخي، الذي يعد من أغلى عقارات بيروت، حيث يقدّر بمئة وعشرين مليون دولار. ولعل هدف البيع كما أورد التقرير شراء حصتي أيمن وفهد الحريري في شركة سعودي أوجيه للمقاولات، إذ يعتقد سعد أن خلاص أوجيه من الهدر والخسائر يتمثل في تملّكها وإدارتها منفردا، وهو تصور صحيح، فالشيخ سعد كان الذراع التنفيذي لوالده في الشركة إبان مجدها. ولم يغفل التقرير الإشارة إلى الأزمة المالية التي تعصف بالحريري ومؤسساته وحزبه (تيار المستقبل).

لا بد من التسليم بداية بأن زعامة رفيق الحريري لم تقم على المال، إنما على العروبة والاعتدال والتنمية والإعمار، وربط غياب سعد الحريري عن بيروت بسبب الأزمة المالية معيب جدا، وكأنه يقول إنه من دون المال لا وزن لاسم رفيق الحريري ولا لنهجه.

والغمغمة بأن الأزمة المالية الحريرية سببها توقف الدعم السعودي أو شحه أكثر من مسيء، فالمملكة لا تتخلى عن حلفائها، وفي الوقت نفسه هي لا تدعم بالمعنى السطحي، إنما تكافئ حلفاءها المخلصين والناجحين والأقوياء، ويمكنني الزعم بأن رفيق الحريري طوال علاقته مع المملكة لم يطلب شيئا لنفسه قط، بل كان يطلب للبنان دائما، وتقديرا لنجاحه الداخلي والخارجي كانت المملكة تكافئه وتدعمه.

لم يسجل رفيق الحريري يوما على نفسه أن قال أريد هذا المبلغ للصرف على السنّة أو لأسدد رواتب الموظفين، ولم يسبق لرفيق الحريري أن طلب من المملكة أن تهديه شركة أو منتجعا لتعزيز وضعه المالي، كان الحريري الأب هو نقيض هذه الصورة، فهو صاحب المبادرات السياسية والاقتصادية الخلاقة والناجحة، كان حليفا تعتمد عليه المملكة لا نكرة يستند على المملكة بالكامل. وخلال الفترة الطويلة التي جمعت علاقة الحريري الأب بالسعودية، مرّ الحريري بأزمات اقتصادية ومرّت المملكة بضائقة مالية لكن مكانة الحريري لم تتغير كما أن العلاقة السعودية-الحريرية لم تتأثر.

لا يمكن للسعودية أن “تدعم” طرفا سياسيا متواكلا أو متسولا أو غائبا عن واجبات المسؤولية، ولقد أوصل الملك عبدالله -رحمه الله- هذه الرسالة بوضوح وبعفوية حين قال لأحدهم يوما “اثبت كرجل”، بل إن الأمير سعود الفيصل قال للحريري نفسه ذات مرة مستشهدا ببيت زهير بن أبي سلمى “ومن لا يصانع في أمور كثيرة/يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم”.

الغمغمة بأن الأزمة المالية الحريرية سببها توقف الدعم السعودي أو شحه أكثر من مسيء، فالمملكة لا تتخلى عن حلفائها، وفي الوقت نفسه هي لا تدعم بالمعنى السطحي، إنما تكافئ حلفاءها المخلصين والناجحين والأقوياء

أتفهم تماما بأن مقارنة سعد الحريري بوالده ظالمة ومجحفة، لكنه قدر اسمه وموقعه، والحقيقة أن الوضع المهتز لسعد الحريري يتحمل مسؤوليته الحريري نفسه، وهنا أورد قصتين، الأولى إلحاح الحريري على المملكة القبول برئاسة الجنرال ميشال عون وقت زعمه في العلن دعم حليفه المخلص والصلب د. سمير جعجع لرئاسة الجمهورية، وقد أقر بذلك مؤخرا الوزير رشيد درباس في لقاء تلفزيوني حين قال نصا “لقد لمست في لقائي مع الشيخ سعد ميله إلى انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية لكن جهات أخرى حزبية وغير حزبية عارضته”، والحقيقة أن لفظ “عارضته” مهذّب جدا، ولن يغيب عن الأصدقاء المحاولة الناعمة والفاشلة بطرح اسم جبران باسيل مرشحا للرئاسة.

القصة الثانية، وهي الأكثر مأساوية، قدمت المملكة مبلغا غير رسمي عام 2008 يقدر بمليار دولار لرمز آخر في تيار المستقبل بهدف حصري هو “إطلاق مشاريع تنموية في المناطق اللبنانية المحرومة”، سألت المملكة عن المبلغ ومصيره أثناء أزمة عرسال، فأجاب الرمز المستقبلي “إنها في البنك لم أصرف منها سنتا واحدا تحسبا لليوم الأسود”، فردت المملكة “لقد جاء اليوم الأسود، سلّم المبلغ لسعد الحريري ليشرف على توزيعه بين القوى الأمنية”، وهذا هو أصل المليار دولار الإضافية التي قدمها الملك عبدالله للأجهزة الأمنية بعد منحة المليارات الثلاثة لتسليح الجيش اللبناني، لم يسأل أحد الرمز المستقبلي عن فوائد المليار ومردودها، ولم نسمع أن الرمز المستقبلي تذكر المناطق المحرومة أو جمهوره في تلك الفوائد، مع أن ذلك أقل واجباته.

أخطاء الحريري موجعة ومتراكمة اقتصاديا وسياسيا، من سوء إدارة العلاقة مع الحلفاء كما حصل في ملف الانتخابات النيابية الأخيرة والقانون النيابي، مرورا بتصريحه عن شهود الزور الذي ساهم في إسقاط حكومته، إلى التملص من واجبات المسؤولية بذرائع لا تناسب الزعامة السنية الأكبر، وليس انتهاء بكبوة عرض قصر قريطم للبيع في ظرف مستحيل، ولا أنسى سوء تقديره حين فضل رأي أحد رجال رأس الدولة على نصيحة رأس الدولة نفسه، وتفاصيل هذه النقطة لا يمكن ذكرها الآن ولو تلميحا للأسف.

من خلال ما سبق، بعض تصرفات الحريري مسيء له ولوالده ولحلفائه وللمملكة، وليس هناك من لوم إلا على سعد الحريري نفسه، وليس صحيحا أن المملكة تتصرف بطريقة “بعثية” مع حلفائها فتمنعهم من المبادرة أو اتخاذ القرار أو التصرف في أموالهم المكدسة.

رغم كل علامات الاستفهام والتعجب على أداء سعد الحريري، إلا أن كاريزماه التي لا تعجب النخب، قريبة جدا من المواطن البسيط، وإضافة إلى نقاء سريرته المورد أحيانا إلى التهلكة، وانعدام البديل، واسم رفيق الحريري، كل ذلك أبقى سعدالدين الحريري زعيم السنة الأول في لبنان مع ملاحظة التراجع الواضح في علاقاته الإقليمية والدولية.

ما زال في سعد الحريري أمل كبير، لكنه بحاجة إلى تطوير ذاته وإصلاح نفسه وتطهير حاشيته، فالزعيم يجب أن يستحق الاحترام لا التعاطف، أن يخدم الناس لا أن يخدمه الناس، أن يحمي شعبه لا أن يحموه، وعليه أن يدرك استحالة هزيمة “حزب الله” بعد أن حوّل تيار المستقبل إلى نسخة رديئة من حركة أمل.

تم الأخذ على ورثة الرئيس كميل شمعون بيع قصر السعديات الذي شهد مجد “فتى العروبة الأغر”، فبيع منزل الزعيم بما يمثله من رمزية يشبه مجازا بيع الزعيم نفسه، ومن يعرض رفيق الحريري للبيع اليوم قد يعرض تيار المستقبل للإيجار غدا.

صحفي سعودي

5