تيار المستقبل وأزمة الطائفة السنية المهزومة

الخميس 2016/12/01

ترعب الهوية السنية تيار المستقبل أكثر من أي شيء آخر، لأنها لم تعد هوية طائفية أو سياسية بل تحولت إلى مصير قاتم تعززه لحظة العالم الحالية، والميالة إلى تحميل هذه الطائفة المسؤولية الكاملة عن إنتاج وتنامي ظاهرة الإرهاب.

تحولت الهوية السنية إلى نوع من استحضار الإبادة واستجلابها، وشكلت المجازر المفتوحة بحق السنة مدخلا لإعادة إنتاج اليمين المتطرف في أوروبا، كما كانت عنصرا فاعلا في تهيئة الظروف المناسبة لدخول الولايات المتحدة الأميركية في لحظة العدمية السياسية والإستراتيجية ،إذا صح التعبير، مع انتخاب دونالد ترامب رئيسا.

تعمل هذه التحولات على تكريس صورة للسنة تضعهم في مصاف أعداء الحضارة الذين لا يمكن للحظة الانتقام منهم أن تنتهي إلا بفنائهم جميعا. لا تزال الذاكرة الأميركية تحتفظ بمشهد الهجوم على البرجين التوأمين بوصفه اعتداء سنيا على أميركا. ما أسس له هذا الهجوم من انتقام لا يقف عند حدود خلق لحظة نهاية السياسة كما نعرفها وكما استقر تعريفها على مدى التاريخ، والذي يحددها بوصفها فن إدارة الوقائع والممكنات، لتتحول إلى منطق عام في إدارة الاستيهامات وتوليد الهذيانات.

من هنا فإن هذا الانتقام المفتوح أسس لفكرة الإبادات بوصفها ممرا إلزاميا لتعريف السياسة الجديد، وانطلاقا منه باتت فكرة محو السنة من الوجود بشكل نهائي،على الرغم من استحالتها، فكرة لا تقع خارج السياسة بل في متنها.

هذا المتن الجديد للسياسة هو الذي يجعل العالم متجانسا تماما في لحظته الحالية، ومستقرا في إقامته التي يبدو أنها ستطول في لحظة الجنون، التي تضع الرئيس الأميركي الجديد، واليمين الأوروبي، والخليفة الداعشي السني، والمرشد الأعلى الشيعي، في السلة نفسها.

لا معنى إذن للنصر ولا للهزيمة إزاء هذا الواقع المغلق، ولعل مأزق السنة في العالم عموما يتأسس على هذه الفكرة التي تقول إنهم غير قادرين على الخروج من ثوب الخليفة الداعشي مهما فعلوا، وإنهم سيبادون على يده أو على يد محاربيه الذين ينسبونهم إليه جميعا من دون أي تفريق، مهما كانوا متمدنين، وحضاريين، ومدنيين.

لعل الابتكار الخاص الذي صممه تيار المستقبل اللبناني في محاولة النجاة من هذا المأزق الذي يسم حضور السنة في العالم كان في تصميم هوية لا تقوم على أن التيار هو تيار سني “لايت” ومدني وظريف وغير محارب، ولكن في نفي النسب السني عنه تماما، والقول إنه، وإن كان ينمو في وسط سني، ليس سنيا لا بالتعريف ولا بالهوية.

يقوم إغراء هذه الفكرة اللامعة على كونها تحاول تصميم قارب نجاة للسنة في لبنان ينزع التعريف الطائفي عنهم، ويحولهم إلى مواطنين مدنيين بالتعريف والهوية.

المسافة الكبيرة التي تفصل بين المواطنين وبين السنة هي المسافة نفسها التي تفصل بين تعريف السنة كإرهابيين تتخذ إبادتهم معنى حماية العالم، وبين مواطنين يجب على العالم الحفاظ عليهم ورعايتهم كي يستقيم ويستمر.

العقبات الأبرز التي تعترض سبيل إنجاز هذا التحول تكمن داخل الطائفة السنية بشكل خاص.

يخشى الكثير من السنة في لبنان أن يؤدي غياب التعريف الطائفي في وسط تيار المستقبل، الذي لا يزال التيار الأكثر حضورا في الساحة السنية، إلى ضرب مشروعية الحديث عن حقوق الطائفة السنية. تالياً يبرز السؤال عن التأثير الذي يمكن أن يطال الطائفة وحضورها، في ظل صعود مطالبة كل الطوائف بحقوقها انطلاقا من التصاقها بهويتها الطائفية، التي تمنحها تماسكا لا يوفر التعريف اللاطائفي الذي يتبناه المستقبل للسنة ما يوازيه.

لا يمكن ردم هذه الفجوة في ظل طبيعة النظام اللبناني إلا بتصميم عملية انتقال شاقة من حقوق الطائفة إلى حقوق المواطنين. لا يمكن لمشروع تيار المستقبل أن ينجح إذن إلا إذا استطاع أن يخلق من جماعة المنتمين إليه والمؤيدين لطروحاته مجموعة متجانسة متماسكة، تجعل البيئة السنية ككل ناطقة باسم المواطنين، أو من يريدون أن يكونوا كذلك ولكنهم لا يستطيعون.

يقول خطاب تيار المستقبل إذا كان السنة مهزومين فإننا لسنا سنة، وتاليا فإن مفاعيل الهزيمة السنية لا تطالنا، ويطالب بأن تتعامل معه القوى السياسية بوصفه تيارا يمثل الناس في دولة أي المواطنين. هذا المنطق جميل، ولكن هذا الشكل من تحديد معنى مفردة الناس في لبنان يتطلب معركة شاقة وطويلة ومكلفة بين الناس العاديين وبين أشرف الناس، أي الناس الآلهة.

كاتب من لبنان

7