تيار نسوي يعيد قراءة النصوص الدينية بحثا عن المساواة

لا ينبغي استغراب اندلاع ثورة نسوية في البلدان العربية الإسلامية مستقبلا، وإنما استغراب عدم حدوثها لسبب بسيط هو أنها أصبحت ضرورة حيوية.
الخميس 2019/07/18
ثورة نسوية قادمة
 

ظلت المرأة المسلمة في مرمى نيران التيارات الإسلامية، التي كانت تسعى إلى تأبيد بقائها أسيرة التأويلات الجامدة للنص الديني، وهذا ما أثار مجموعة من الباحثات المسلمات لتلمس جهد فكري يعيد قراءة النص الديني بشكل يحقق المساواة ويحترم الحقوق الكونية للمرأة.

النسوية الإسلامية، عنوان كهذا قد يثير أكثر من تساؤل وربما الاستغراب والاستهجان من طرف المحافظين والحداثيين على حد سواء. فلئن كانت مسألة المرأة محسومة بالنسبة للأولين إذ قال فيها الشرع، حسب زعمهم، كل شيء واعتبر أن مطالب النساء التحررية هي غربية لا تمت إلى الثقافة الإسلامية بصلة، فإن خصومهم قد يرون في الجمع بين النسوية والإسلام تناقضا صارخا بين الكلمتين، وأن الإسلام وحرية المرأة خطان متوازيان لا يلتقيان.

ولكن المسألة في نظر النسويات المسلمات تتجاوز الطرحين السابقين. فكما هو الحال بالنسبة للنسوية اليهودية والمسيحية والبروتستانتية، يوجد اليوم تيار نسوي جديد في العالم الإسلامي يحاول ممارسة قراءة أنثوية للنصوص الدينية بغية إعادة النظر في اللامساواة التي تعيشها المرأة المسلمة حسب رائدات هذا التيار. ولكن ينبغي التفريق بين النسويات الإسلاميات اللواتي يدافعن، كشركائهن الذكور، عن علاقة تراتبية بين الجنسين، ولا يطالبن سوى بالإنصاف، والنسويات المسلمات اللواتي يتحدثن عن مساواة إسلامية بين الجنسين.

وفي الحقيقة كانت فكرة المساواة بين الجنسين حاضرة منذ مدة طويلة ولو بشكل غير صريح في كتابات بعض رجال الدين المتنورين وعلى الخصوص لدى نساء مثقفات. ولكن مع الهجمة الإسلامية التي تتعرض لها معظم البلدان العربية منذ أكثر من 40 سنة، حدثت ردة كبرى في مجال حقوق المرأة وتعطل اندماجها في المجتمع ووجدت نفسها ضحية مزايدات متصاعدة بين دولة لا هي بالعلمانية ولا هي بالإسلامية، تسن قوانين مستلهمة، ، من الشريعة، وجماعات إسلامية كثيرة تضغط من أجل الرجوع إلى ما قبل القانون الوضعي.

فكيف يمكن أن تكون المرأة مسلمة ملتزمة بتعاليم دينها ونسوية مطالبة بتحرر المرأة في آن معا وسط هذا الصراع المستمر منذ الاستقلالات الوطنية؟

وحتى إن تجنبت نعت نفسها بــ”النسوية” صراحة، فإن حركة مطلبية نسائية تتطور وتسمي نفسها “إسلامية” منذ عشريتين، إذ اقتحمت نساء اختصاصيات ميدان البحث في علوم القرآن كالتفسير والتأويل بغية التصدي للهيمنة الذكورية في البلدان العربية والإسلامية. وليس هناك نسوية واحدة بل يختلف وجهها من بلد إلى آخر، حسب السياق المحلي والتجربة التاريخية.

وإن لم تكن النسوية الإسلامية متجانسة، إذ ليس هناك طريقة واحدة للدفاع عن كرامة وحقوق المرأة، فقد وصلت جل المناضلات المسلمات من أجل المساواة بين الجنسين إلى قناعة مفادها أن كل دفاع عن حقوق النساء يجب أن يمر عبر إعادة تأويل للنصوص الأساسية المكونة للإسلام.

نحن إزاء نسوية تروم هدم التأويلات الجنسانية للقرآن والحديث -بمعنى تلك التي تميّز على أساس الجنس- والاجتهاد في إعادة قراءة النصوص الدينية قراءة تضمن المساواة بين الرجل والمرأة لرفع الظلم عن النساء، ضحايا التمييز الجنسي. فكيف تقرأ النسويات المسلمات النصوص الدينية التي استعملها الفقهاء والمتشددون الإسلاميون ضدهن؟

تنطلق المناضلات المسلمات من مبدأ عام هو أن الرسالة الإلهية لم تكن تهدف إلى تطبيع علاقات غير عادلة بين المرأة والرجل، وإنما للقضاء على اللامساواة بينهما. وتوظف ثلاثة مفاهيم لإعادة قراءة النص الديني: البيداغوجيا الإلهية، والمقاصد، ومبدأ الناسخ والمنسوخ.

ففي مسألة تعدد الزوجات، على سبيل المثال، تعتبر النسويات أن تحديد الإسلام لأربع زوجات، كان يمثل تقدما بالنسبة للقرن السابع الميلادي في الجزيرة العربية. ومن الظلم اعتبار ذلك قاعدة إسلامية أبدية، لأنه ليس أمرا إلهيا مطلقا. فإشارة القرآن إلى استحالة العدل بين الزوجات دليل على مرحلية التعدد. ومن هنا فإن الهدف الإلهي هو أولا الحد من هذا الزواج في انتظار أن يضمحل ذاتيا مع مرور الزمن وتطور الذهنيات.

أما في مسألة الحجاب، وهي مسألة ساخنة في العالم العربي الإسلامي وفي أوروبا خصوصا، فلهن مقاربة أخرى، إذ يعتقد أغلبهن أن هناك مبالغة في النظر إلى الحجاب كأنه أمر أساسي في الإسلام، بينما هو أمر ثانوي لأن الحجاب هو نتاج ظرف ما قبل إسلامي يتميز بالعبودية والدعارة.

وبغض النظر عن مفكرات وناشطات كثيرات خارج العالم العربي، ساهمن في بلورة التفكير النسوي الإسلامي منذ السبعينات من القرن الماضي، تعتبر المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي مرجعا للحركة النسوية في البلدان العربية في كتابها “الحريم السياسي، الرسول والنساء” الصادر بالفرنسية عام 1987، ذلك الكتاب الذي أثار ضجة حينها والذي تتبعت فيه عالمة الاجتماع وأعادت النظر في صحة الحديث الشهير “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” الذي يرفعه الإسلاميون لتأكيد دونية المرأة وطردها من الفضاء العام وممارسة المسؤوليات السياسية.  وهو ما فتح الباب للبحث عن طريق ثالث يسمح للنساء المسلمات بالحصول على الحقوق الكونية انطلاقا من قراءة نقدية للنصوص الدينية، غير معادية لهن. وهو الطريق الوحيد حسبهن للمحافظة على هويتهن الإسلامية والتمتع بحقوقهن وحريتهن في آن معا.

لا ينبغي استغراب اندلاع ثورة نسوية في البلدان العربية الإسلامية مستقبلا، وإنما استغراب عدم حدوثها لسبب بسيط هو أنها أصبحت ضرورة حيوية. إذ لا يمكن استمرار تهميش نصف المجتمع مهما كانت مبررات ذلك.

13