تيدروس أدهانوم غيبريسوس الرجل الذي ينتظر العالم كلماته كل لحظة

غيبريسوس أول أفريقي يتقلد منصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، منذ نشأتها.
الخميس 2020/03/26
غيبريسوس الشخص الأكثر تأثيرا حاليا حول العالم

تترقبه مئات الملايين حول العالم، متعطشين لكل إطلالة إعلامية له، ولكل تصريح صحافي يدلي به أو كل بيان يصدر عنه. هو الأكثر تأثيرا حاليا، وكلامه مسموع أكثر من أي شخصية سياسية وقيادية أخرى، بمن فيهم زعماء الدول. هو تيدروس أدهانوم المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الذي أصبح أشهر من نار على علم في أيامنا العصيبة هذه بسبب فايروس يهدد البشرية ويفتك بها على نحو متصاعد، كورونا أو ”كوفيد – 19” الذي سجن البشر في بيوتهم وأصاب البعض وحتم عليهم البقاء في المستشفيات، وأودى بحياة الكثير منهم، وجعل جيوش العالم تنزل إلى شوارع المدن لمجابهته، وهو الذي لا يرى بالعين المجردة.

لا يمكن إطلاقا كتابة أي إحصائية للمصابين، لأن العدد يتغير كل ثانية، ويتصاعد بشكل هستيري، لكن يمكن القول إننا تجاوزنا الأربعمئة ألف إصابة حول العالم، حتى تاريخ كتابة هذا المقال.

كانت لحظة مفصلية في تاريخنا الحالي عندما أطل غيبريسوس مساء يوم من أيام شهر مارس الجاري، ليعلن رسميا أن فايروس كورونا أصبح وباء عالميا يجتاح الكرة الأرضية، ويجب التصدي له بكل الإمكانيات الممكنة لدى الدول. كان جادا بكل تحذيراته التي يبدو أن بعض زعماء الدول لم يأخذها على محمل الجد، ونتائج هذا الإهمال نراها أمام أعيننا اليوم، من انهيارات كبيرة في منظومات البيئة الصحية في بعض البلاد. غيبريسوس لم يكن يقدم مجرد نصائح، بل أخبر العالم أن الخطر قادم، في وقت كان تفشي الفايروس ينتشر بصورة بطيئة في الكثير من الدول، ماعدا الصين وإيطاليا اللتين كانتا كبش فداء لكورونا.

عراب خطة أديس أبابا

مشاركاته الميدانية في دعم عمليات منظمة الصحة، تنعكس في رحلاته إلى أماكن تفشي الأوبئة، كما حين زار الصين مؤخراً، وشرق الكونغو لمكافحة “الإيبولا”.
مشاركاته الميدانية في دعم عمليات منظمة الصحة، تنعكس في رحلاته إلى أماكن تفشي الأوبئة، كما حين زار الصين مؤخراً، وشرق الكونغو لمكافحة “الإيبولا”.

غيبريسوس هو أول شخص من القارة الأفريقية يتقلد منصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، بعد انتخابه من بين عدة مرشحين. حدث ذلك أثناء انعقاد جمعية الصحة العالمية السبعين عام 2017، وتم تعيينه لمدة خمس سنوات. وقد قدم أول بيان له متضمنا الأولويات الرئيسية التي سوف يعمل عليها، وعلى رأسها التغطية الصحية الشاملة، وبرر ذلك، حينها بالقول إن الكثير من الدول لا تعطي اهتماما لمواطنيها، حتى أن هناك دولا متحضرة وغنية ولكن لا تؤمّن التغطية الصحية للناس.

وضع غيبريسوس صحة المرأة والطفل والمراهق في جدول عمل المنظمة، وقرر اعتماد فريق علمي لمتابعة الآثار الصحية للمناخ والتغير البيئي، وهو الجانب الذي يرى المراقبون أنه قد طرأت عليه تغييرات هامة داخل المنظمة بالفعل.

هو أيضا أول مدير عام في تاريخ منظمة الصحة العالمية الذي يمتد 72 عاما، لم يمارس الطب كمهنة، ومنذ توليه منصبه، أجرى إصلاحات في مقر المنظمة التابعة للأمم المتحدة في جنيف و150 مكتبا قطريا تضم ما مجموعه 7000 موظف، واستطاع إعادة الهيكلة الداخلية بما يجعل عجلة التطور والعمل تنحو إلى الأمام.

غيبريسوس الذي ولد في مدينة أسمرة بإريتريا، كان متفوقا في كل مراحله الدراسية، واهتمامه بالعلم الذي بدأ مبكرا، جعله ينال منحا دراسية عديدة حصل خلالها على شهادة الماجستير في علوم المناعة من الأمراض المعدية من جامعة لندن، وشهادة الدكتوراه في فلسفة صحة المجتمع التي نالها من جامعة نوتنغهام. وهو رجل خلط العلم بالسياسة كونه تقلد الكثير من المناصب الرفيعة في المجالين، لكن الكثيرين يعتبرونه باحثا متخصصا في مجال الصحة من جهة، ودبلوماسيا يتمتّع بخبرة سياسية من جهة أخرى، استطاع توظيف المجالين بشؤون البحوث والعمليات والقيادة في ميدان الاستجابة للأوبئة أثناء الطوارئ.

تحذيراته المبكرة يبدو أن بعض زعماء الدول لم يأخذها على محمل الجد، ونتائج هذا الإهمال نراها أمام أعيننا اليوم، من انهيارات كبيرة في منظومات البيئة الصحية في بعض البلاد. لقد عرفوا اليوم أن غيبريسوس لم يكن يقدم مجرد نصائح، بل أخبر العالم أن الخطر آت

شغل غيبريسوس قبل انتخابه مديرا عاما للمنظمة منصبا دبلوماسيا وسياسيا هاما، وهو وزير خارجية إثيوبيا في الفترة بين عامي 2012 و2016، ومع ذلك كان مهتما بالشؤون الصحية والبيئية كثيرا، وساهم في رفع مستوى الطبابة في إثيوبيا. أما سياسيا فأهم ما حققه هو قيادة الجهود الرامية إلى التفاوض على خطة عمل أديس أبابا الشهيرة التي كان عرابها، والتي التزم فيها 193 بلدا بتوفير التمويل اللازم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتم ذلك في مؤتمر قمة الأمم المتحدة للتنمية في نيويورك الذي عقد لاعتماد خطة للعام 2030 تغطي مجموعة واسعة من الأهداف والغايات، وسوف تستخدم باعتبارها الإطار الشامل لتوجيه العمل الإنمائي على الصعيدين العالمي والوطني على مدى السنوات المقبلة.

أهداف التنمية المستدامة هي نتاج العملية المتسمة بأكبر قدر من التشاور والشمول في تاريخ الأمم المتحدة. لذلك تبدو الخطة مرتكزة على القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي الوقت ذاته، توفر فرصا هامة لزيادة النهوض بحقوق الإنسان لجميع الناس في كل مكان دون تمييز.

قبل تولي غيبريسوس لإدارة المنظمة العالمية للصحة وفي وقتنا الحالي نشر الكثير من المقالات في أهم المجلات العلمية، وشارك في أبحاث علمية تتعلق بحياة الإنسان. وهو لا يكل عن متابعة كل الأوبئة التي تصيب المناطق حول العالم، ومثال على ذلك مشاركته الميدانية في دعم عمليات منظمة الصحة، ورحلاته المختلفة إلى أماكن تفشي الأمراض، وعلى سبيل المثال، فقد زار مرات عديدة شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال تفشي “الإيبولا”، الوباء القاتل الذي استطاعت البشرية مجابهته وهو الآن على وشك الانحسار.

وبعد أسابيع من ظهور كورونا في الصين، سافر غيبريسوس إلى العاصمة بكين واطلع بنفسه على مجريات مأساة العصر، وأبدى إعجابه بما فعلته القيادة الصينية بمكافحة المرض من خلال عمليات الإغلاق الصارمة وغيرها من الإجراءات.

حرب على المرض

خطة عمل أديس أبابا الشهيرة التي يعتبر غيبريسوس أباها الروحي حين كان وزيرا لخارجية إثيوبيا، التزم فيها 193 بلدا بتأمين التمويل اللازم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة
خطة عمل أديس أبابا الشهيرة التي يعتبر غيبريسوس أباها الروحي حين كان وزيرا لخارجية إثيوبيا، التزم فيها 193 بلدا بتأمين التمويل اللازم لتحقيق أهداف التنمية المستدامة

شغل غيبريسوس في مرحلة سابقة، منصب وزير الصحة بإثيوبيا، وخلال ذلك الوقت بذل مجهودا كبيرا لإصلاح النظام الصحي في البلد، واستطاع بالفعل، إتاحة خدمات الرعاية الصحية للملايين من الإثيوبيين، وبفضل قيادته تمكنت إثيوبيا من توظيف الاستثمارات في البنية التحتية الصحية وزادت أعداد قواها العاملة الصحية. ومن المناصب المهمة التي تولاها خلال مسيرته المهنية، رئيس مجلس الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، وبفعل توجهه الجاد تم المضي في مجال مكافحة هذه الأمراض المميتة.

لم يتخل غيبريسوس عن المرأة والطفل خلال مسيرته العلمية والمهنية، فقد كان أيضا الرئيس المشارك لمجلس الشراكة من أجل صحة الأم والطفل، التابع لمنظمة الصحة العالمية. وفي جعبته الكثير من الجوائز والتكريمات، منها جائزة جيمي وروزالين كارتر للشؤون الإنسانية تقديرا لإسهاماته في مجال الصحة خلال عمله المستمر حتى الآن.

في كل حديث تلفزيوني لغيبريسوس في أيامنا هذه، يدعو العالم إلى أن يُبرز فايروس كورونا أفضل ما لديهم من قيم سامية، وأن يكون سببا في التضامن والعمل معا، هو دوما يتحدث بلغة إنسانية خالصة، يخاطب بها القلوب والعقول. يطلب من الأشخاص الخوف على بعضهم بقدر خوفهم على أنفسهم، يشرح بطرق مبسطة

مجريات الأحداث وتطورات الفايروس، ليس متشائما ولا متفائلا، يحاول أن يكون واقعيا مع متابعيه بكل أعمارهم، لذلك يخاطب الجميع دون تمييز، يبدي مخاوفه على كبار السن ويشجع الشباب على نشر الوعي، والابتعاد عن الأخبار السيئة والمزيفة، ويضع على عاتقهم البحث عن الإيجابية في أوقات كهذه بما يتعلق بنسب الشفاء لا بالنحيب فقط، ويشجع من يتحتم عليهم العمل من أطباء وممرضين ورجال شرطة وغيرهم، وبذات الوقت ينتقد بعض الشباب المستهترين بفايروس كورونا، ويحذرهم.

يقول في أحد المؤتمرات الصحافية “اليوم لدي رسالة للشباب مفادها بأنكم لستم محصنين، فقد يطرحكم فايروس كورونا في فراش المستشفيات لأسابيع وقد يقتلكم، حتى إذا لم تمرضوا فإن الخيارات التي تتخذونها بشأن الأماكن التي تتوجهون إليها قد تكون الفرق بين الحياة والموت بالنسبة لأشخاص آخرين”.

أكبر مخاوف منظمة الصحة العالمية التي عبر عنها غيبريسوس وكررها مرات عديدة، تركز على احتمال أن يجد الفايروس موطئ قدم له في الدول ذات الأنظمة الصحية الضعيفة، محذرا من أنه لو وصل الفايروس إلى تلك الدول فستكون العواقب وخيمة، وأكد أن منظمة الصحة العالمية تعمل بنشاط مستمر لدعم جميع الدول، وخاصة تلك التي تحتاج إلى الدعم أكثر من غيرها، ونصح أيضا أن تكون الشفافية عالية بين السلطات والشعب في الإعلان الصحيح عن أعداد المصابين والموتى بفايروس كورونا.

التجارة بالوباء

كلامه مسموع أكثر من أي شخصية سياسية وقيادية أخرى، بمن فيهم زعماء الدول. أصبح أشهر من نار على علم في أيامنا العصيبة هذه بسبب فايروس كورونا.
كلامه مسموع أكثر من أي شخصية سياسية وقيادية أخرى، بمن فيهم زعماء الدول. أصبح أشهر من نار على علم في أيامنا العصيبة هذه بسبب فايروس كورونا

يخوض غيبريسوس في تفاصيل دقيقة، من بينها الاستغلال التجاري وإنتاج أجهزة مزيفة على أنها تكشف الفايروس. يقول “إننا نعمل جاهدين على زيادة كمية الاختبارات التشخيصية ورغم وجود العديد من الشركات المنتجة للاختبارات، إلا أن المنظمة تشتري وتوصي باستخدام المستلزمات التي يتم تقييمها بشكل مستقل لضمان جودتها”.

يتصرف بشفافية كبيرة حين يخاطب مسؤولي الدول أمام الجميع، ويؤكد دوما أننا أمام هذا الفايروس أصبحنا سواسية، ويبرز أمثلة تكشف كيف أن بعض المسؤولين قد أصيبوا بالكورونا، ويقدم الإرشادات والنصائح التي توصي بها منظمة الصحة العالمية للأفراد والمجتمعات، ولوزراء الصحة ومدراء الأنظمة الصحية وغيرهم من صانعي القرارات، لمساعدتهم على تأمين علاج منقذ للحياة في ظل التحديات المحدقة بالأنظمة الصحية دون المخاطرة بسلامة العاملين الصحيين. ومع الحديث المستمر لاكتشاف لقاح وعلاج للفايروس، يحذر بلهجة شديدة أيّا من الدول أو شركات الأدوية من إعطاء الناس أملا زائفا باستعراض إعلامي عن اكتشاف علاج دون التأكد منه ومخاطبة منظمة الصحة العالمية وإعلامها بكل التفاصيل.

ورغم الدعوة إلى البقاء في المنازل، يحثّ غيبريسوس الناس على الخروج للتنزه أو الجري أو ركوب الدراجة مع الحفاظ على التباعد الاجتماعي أو القيام بالتمارين الرياضية داخل المنزل، ويضيف “إذا كنتم تعملون من المنزل، لا تجلسوا في نفس الوضع لفترات طويلة، خذوا قسطا من الراحة لمدة ثلاث دقائق كل ثلاثين دقيقة”.

من النصائح المهمة التي يقدمها هي ضرورة الاهتمام بالصحة العقلية، ويقول في ذلك “من الطبيعي أن تشعروا بالفزع في هذه الأوقات والارتباك والخوف لذلك تحدثوا مع أشخاص تعرفونهم وتثقون بهم وادعموا أشخاصا آخرين في مجتمعاتكم واسألوا عن جيرانكم وأصدقائكم وأقاربكم”.

12