تيد منصة حرة تجمع أصحاب الأفكار الاستثنائية حول العالم

السبت 2016/09/24
تيد مؤتمر لصناعة عقول المستقبل

إسطنبول- إذا كنت تظن نفسك تفكر بشكل خيالي، حين تحلم بالانضمام إلى فضاء مختلف غير تقليدي، تحاول من خلاله جعل أفكارك الشخصية قابلة للتحقق، وبحثت ولم تجد في بيئتك المحلية ما يمكّنك من الوصول إلى هدفك، وظننت أنك فشلت، وأن ما تفكر فيه يحتاج إلى خلق مجتمعات عالمية جديدة، يجتمع فيها مواطنوها بناءً على توفّر مشتركات محددة بينهم، ويتجاوزون عبرها كل حيثيات المواطنة التقليدية، ويبتعدون فيها عن كل أشكال ومسبّبات الاجتماع السابقة، كالانتماء السياسي، أو المجال العلمي، وغيرها، ليتركز جهدهم كله على اعتبار الأفكار هي بطاقة الهوية، وهي وثيقة العبور، وهي مجال العمل.

إذا حدث معك كل ما سبق، ومازلت تفكر بالأمر وتظنه شبه مستحيل، فأعلم بأنك لا بد ستجد نفسك عاجلاً أم آجلاً مواطناً في مجتمع “تيد”، فهو “مجتمع عالمي يرحّب بالأفراد من جميع التخصصات والثقافات ممن يسعون إلى فهم أعمق للعالم”.

قاطرة تنطلق

نحن الآن في العام 1984، كل شيء يجري في عالم التقنيات المعاصر يوحي بأن العالم كله قاب قوسين أو أدنى من ثورات تقنية متلاحقة، لن تبقي على أيّ شكل من الأشكال التقليدية السابقة في عالم الاتصالات أو الإعلام، وبالتالي فإن قاطرة تتأهب للتحرك ستجر وراءها كل من يرى العالم متغيراً، ولن تقدر على تحريك أيّ ممن لا يدرك بأن عليه الالتحاق بركب التغيير. ولكن ثمة شيء ينقص المشهد، لا يمكن للميديا التقليدية، وحتى تلك التي تتماهى في عملها مع القفزات العلمية والمعرفة، أن تفعله، ألا وهو القدرة على جمع أصحاب الأفكار الثورية التخصصية في مكان واحد، كي يتمكنوا من التواصل فيما بينهم أولاً، والاجتماع مع الممولين الذين ينقبون عن طرق جديدة للاستثمار في الأفكار الجديدة.

يستشعر المصمّمان الأميركيان ريتشارد وورمان وهاري ماركس وجود هذا النقص في المشهد التقني والعلمي حولهما، فيقومان بدعوة نحو 250 شخصاً عملوا على أفكار أصلية ومبتكرة جداً في تلك الفترة، للاجتماع في مؤتمر واحد تحت شعار “أفكار جديرة بالنشر”، عرضوا فيه الأفكار التي تختمر في عقولهم وتهدف إلى تغيير العالم. وقد كانت غالبية الأفكار التي قدمت في المؤتمر تتعلق بقضايا التقنيات، وهكذا وضمن محددات كلمات ثلاث هي تكنولوجيا وترفيه وتصميم ولدت كلمة (تيد) التي تشكّل من الحروف الأولى للكلمات الثلاث باللغة الإنكليزية.

تمت برمجة المؤتمر في العام 1984 كحدث يعقد لمرة واحدة، ولكن منظميه عاودوا إقامته في العام 1990، حيث أصبح منذ ذلك الوقت مؤتمراً سنوياً تجتمع فيه نخب فكرية في كافة المجالات، وتم توسيع طيف الاهتمامات بعد أن كان في البداية محصوراً بالقضايا التقنية. في العام 2005 أضاف منظمو المؤتمر إلى تفاصيله ثلاث جوائز سنوية من تيد قيمتها 100 ألف دولار لمساعدة الفائزين بها على تحقيق حلمهم في تغيير العالم. لكن آلية منح الجائزة تغيّرت في العام 2010، حيث باتت تمنح لفائز واحد فقط في سبيل “ضمان أن تيد ستتمكن من تحقيق أقصى قدر من الجهود يمكن بذلها في تحقيق رغبة الفائز”، حيث تم رفع قيمة الجائزة في العام 2013 إلى مليون دولار.

ما الذي يجري في المؤتمر

مؤتمر تيد يدعو أشخاصا محددين للمشاركة في جلساته التي تعقد على مدار أربعة أيام، على ألا يكون الحضور مجانيا، بل يتكفل المدعو بدفع ثمن مشاركته، حيث تتكفل المبالغ بتغطية تكاليف عقد المؤتمر
كيف تصبح مشاركا في مجتمع تيد
أن يحمل المرء أفكاراً مختلفة أو جديدة في مسار ما، هو أول الخطوات للمشاركة في مجتمع تيد، ولكن هذا لا يكفي، إذ تُوجب مسألة المشاركة توفر مجموعة من الميزات لدى من يـريد القيام بذلك، وذلك من أجل أن يتمكن المشارك من الوصول إلى الهـدف الذي يأمله من دخـوله هذا المجتمع.

وهكذا صارت عملية تدريب الطامحين جزءا من عمل مدربي التنمية البشرية، ومادة مثيرة على مواقع النت وشبكات التواصل الاجتماعي تجذب الكثير من الزائرين، ويفرد القائمون على عملية إنشاء القدرات لدى الراغبين مساحة للتطوير الذاتي، والتي تشمل تحفيز قدراتهم على مخاطبة الجمهور، وأيضاً تملك الأدوات المناسبة التي تقصّر المسافة بين عقولهم وأفكارهم وبين المتلقين الذين سيكون لموافقتهم على ما يطرحه المشارك تأثير كبير على مستقبله الشخصي، في حال تمّ تبنّي مشروعه، من قبل أصحاب الشأن.

ومن ضمن برنامج التدريب ثمة مجموعة من القواعد التي يتوجب على المشارك اتّباعها، والتي تتضمن تحذيرات مهمة في سياق إعداد الخطاب، وهي بنود يجدها الراغبون على موقع تيد الرسمي بالـلغة الإنكليزية، كما قام عدد من المتبرعين بجهودهم بإعداد ما يشـبهها، بناء على تحـليلهم للخـطابات المـهمة التي حقـقت شعـبية عـالية ضـمن منـشورات تيد.

ومن بين هذه الفقرات التدريبية يمكن التوقف عند سبعة دروس تدريبية قام المدرب أحمد مجدي بنشرها على شبكة لينكد إن أوجزت على شكل نصائح هي:

* اجعل عروضك بصرية

* اجعل عرضك شخصياً

* فاجئ جمهورك بشيء غير متوقع

* تحدث وتدرب دائماً في ما تعشق وتؤمن

* احكِ العديد من القصص

* الممارسة إلى حد الملل

* تعلم كيف توصل أفكارك في أقل وقت.

ينطلق خطاب مؤتمر تيد السنوي من هدف أساسي يقول فيه أصحاب المشروع “نحن نؤمن بحماسة بقدرة الأفكار على تغيير التصرفات، الحياة، وفي النهاية قدرتها على تغيير العالم. لذا فإننا نبني هنا مكاناً لتبادل المعلومات لنوفر المعرفة المجانية والإلهام من مفكري العالم الأكثر إيحاء، ومن مجموعة من الأرواح المتعطشة لمشاركة الأفكار مع الآخرين”.

وضمن هذا التوجه يدعو المؤتمر أشخاصاً محددين للمشاركة في جلساته التي تعقد على مدار أربعة أيام، كما أن الحضور ليس مجانياً، بل يتكفل المدعو بدفع ثمن مشاركته، حيث تتكفل المبالغ بتغطية تكاليف عقد المؤتمر، وتأمين مبالغ دعم أصحاب الأفكار الفائزين، وخلال انعقاد المؤتمر يُمنح المشاركون فرصة عرض أفكارهم وطروحاتهم من خلال التحدث أمام الجمهور، لمدة 18 دقيقة، وبالتأكيد فإن تحديد الوقت بهذا الشكل يهدف في جانب أساسي إلى إتاحة المجال لكلّ المشاركين في التعبير عن أفكارهم، وهو يشكل اختبارا لقدرة أصحاب القضايا على طرح ما يريدونه بشكل مختصر ومفيد يصل إلى المعنيين بأفضل صياغة ممكنة.

المحاضرات التي كان المؤتمر يقوم بنشرها بعد انتهاء أعماله، باتت تنشر مصوّرة وبشكل كامل على شبكة الإنترنت منذ عشرة أعوام، مترجمة إلى العديد من اللغات، وقد أظهرت إحصائيات الأرقام نمواً متسارعاً في عدد الأشخاص الذين يقومون بمشاهدة محاضرات تيد. زيارة موقع المؤتمر توضح للمتابعين تنوعاً كبيراً في المجالات والاختصاصات التي يأتي منها المشاركون، فالمشروع لم يعد مجرد منصة للأفكار التقنية، بل بات مساحة للتداول بكل القضايا التي تهم الإنسان المعاصر، ونظراً لكثافة المحاضرات المنشورة وتنوع اهتماماتها، صارت عملية التصنيف والنشر المنقول عن الموقع تتبع بدورها أهواء وهواجس المهتمين، إذ بات من الطبيعي أن تصادف القارئ مختارات منقولة من موقع تيد، هنا وهناك.

أفكار تيد

وإذا أخذنا عيّنة من الموقع بحسب اللغة العربية كمثال سنرى كيف أن تصنيفات الأفكار المطروحة تتوسع كل سنة، فمن المواضيع السياسية الراهنة ذات المنظور الشبابي كالحديث عن “سر المقاومة السلمية الفعالة”، إلى قضايا الإرهاب في محاضرة تحمل عنوان “نجوت من هجوم إرهابي. هنا ما تعلمته”، إلى البحث عن الأسباب المبهمة للحروب في محاضرة حملت عنوان “كيف وضعت العمارة في سوريا حجر الأساس للحرب الدامية”، إلى الحديث عن إنجازات الصحافة الاستقصائية في محاضرة “كيف أحدث صحفيو وثائق بنما أكبر تسرب في التاريخ”، إلى الحديث عن قضايا البيئة والطب والفضاء والزراعة والصناعة، وقضايا تخص الإنسان بذاته وتقرأ تطور أفكاره، إلى عوالم الفن والثقافة، فضلاً عن مساحات غير قليلة تتعاطى مع القضايا الاستهلاكية الراسخة في عالمنا المعاصر كالاهتمام بالأزياء والسلع وغير ذلك، كل هذا بات الآن يجتمع في موقع تيد، ليكون وعلى هذا النحو أكبر منصة تعليمية تفاعلية ذات امتداد عالمي متاحة أمام الجمهور، بعيداً عن المنصات الأكاديمية وغيرها.

لم يعد مؤتمر تيد مجرد حدث أميركي، حيث أضاف أمينه الصحافي البريطاني كريس أندرسون، مؤتمراً شقيقاً هو تيدكس العالمي، الذي تمت برمجته لعدة سنوات. وفي العام 2009 بدأ تيد وبحسب موقعه الرسمي بمنح تراخيص لأطراف ثالثة مستقلة لتنظيم مؤتمرات تيدكس على الصعيد الدولي ضمن صيغة تحظر على هذه المؤتمرات التربح من نشاطها، مع إمكانية فرض رسوم تبلغ قيمة الـ100 دولار كحد أقصى، تدرج ضمن مبالغ تغطّي تكاليف تنظيم المؤتمر.

ثمة شيء ينقص المشهد لا يمكن للميديا التقليدية، وحتى تلك التي تتماهى في عملها مع القفزات العلمية والمعرفة، أن تفعله، فلا تتوفر لديها القدرة على جمع أصحاب الأفكار الثورية التخصصية في مكان واحد، كي يتمكنوا من التواصل في ما بينهم

ورغم أن تراخيص مؤتمرات تيدكس مجانية، إلا أن القائمين على مؤسسة تيد يقومون بفحصها قبل منح الامتياز كونه يخضع لشروط من مثل عدم دفع تيدكس أيّ مبالغ للمتكلمين، كما توجب موافقة تيد على تيدكس إعطاء الحق في تحرير وتوزيع تقديمها بموجب ترخيص التشارك الإبداعي. وبحسب الأرقام فإنه يجري تنظيم خمس فعاليات تيدكس في المتوسط يومياً، في 133 بلدا حول العالم.

وفي العام 2012 أطلقت مؤسسة تيد برنامجها الخاص بالزمالات الموجه للجيل القادم من المبتكرين المتميزين والذين يهدفون إلى التغيير بشكل إيجابي في العالم، وللمفكرين الشباب أعمار تتراوح ما بين 21 و40 سنة والذين ينحدرون من أفريقيا، آسيا، المحيط الهادئ ومنطقة البحر الكاريبي، وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. والبرنامج الخاص موجه بشكل رئيسي أيضاً للناشطين في مجالات التكنولوجيا والترفيه والتصميم والعلوم والهندسة والعلوم الإنسانية والفنون والاقتصاد والأعمال والصحافة وريادة الأعمال والمنظمات غير الحكومية.

زملاء تيد حول العالم

يتيح البرنامج للراغبين تعبئة الاستمارات للمشاركة في مؤتمر تيد العالمي، وبحسب المؤسسة فإن المقبولين في برنامج زمالة تيد بدخول جميع أنشطة المؤتمر وورشات العمل المرافقة له وسوف يمنحون فترة زمنية للمشاركة بآرائهم على منصة مؤتمر تيد. الهدف من هذه الزّمالة في الأساس وكما جاء في الإعلان الخاص بها، هو تقوية الزملاء من أجل توطيد علاقات وصلات فعالة، من أجل نشر فكرهم وعملهم حول العالم، ويركّز برنامج زمالة تيد عادة على استقطاب الخبرات والأفكار من المناطق الخمس الرئيسية في العالم المشار إليها أعلاه.

البرنامج يبحث عن المفكرين الاستثنائيين الذين قاموا بإنجازات استثنائية في حقول عملهم، ويركز عادة على المخترعين في مجال التكنولوجيا والترفيه والتصميم والاختراعات والأفلام والموسيقى والأعمال الخيرية المجتمعية والمبادرات العصامية من بين الحقول الأخرى. وضمن برنامج الزمالة يحصل المقبولون على حقّ الدخول إلى مؤتمر تيد بالإضافة إلى تذاكر السفر والإقامة طيلة فترة انعقاده، كما يشارك المقبولون في برنامج تحضيري يستمر لمدة ثلاثة أيام قبل المؤتمر لكي يتم توجيههم وإرشادهم من قبل النخبة المختصة في بناء المهارات وتوطيد العلاقات وعرض الأفكار.

14