تيرانا مدينة حُرمت من جمالها لتعيش في الروايات

أنور خوجة سيج بالأسلاك الشائكة بلدا، صار سكانه سجناء أبديين طوعا وكُرها، وبدل من أن تحررهم الاشتراكية العلمية وضعتهم في قفص كئيب اسمه البانيا.
الأحد 2019/07/21
موعد مع شمس لن تشرق

ما بين الروائي إسماعيل كاداريه والزعيم أنور خوجة خصام الأدب والسياسة. غير أن كل واحد منهما صنع التاريخ بطريقته الخاصة. كل ما أراه من حولي في تيرانا كنت قد رأيته في أوقات سابقة، لكن عن طريق عيني الداخلية. لقد ألف كاداريه الحكاية التي أضفى خوجة عليها طابعا لا ينتمي إلى زمن بعينه.

زمن خوجة هو زمن الفكرة الواحدة والرجل الواحد وهو زمن القسوة الذي سيج بالأسلاك الشائكة بلدا، صار سكانه سجناء أبديين طوعا وكُرها. بدلا من أن تحررهم الاشتراكية العلمية وضعتهم في قفص كئيب اسمه البانيا.

ذلك البلد الصغير الذي يمكن أن تمر به الطائرة من غير أن تشير إليه خرائطها وضعه كاداريه على جدول انتظار جائزة نوبل من غير أمل في الحصول عليها غير أن أنور خوجة شكل نهاية ستينات القرن الماضي خرقا في فهم الشيوعية الدولية وهو ما جعل البعض يرنو إلى الأفق في انتظار أن تشرق شمس العدالة الأخيرة من تيرانا.

أنا في تيرانا ولا أصدق أن جيلا من الشعراء الغاضبين كان يحلم  بزيارتها باعتبارها أرضا مقدسة. الحقل الذي يثمر فيه عرق العمال والفلاحين فاكهة ذهبية. تفاجئك تيرانا كما لو أنها ليست جزءا من أوروبا. حالها لا تسر. فهي من أفقر القرى هناك. سيكون ارتباطها بالبلقان بارتباكه عبر التاريخ مؤشرا على اختلافها. غير أن البانيا التي عاشت في ظل خوجة أكثر من أربعة عقود أنشأت أنفاقا سرية لكآبة البلقان التي ستكون مصدر سحر في الكتابة والحكم على حد سواء.

مَن ينسى ذلك الأب؟

تيرانا تفاجئك كما لو أنها ليست جزءا من أوروبا. حالها لا تسر. فهي من أفقر القرى هناك. وسيكون ارتباطها بالبلقان بارتباكه عبر التاريخ مؤشرا على اختلافها.
تيرانا تفاجئك كما لو أنها ليست جزءا من أوروبا. حالها لا تسر. فهي من أفقر القرى هناك. وسيكون ارتباطها بالبلقان بارتباكه عبر التاريخ مؤشرا على اختلافها

ليس بالضرورة أن يكون البلد جميلا لكي تحبه ويأسرك. البانيا ليست جميلة مثل نسائها. ولكن كيف حافظت المرأة الألبانية على جمالها في ظل كل تلك القسوة؟ سيضحك خوجة في قبره. فهو يعتبر ذلك أحد منجزاته. شيوعيته الخاصة تهب الجسد جمالا من نوع آخر.

خوجة الذي لا يعرفه أحد يمكن التعرف عليه من خلال المباني التي لا تزال قائمة. وهي مباني الاشتراكية المتجهمة التي هي أشبه بالمعاقل. لا يمكنك أن تفرق بين المدرسة والمصنع والمكتبة والمعسكر والمقر الحزبي. بنايات متشابهة تراها في كل مكان وعليك أن تسأل عن وظيفتها. لم تكن لدى خوجة فكرة عن الخيال المعماري. كل الأبنية التي تعود إلى عصره وهي لا تزال ماثلة لا تفصح عن نزعة خيالية. فهي بالرغم من تحصنها بهيبة الدولة العنيفة لا تخفي سوقيتها وابتذالها الذي يذهب إلى نهاية الشارع كما لو أنه طفل معتوه يتباهى بعريه. إنها في أحسن أحوالها تصلح أن تكون سجنا. ربما كانت تلك الفكرة هي ما تروق لخوجة الذي لا يذكره أحد الآن.

“كما لو أنهم نسوه” أقول لنفسي بشيء من السخرية. “لا يُنسى الأب” أضيف بقدر من اللوعة. لو أنه استمر بائع تبغ وقد كانت مهنته في واحدة من مراحل حياته أو اتبع والده في تجارة القماش. تلك جملة لا قيمة لها. فالرجل صار اليوم جزءا من تاريخ البانيا التي أخرجها من العصر العثماني ليدخلها إلى عصره. لقد فعل خوجة أشياء، فتحت أبواب العصر الحديث أمام بلاده. مساواة المرأة والتعليم والعناية الصحية. غير أنه في المقابل فعل أشياء أغلقت على باب أبواب العزلة، ما سبب لها الكآبة المزمنة.

البانيا بجمال طبيعتها ونسائها بلد كئيب. يحبها المرء لأنها بلد كئيب. كان إسماعيل كاداريه شقيا في البحث عن أسباب تلك الكآبة التاريخية. غير أن خوجة “لقب يعني الحاج” وقد طابت له فكرة أن يتسلى شخصيا

باختراع أسباب جديدة لتلك الكآبة عرف أن الخوف من العالم الخارجي يمكن أن يعينه على الحكم. لقد أجهد نفسه في ابتكار الوسائل التي تخلق شعبا خائفا. بحيث قضى الألبان أربعة عقود وهم لا يعرفون شيئا عن تلك القوى التي تخيفهم. أشباح ليس لها شأن في الحياة سوى الحديث بلغة العقائد.

الذهاب المبكر إلى النوم

زمن أنور خوجة هو زمن الفكرة الواحدة والرجل الواحد الذي سيج بالأسلاك الشائكة بلدا صار سكانه سجناء أبديين طوعا وكُرها. وبدلا من أن تحررهم الاشتراكية العلمية وضعتهم في قفص كئيب اسمه البانيا.
زمن أنور خوجة هو زمن الفكرة الواحدة والرجل الواحد الذي سيج بالأسلاك الشائكة بلدا صار سكانه سجناء أبديين طوعا وكُرها. وبدلا من أن تحررهم الاشتراكية العلمية وضعتهم في قفص كئيب اسمه البانيا

هناك جيل لا يعرف مَن هو خوجة. ليس هناك ما يُشير إليه. إسكندر بيك أكثر شهرة منه. تلك واحدة من الحكايات التي يمتزج فيها الوهم بالحقيقة. لا يكذبها التاريخ، غير أنه لا يؤكد مبالغاتها. تمثال إسكندر بيك يقع في وسط المدينة. هناك ساحة تحمل اسمه.

في محيط تلك الساحة تنتشر المقاهي والحدائق والحانات والمطاعم والمخازن التجارية والنافورات وشوارع المشي. المدينة التي هي ليست هي. قليل من ريفيتها يتدثر بالكثير من مظاهر المدنية التي يسعى شباب تيرانا إلى الانغماس فيها بحثا عن حياة معاصرة، تبدو الطريق إليها طويلة بسبب خراب، لا تبدو ملامحه واضحة. هو ذلك الخراب الذي تركته لمسة الأب الميت الذي لم يرثه أحد.

تيرانا ليست مدينة متصلة. لا تترابط أحياؤها بعضها بالبعض الآخر. إنها تكوين عشوائي مفكك. البيوت التي لا يبدو عليها ترف كثير في ضواحيها لا يلتصق بعضها بالبعض الآخر. هناك مسافة واضحة تفصل بين البيت والآخر. أعتقد أنها مسافة نفسية. هل هو الخوف منعكسا على هيأة سلوك جغرافي؟ قلت لحسونة المصباحي “التقط لي صورة على الجسر” وكان جسرا صغيرا. ومن أجل أن يثبت مهارته في التصوير استغرق وقتا طويلا من أجل أن يلتقط صورتين.

 في تلك الأثناء لم يمر أحد كما يحدث عادة في المدن الأوروبية. قلت له “ألم تلاحظ أن ليس هناك ازدحام مروري؟“ قال “عدد السيارات قليل في البلد”. تيرانا مدينة هادئة، يغلب عليها السكون في كل أنحائها. فإذا كان مركز المدينة لا يعمه الصخب فكيف هي الحال في الضواحي؟

يذهب الألبان إلى النوم مبكرين وليست لديهم عادة التلصص من خلف النوافذ. علينا أن نستعيد حكايات الأطفال. يُحيل إلي أن تيرانا لا تزال طفلة. إنها طفلة البلقان التي أدارت ظهرها للعالم.   

ولذلك فإن كل الوصف الخارجي قد يخونها. يخون حقيقة المدينة التي تجنبت الحروب عن طريق العزلة. وهو ما يمكن أن يُحسب لأنور خوجة لا عليه.

أين يختبئ الجمال؟

الألبان لدى أديبهم الكبير كاداريه أجوبة عديدة على أسئلتهم. فهو قرأ تاريخ بلاده الصغيرة. عرفها مثلما يعرف باطن يده. الكثير من أحلامها لا تزال مخفية بين سطور رواياته
الألبان لدى أديبهم الكبير كاداريه أجوبة عديدة على أسئلتهم. فهو قرأ تاريخ بلاده الصغيرة. عرفها مثلما يعرف باطن يده. الكثير من أحلامها لا تزال مخفية بين سطور رواياته

أمشي في دروب المدينة التي كانت تُسمى في الماضي مدينة المساجد ولا أرى أثرا لتلك المساجد إلا في الضواحي. أربعون سنة من الحروب العقائدية المغلقة لم تبق شيئا من العلاقة بالسماء.

لقد اكتشف الألبان أن الأنفاق التي أنشأها نظام خوجة استعدادا للحرب النووية لم يكن لها معنى. أما أن يصنعوا منها متاحف فهي فكرة لا تنطوي هي الأخرى على معنى من نوع ما. ولكن العبث الذي دمر علاقتهم بالسماء لا يزال قائما بل ومهيمنا على طريقة تفكيرهم.

كان من الممكن أن تكون تيرانا جميلة. ولكن كيف؟ 

لدى أديبهم الكبير كاداريه أجوبة عديدة على سؤال من ذلك النوع. فهو قرأ تاريخ بلاده الصغيرة. عرفها مثلما يعرف باطن يده. الكثير من أحلامها لا تزال مخفية بين سطور رواياته. الألبان محظوظون إذ وهبهم القدر روائيا كبيرا هو مفاجأة قياسا لعدد السكان ومساحة البلاد. غير أن العبقرية تفلت من المعايير الجاهزة. غير أن ما يمكن قوله إن بلدا مثل البانيا حُرم من الحياة الطبيعية لعقود طويلة وهبه القدر كاتبا يلهمه حياة على الورق.

9