تيرنس ديفيز المولع بالتطلع إلى الماضي

الأحد 2016/03/06
ديفيز انتقل إلى عالم الأدب في \"أغنية الغروب\"

شهد مهرجان برلين السينمائي الأخير العرض العالمي الأول لفيلم “عاطفة هادئة” A Quite Passion للمخرج البريطاني الكبير تيرنس ديفيز. وكان مهرجان لندن السينمائي قد عرض فيلمه السابق “أغنية الغروب” (2015)، أي أن ديفيز الذي لم يكن قد أخرج سوى ستة أفلام روائية طويلة وفيلما تسجيليا طويلا و3 أفلام قصيرة منذ أن بدأ الإخراج السينمائي عام 1976، انتفض فجأة فأخرج فيلمين في أقل من سنة واحدة، ليصبح رصيده ثمانية أفلام روائية طويلة.

ولعل ما يلفت النظر في فيلمي ديفيز الأخيرين أن هذا المخرج المتمرّد على الفيلم التقليدي، صاحب الأسلوب الشعري المميز، يعود في هذين الفيلمين إلى عالم الأدب، فهو يستمد “أغنية الغروب” من رواية الأديب الإسكتلندي لويس غيبون التي تدور أحداثها في مزرعة بإسكتلندا في أوائل القرن العشرين، بطلتها فتاة تفضل إنكار ذاتها من أجل الحفاظ على كيان الأسرة في ظروف شاقة، ويستند الفيلم الثاني إلى حياة وأشعار الشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون من القرن التاسع عشر، التي عرفت بتزمتها البيوريتاني وانطوائها الاجتماعي، رغم موهبتها الشعرية النادرة، التي لم يعرفها العالم سوى بعد وفاتها في 1886.

يطغى الطابع الأدبي على الفيلمين، ولكن دون أن يغيب تماما عن كليهما الاهتمام بالشعر، سواء على مستوى الصورة، أو على مستوى البناء. ولا تغيب عنهما أيضا الفكرة المؤرقة لديفيز منذ بداية عمله بالسينما، أي علاقة الفرد بالعائلة. فقد كان دائما مهموما بالذاكرة، بالعنف العائلي، وأساسا بالعائلة كأساس اجتماعي صلب يجسد من خلاله التغيّرات التي تحدث في المجتمع الكبير.

الأصوات البعيدة

فيلمه الروائي الطويل الأول “الأصوات البعيدة.. مازال حيا” (1988) عمل لا يشبه غيره من الأفلام. إنه عالم بصري وسمعي قائم بذاته. وقد جرى تصويره على مرحلتين يفصل بينهما عامان، على أن يكون العمل ضمن فيلمين مختلفين، وباستخدام نفس الممثلين. ولكن ديفيز قرر الجمع بينهما في فيلم واحد (85 دقيقة) ورغم تناوب اثنين من المصورين العمل فيه إلا أنه جاء منسجما ومتناغما بشكل مدهش حقا.

تيرنس ديفيز.. مهموم بالأسرة كشاهد على التغيرات الاجتماعية

تدور أحداث الفيلم في الأربعينات والخمسينات، لكنه ليس فيلما عن الماضي رغم ما يشيع فيه بالضرورة من نفس نوستالجي واضح. وهو يعبر عن جانب مهمّ في حياة مخرجه ومؤلفه ديفيز نفسه، إلا أنه ليس فيلما من أفلام السيرة الذاتية، كما أنه يحتوي على الكثير مما تختزنه ذاكرة مخرجه، ورغم ذلك ليس من الممكن اعتباره فيلما من أفلام الذاكرة.. تدور أحداث الفيلم في بلد المخرج أي ليفربول في شمال إنكلترا، والمكان في الفيلم يكتسب أهمية خاصة بسبب سماته المميزة وطبيعة العلاقات في محيطه الاجتماعي خلال تلك الفترة، ومع ذلك نحن لا نستطيع أن نلمّ بالمكان سوى من خلال اللهجة التي تتحدث بها شخصيات الفيلم. ويمكن القول إن الفيلم مزيج من السيرة الذاتية والذكريات عن العصر المميّز بفنونه الشعبية الشائعة، كما أنه فيلم عن تعاقب الزمن ومروره وتأثيره علينا جميعا.

يدور القسم الأول من الفيلم “الأصوات البعيدة” حول أسرة عمالية كاثوليكية تقطن أحد الأحياء الشعبية، مكونة من الأب والأم والابنتين والابن. يشترك أفراد هذه الأسرة جميعا في المعاناة بسبب فظاظة الأب السكير وقسوته وتسلطه، وتماديه في تعذيب أقرب الناس إليه، وهم أبناؤه وزوجته. ولكن شخصيته لا تخضع هنا للتحليل النفسي، بل تقدم كجزء من ذلك الزمن، من تلك الفترة التي مضت. والفيلم عبارة عن احتفال هائل بالزمن، بكل ما فيه من جمال وبؤس، خير وشقاء. وهو دعوة إلى فهم الحاضر في ضوء الماضي.

ليس هناك بناء درامي تقليدي، فأسلوب السرد لا يعتمد على الحبكة، ولا على التحليل الاجتماعي الطبقي الذي يدور حول علاقة الطبقة العاملة بغيرها من الطبقات في المجتمع البريطاني المعقد، بل على تكوين فسيفسائي يتكوّن من ذرات دقيقة وشرائح عابرة ومواقف متفرقة مبعثرة هنا وهناك، كما لو كانت تنبع من تداعيات الذاكرة الشخصية للمخرج نفسه.

يصوّر الفيلم شذرات من الصراع بين الأبناء وأبيهم الشرس، ثم يتوقف أمام ذكرى رحيله المفاجئ في ليلة زفاف ابنته الكبرى.. ورغم غيابه عن الحفل إلا أنه يظل موجودا في ذاكرة الجميع.

القسم الثاني “مازال حيا” يصور كيف تتقدم الأم في العمر مع مرور الزمن، تراقب أبناءها يكبرون أمام عينيها، يشقّون طريقهم في الحياة، تتزوّج الابنتان من رجلين أقل تطرّفا في القسوة من الأب الراحل، لكنهما صورة أخرى منه في الفظاظة والغلظة، وكأنه قدر ومكتوب.

يسود الفيلم الغناء، فالأسرة تغني في جميع المناسبات، وكأنها بالغناء البديع وتذكّر كلمات الأغاني القديمة واستعادتها في هارمونية رائعة، تتغلب على قسوة الزمن، نرى أفراد الأسرة جميعا يغنون غناء جماعيا في الاحتفالات والأفراح، والأعياد، في اللقاءات الخاصة مع الضيوف والأصدقاء، أو عندما يجتمع شمل الجميع مع الأصدقاء والصديقات في الحانات الشعبية. إنه احتفال كبير بأغاني الفترة، بأفلام هوليوود الرومانسية، وبالموسيقى الشعبية والرقص.

السينما تلعب دورا كبيرا في تشكيل وعي البطل في "إنجيل النيون"

منذ هذا الفيلم سيتميز أسلوب تيرنس ديفيز السينمائي بالاهتمام الكبير بالإضاءة، بحيث تلعب دورا أساسيا في التعبير عن المشاعر الخفية، وبالحركة الطويلة البطيئة للكاميرا، وهي تمرّ على الجدران بما عليها من صور، ثم تستقرّ عند أسفل الدرج، وهنا تتعالى الأصوات من الغرف العلوية للمنزل، تعيد إحياء المكان المهجور بالذكريات. وهناك لقطة أخرى طويلة تتحرك خلالها الكاميرا على نوافذ البيوت المتجاورة إلى أن تستقرّ على نافذة في منزل الأسرة، نرى الأب من خلالها وهو يقوم بتنسيق شجرة عيد الميلاد في الداخل.

اليوم الطويل

وفي فيلمه التالي “خاتمة اليوم الطويل” (1992) الذي ينتمي إلى السينما الشاعرية يواصل تيرنس ديفيز ما بدأه في فيلمه الأول فهو يستخدم البطل الصغير نفسه “بد” المعادل الدرامي لشخصية ديفيز نفسه خلال فترة طفولته، لا من أجل أن يكمل ما بدأه في فيلمه السابق، بل لكي يرينا الجانب الآخر من رؤيته، الجانب الأكثر إشراقا وتألقا ومرحا، رغم بقاء بعض الظلال القاتمة كامنة في الخلفية.

والفيلم يعتمد في الأساس على تكثيف لحظات ومواقف تركت تأثيرها الكبير على ذاكرة الفنان، لحظات فيها من الواقع بقدر ما فيها من الخيال، خيال طفل كان في العاشرة من عمره في منتصف الخمسينات، الفترة الزمنية التي تدور فيها أحداث الفيلم.

في “أصوات بعيدة” كان ديفيز يبوح ويعترف لنا بفترة تركت تأثيرها عليه وهو بعد طفل صغير. كان محور هذا الشقاء هو “الأب”، بشخصيته المتطرفة المسرفة في القسوة على أبنائه وزوجته، لا لسبب سوى لأنه لم يكن هو شخصيا يشعر بالأمان. وفي “خاتمة اليوم الطويل” يعود المخرج مرة أخرى إلى اقتباس لحظات تتميز بالطابع اللطيف المرح في طفولته. الآن استقرّ مع والدته وشقيقاته في منزل آخر في ليفربول، وأصبح ما يشغله أكثر ويستقطب اهتمامه هو ما يحدث حوله في المدرسة؛ مشاجرات التلاميذ، ميله الفطري إلى الهدوء والجنوح إلى المسالمة يجعلانه أكثر عرضة لإيذاء الزملاء، وكذلك بدء ظهور أحاسيسه الخاصة تجاه المرأة، وما يحدث للجيران والأصدقاء.

هنا نلحظ احتفالا كبيرا بالذكريات دون تحميلها طابع النقد أو الغضب. والمكان هنا أكثر بروزا أيضا. ودائما هناك علاقة وثيقة بين الناس والأماكن: الشوارع، البشر، المطر الذي يتساقط في رقة، والغيوم المحلقة في سماء المدينة، الحانات، الطرقات، السلالم، المدرسة، ودار السينما التي كان بطلنا يتردد عليها مع أمه أسبوعيا. وتصبح أغاني الفترة بالضرورة جزءا أساسيا من “الذاكرة”، نسمعها في الحانات، وتتردد أثناء الاحتفالات الأسرية والمناسبات العامة والأعياد.

إن كل شيء مكرس هنا لتحقيق رؤية بصرية تقوم أساسا على التكوين الدقيق للقطات وعلى الحركة الطويلة للكاميرا التي قد تمتدّ من الخارج إلى الداخل، من الأعلى إلى الأمام ثم تهبط إلى أسفل، أو تمرّ على جدران المنزل بكل ما بقي معلقا عليه من صور.

سطوة الأب وذكريات الماضي في "الأصوات البعيدة"

إنجيل النيون

فيلمه الثالث “إنجيل النيون” (1995) يدور في الجنوب الأميركي في بداية الأربعينات، وبطله طفل صغير يعيش حياة قاتمة في إحدى القرى المتزمتة المعروفة بتمسكها بالكنيسة، ولو من الناحية الظاهرية، لأن المعادل المباشر للكنيسة أي الرحمة والتعاطف، مفقودان تماما في نسيج العلاقات الاجتماعية داخل القرية.

يبدأ الفيلم بحركة رصينة للكاميرا داخل قطار نرى فيه بطلنا ديفيد ابن الخامسة عشرة من عمره يرحل بعيدا عن البلدة التي نشأ فيها وظل حبيسا داخل جدران واقعها المرير. ثم يعود بنا الفيلم إلى ما قبل خمس سنوات مضت من عمر بطلنا في مشاهد فلاش باك بطول الفيلم كله تقريبا، لكي نرى مشاهد من ذاكرة البطل الذي يعيش مع أمه المريضة الضعيفة، وأبيه السكير القاسي غليظ القلب الذي يضرب الأم كل ليلة لكي يحصل على ما بقي معها من قروش قليلة لكي يواصل احتساءه للشراب. تبدو الدنيا مظلمة في وجه ديفيد الذي يحب أمه حبا جما، ولكنه لا يستطيع التصدي للأب القاسي الغليظ (الثيمة نفسها في الفيلم الأول لديفيز).. إلى أن تأتي لحظة الاستنارة في حياة البطل الصغير مع وصول الخالة ماي لكي تعيش مع الأسرة. وماي التي تجاوزت الأربعينات من عمرها كانت في الماضي مغنية وراقصة في الحانات الليلية، مليئة بالمرح وحب الحياة، وتصبح منذ لحظة وصولها ملهمة لخيال الفتى الانطوائي، يرافقها أينما ذهبت رغم ضيق الأب وتبرّمه بالأمر.

ومع دخول أميركا الحرب العالمية الثانية، يذهب الأب إلى الحرب ولا يعود أبدا، وتتدهور الصحة الجسدية والعقلية للأم. وبعد أن ينهي ديفيد دراسته الابتدائية يلتحق للعمل في وظيفة بائع في حانوت كبير ويقوم بمساعدة أمه المريضة المعتكفة، يتعرف على فتاة في مثل سنه، لكن سرعان ما تنتهي علاقته بها. وعندما تحصل خالته على عرض للغناء في ناشفيل وتقرر الرحيل، تعرض على ديفيد الذهاب معها، ويقاوم هو المشدود إلى عالمها بخيوط سحرية، الرغبة مفضلا البقاء مع أمه التي تراودها بين حين وآخر نزعات انتحارية. ومع رحيل الخالة التي كانت دائما تحلم باستعادة ماضيها المزدهر في الغناء بالنوادي الليلية، يكون ديفيد قد تغيّر ورأى البعد الآخر في الحياة، ذلك البعد المتفائل الجميل الذي يسرح فيه بخياله كل ليلة. وفي النهاية، يحزم أمره ويغادر القرية اللعينة.

في الجزء الأول من الفيلم ينجح تيرنس ديفيز في تصوير الأجواء التي برع من قبل في تصويرها: أجواء البلدة الكئيبة التي يمنحها ألوانا داكنة، وحركة الكاميرا الطويلة الرصينة المعقدة باستخدام الرافعات (الكرين)، لكي يصور لنا حياة النفاق التي يحياها أهل البلدة الذين لا يكفون عن التردّد على الكنيسة الموجودة في لقطات عديدة في الخلفية، وفي الوقت نفسه مواصلة اغتياب الآخرين والعبث المجنون. وفي الكثير من لقطات فيلمه يستخدم ديفيز الكاميرا المتحركة لخلق اللقطة/ المشهد، أي اللقطة الطويلة التي تستمرّ دون قطع، وهو الأسلوب الذي ميّز أفلامه من البداية.

ديفيز يبدو أيضا مهموما بالعامل الطبقي، فهو يشعر كأحد أبناء الطبقة العاملة في ليفربول، بالغضب من فكرة التهميش، والقبول بالأمر الواقع

عن الزمن والمدينة

في فيلمه التسجيلي البديع “عن الزمن والمدينة” (2008)، يربط ديفيز بين المدينة التي ولد ونشأ فيها وعرف السينما عند أبواب دور العرض القديمة فيها (مدينة ليفربول)، وبين الأحداث الكبرى التي شهدتها المدينة أو انعكست عليها، طوال الخمسينات والستينات، من الحرب الكورية إلى زواج الملكة إليزابيث الثانية، وينتقل من المدينة كساحة فسيحة مفتوحة على الدنيا عبر البحر، إلى كونها أقدم الكاتدرائيات الكاثوليكية في بريطانيا، وهنا يتطرق ديفيز إلى علاقته بالكاثوليكية، وكيف بدأ شكه فيها، ثم تمرده عليها وإلى أين انتهى.

يبدو ديفيز أيضا مهموما بالعامل الطبقي، فهو يشعر كأحد أبناء الطبقة العاملة في ليفربول، بالغضب من فكرة التهميش، والقبول بالأمر الواقع. ويتوقف طويلا ويكرر في لقطات منتقاة من الأرشيف ومن الجريدة السينمائية، أمام النمط المعماري الجديد الذي تبدو عمارته أقرب إلى عمارة السجون، والذي بدأ استخدامه في الخمسينات في ليفربول (وعموم بريطانيا في الواقع) لأسر الطبقة العاملة. المباني العالية ذات النوافذ الجهنمية المتعددة التي يتم عزل الأسر فيها، وقمعها بإخفائها عن الواجهات.

لكنه يتوقف أيضا أمام فريق “البيتلز″، وهو تعبير مجسد عن أبناء ليفربول الذين ثأروا لفقرهم وأصولهم وحققوا ما لم يحققه أحد في تاريخ الموسيقى البريطانية حتى وقتنا هذا.

يعلق ديـفيز على الفـيلم بصـوته الـشجي، الحزين حيـنا، والغـاضب حـينا آخـر، في تـدفـق وحـرارة وتلـقائية غير معـهودة في الأفـلام الوثائقية. إنه يصنع مع المـوسيقى الـتي يخـتارها بعـناية كبيـرة، ومع انـتـقالات المونتاج ولقـطاته المتعارضة المـتقابلة والأغاني الشائعة التي كـانت تشدّه في طفولته، عملا بديعا يـعكس الصراع داخل الفنـان الناتج عن ازدواجية الحب والكراهية، التي تولّدت منها أعـظم الأعمال الأدبية والفنية.

16