تيرنس ماليك: فيلسوف السينما الأميركية

الأحد 2015/05/03
مشهد هجوم الجراد للفتك بالطبيعة في فيلم "أيام السماء"

لم تعرف السينما الأميركية في تاريخها الطويل مخرجا سينمائيا يستخدم الوسيط، أي الفيلم، من أجل التعبير عن أفكار فلسفية مجردة تبحث في أصل الكون، وفي العلاقة بين الإنسان والله، وبين الإنسان والطبيعة، مثلما عرفت في شخص المخرج المرموق تيرنس ماليك (71 سنة).

فماليك يتجاوز كثيرا أقرانه من السينمائيين، كما أنه ينأى بنفسه عن الأضواء رغم كونه مخرجا ينتمي بلا شك، إلى سينما المؤلف، التي يكمن أساسها وجوهرها في عمل المخرج باعتباره النجم الأول.

درس ماليك الفلسفة، وعمل في مجال النقد السينمائي، قبل أن يخرج فيلمه الأول الطويل “البلاد السيئة” عام 1973. ولا شك أن دراسته الفلسفية تركت تأثيرها على أفلامه القليلة، فهو لم يخرج خلال اثنين وأربعين عاما، سوى سبعة أفلام. وقد انقطع عن الإخراج لفترات طويلة، لأنه كان مؤمنا بأن “هناك أشياء كثيرة أخرى في الحياة أهم من صنع الأفلام”، كما قال لسكورسيزي ذات مرة.

مرّ عشرون عاما بين فيلمه الثاني “أيام السماء” (1978) وفيلمه الثالث “الخيط الأحمر الرفيع” (1998)، ثم مرت ثماني سنوات بعد فيلمه هذا والفيلم الذي أخرجه بعده وهو “العالم الجديد” (2005). ولكنه فجأة بعد أن أخرج فيلم “شجرة الحياة” (2011) انفتحت شهيته للإخراج، وكأنه أدرك أنه لم يعد هناك متسع من الوقت قبل أن يفوت الأوان، فبعد “شجرة الحياة”، أخرج “إلى الأعجوبة” (2013)، ثم أخيرا فيلم “فارس الكؤوس”.

إلا أن الأنباء تقول لنا إن ماليك يقوم حاليا باستكمال العمليات التقنية الأخيرة بعد أن انتهى من تصوير فيلمين جديدين: الأول لم يكشف عن اسمه بعد، والثاني يحمل عنوان “رحلة في الزمن”. وهي أخبار جيّدة بلا شك، فماليك أحد أكثر السينمائيين غموضا في تاريخ السينما، فهذا المخرج الذي يتمتع بموهبة ترفعه إلى مصاف عظماء السينمائيين مثل برغمان وغودار وأنطونيوني وكوبريك، لا يحب الظهور أمام أجهزة الإعلام ويرفض إجراء المقابلات الصحفية معه، كما يعزف عن حضور المهرجانات السينمائية.

تيرنس ماليك مهموم بالبحث في المصير الإنساني، في علاقة الإنسان بالكون، في مقاربة الإنسان بالطبيعة، وتصوير عجزه أمام قوة الخالق عن الإحاطة بأسرارها، لكنه يصوّر أيضا غضب الإنسان واحتجاجه على الأقدار أحيانا بقوة وقسوة، في نوع من الاندفاع الانتحاري الذي يؤدّي إلى الهلاك.

ماليك يقوم حاليا باستكمال العمليات التقنية الأخيرة بعد أن انتهى من تصوير فيلمين جديدين: الأول لم يكشف عن اسمه بعد، والثاني يحمل عنوان "رحلة في الزمن"

إن الأساس الدرامي في أفلام ماليك ليس شخصيات تلك الأفلام، فهو لا ينشغل كثيرا بالدوافع النفسية أو “الحبكة”، أو الرسالة السياسية والأخلاقية والأيديولوجية، بل يتركز اهتمامه الأساسي على “شعرية” الصورة، وهو غير مهتمّ كثيرا بالخط القصصي الروائي كما في الفيلم التقليدي الأميركي، ودفع المسار الدرامي إلى الأمام نحو ذروة ما، بل باستخدام الصور بطريقة تستمدّ قوتها مما يكمن في ما تمنحه للمشاهد من إيحاءات قد تتجاوز نطاق الصورة المباشرة نفسها.

وهو يمزج كثيرا بين التسجيلي والروائي، وبين الدرامي والواقعي والسوريالي، في سياق شعري “غنائي” إذا جاز التعبير، كما أنه مغرم بتصوير علاقة الإنسان بالطبيعة التي يراها أقوى من الإنسان.

في فيلمه الأول “البلاد السيئة”، يستخدم ماليك السرد على لسان شخصية الفتاة المراهقة “هوللي” (سيسي سباسيك) التي تقطع صلتها بعالمها، وتقرر الالتحاق بـ”كيت” (مارتن شين) وهي تروي لنا قصتها معه، دون أيّ اهتمام بتصوير المشاعر، وكأنها تلعب دورا مباشرا في تبريد الحدث، تخفي ما تريد إخفاءه وتكشف فقط عما تريد الكشف عنه من وجهة نظرها.

إنها تجد نفسها مدفوعة للالتحاق بهذا الشاب دون سبب واضح، بل إن ماليك يرفض أصلا مبدأ السببية أو العلة، سائرا على نهج الفيلسوف هايدغر، بل إن فعل “القتل” الذي يبدأ به الفيلم عندما يقوم “كيت” بقتل والد هوللي دون سبب واضح وبدون دافع أو استفزاز مسبق، يأتي لمجرد إحساسه الغامض بالرغبة في القتل، وهو مدفوع بمواصلة القتل بدم بارد دون هدف.

فالحقيقة أن والد “هوللي” رجل طيب، رأيناه يداعب ابنته ويمرح معها، وابنته لا تتمنى بالتالي الخلاص منه على غرار “مالوري” في “قتلة بالفطرة” لأوليفر ستون، كما أنها لا تبحث عن متعة الانتقام من الأثرياء تعبيرا عن التمرد كما كانت “بوني” في “بوني وكلايد” لآرثر بن.

إن ردّ فعلها اللامكترث، لا علاقة له بالاجتماعي ولا بالنفساني، بل لعله ذلك الاستسلام المثير للقدر، فمقتل الأب يبدو كحادث قدري أقوى من إرادة البطل الصغير، وليس كردّ فعل لأيّ تصرّف عدائي، تماما كما نرى فيما بعد، عندما يطلق كيت النار على زميله من أيام عمله في رفع القمامة، ثم يتركه الاثنان يموت تدريجيا، على الفراش… تذهب إليه هوللي بكل بساطة وبروح ودية، لكي تسأله عما يشعر وهو مشرف على الموت؟
"أيام السماء" الخداع البشري والتحيل للاستيلاء على الثروة

إن فعل القتل عند ماليك، يبدو هنا كما لو كان احتجاجا على “القدر” نفسه الذي جعل الإنسان على هذا الضعف أمام الطبيعة. وهو أيضا تعبير عن رغبة لاواعية، في الإحساس بنوع من “الألوهية”، أي القدرة على القتل المفاجئ دون سبب، أو ادّخار حياة من يشاء، كما يفعل “كيت” عندما يكتفي بحبس رجل ورفيقته حضرا فجأة إلى الكوخ الذي يرقد داخله زميل كيت السابق وهو يعاني سكرات الموت.

“كيت” يريد أن يسجل موقفا خاصا أمام التاريخ يتمّ تذكره به فيما بعد، أمام عالم لا أمل فيه ولا مجال للعثور على الراحة المنشودة، وهو مدفوع بإعجابه الشديد بشخصية الممثل الراحل جيمس دين، يريد أن يصبح “نجما”، ويتمكن من تحقيق هدفه في النهاية عندما نراه قبل أن يساق إلى الإعدام، يجلس أمام العشرات من رجال الشرطة والجيش، يوجهون له الأسئلة في إعجاب شديد، وكأنه أمام مؤتمر صحفي كنجم من نجوم السينما.

أما هوللي فقد اختارت في لحظة ما أن ترتبط به، وأن تتبعه “مهما حدث”، كما تردّد، ثم في لحظة أخرى ودون أيّ سبب أو “علة” ما، تقرر أن تتخلى عنه وتتوقف عن متابعته. وهي لا تبالي إزاء الحياة أو الموت، فلديها نزعة عدمية، تجعل الوجود عندها يتساوى مع العدم.

الخيط الفاصل

في فيلم “الخيط الأحمر الرفيع” (1998) -عن رواية جيمس جويس- نحن أمام بطل وجودي يطرح عشرات التساؤلات حول الحرب، الجحيم، الطبيعة، الإنسان، العثور على الهوية من خلال القتل، أي على الخيط الفاصل بين العقل والجنون، وبين الخير والشر.

إنها رحلة عبثية يخوضها الإنسان مدفوعا بقوى تفوقه كثيرا، نحو التدمير والحرق والقتل، كما لو كان يرى أيضا أن التاريخ البشري لم يتأسس سوى على سلسلة من الصراعات الدامية، وأن الإنسان الذي يمارس كل هذا الدمار لا يدري السبب الذي يجعله يوغل هكذا في العنف، بحيث تصبح الطبيعة الجميلة الرائعة التي نراها في كل مشاهد الفيلم، تتغنى بالخالق وجمال خلقه، قد أصبحت ضحية لصراعات الإنسان.

أيام السماء

في “أيام السماء” يبدو الكون هو الحاضنة التي تحتوي البطلين: بيل (ريتشارد غير) وبروك آدامز (آبي) والطبيعة القاتمة تزيد من شعورهما بالوحشة، وفيه كذلك تتناقض الطبيعة الجميلة مع التآمر بين البطل وفتاته، اللذين يخفيان عن الرجل الثري صاحب المزرعة أنهما حبيبان، ويتظاهران بأنهما شقيقان لكي يتمكنا من تدميره والاستيلاء على ثروته.

وفي واحد من أعظم مشاهد الفيلم نرى كيف تغضب الطبيعة على الإنسان؛ ينتشر الجراد في الحقول، يأتي على الأخضر واليابس، وفي لقطات قريبة نرى الجراد وهو يلتهم أعواد القمح، ثم يبدأ الحشد البشري في محاولة طرده من الحقول ولكنهم يفشلون، بل تتجمع أسراب الجراد فتظلم السماء من كثافتها، ويصبح الإنسان عاجزا أمامها، ويتسبب الصراع العنيف بين الرجلين: بيل وصاحب المزرعة، في اشتعال الحرائق الهائلة بالحقول ويتبدّى العجز الإنساني عن السيطرة على النيران، في واحد من أعظم مشاهد السينما المعاصرة.
لقطة من فيلم "العالم الجديد"

شجرة الحياة

وفي “شجرة الحياة” نرى بطل الفيلم “جاك” بعد أن أصبح رجلا في الخمسين من عمره، يتأمل في ماضيه ، يعود بذاكرته إلى نشأته وهو بعد صبي، في بلدة من ولاية تكساس في خمسينات القرن الماضي، لكي يطرح ماليك من خلاله الكثير من التساؤلات الصعبة عن معنى الوجود، ومغزى تلك الحياة وعلاقة الإنسان بالطبيعة، وما يفعله بنا فراق الأحباء بالموت، بل ومغزى الموت نفسه.

جاك يمرح مع شقيقيه في المزارع المحيطة ببيت الأسرة، ولكن ما هو أهم من الشقيقين والأكثر تأثيرا على حياة جاك وشقيقيه، هما الأب والأم: الأب (براد بيت) رجل حائر ممزق بين ميوله الفنية الموسيقية في الماضي التي لم تتحقق، وما يمكن أن يكون قد نتج عن ذلك من “الإحباط”، وبين دوره الحقيقي الآن كموظف في مصنع قريب للمواد الزراعية في تلك المنطقة الريفية التي تتميز بغاباتها ومزارعها الشاسعة الخلابة. وهو يربي أولاده بطريقة خشنة، جافة، رغبة منه في تنشئتهم أقوياء. وهم يشعرون بالخوف أمامه، لكنهم يحملون تجاهه أيضا الحب: إنه مزيج من الاحترام والهيبة، التقدير والعرفان والارتباط بقوة أكبر، يمكنها أن تمنح الشعور بالأمان، لكنها تفرض شروطا معينة.

أما الأم فهي متدينة شديدة التعمق في تأملها الصوفي الذي يجعلها تربي أبناءها على عدم إغضاب أحد، وهي تخوض رحلة روحية تلغي الحدود بين الواقع والخيال بعد وفاة أحد أبنائها الثلاثة، تذهب وتتطلع بنظرها إلى أعالي الأشجار في الغابة القريبة، تسأل الله “لماذا؟” في صيحة حب واحتجاج، قبول وغضب… لكن أساسا، هو إحساس بالضعف، وبعدم الفهم.

يأخذنا ماليك خارج هذه العائلة التي يعتبرها أصل المجتمع الدنيوي وأساسه، بعد حوالي 20 دقيقة من بداية الفيلم، في رحلة “أوديسية” سوريالية تتشكل الرؤى فيها من لقطات عديدة تتشابك وتتعاقب في تشكيلات لونية مذهلة، شديدة الجمال، تمتزج بالموسيقى الكلاسيكية فتصبح تعبيرا روحيا عن ذلك الأفق الأوسع الذي يصبح فيه العقل البشري أدنى مما يعتقد، وأقل من أن يحيط ويستوعب: إنه تعبير بصري عن بدء الخليقة، عن خلق الكون، من خلال تشكيلات للقطات من النباتات والأشجار والسحب والمحيطات والحشرات، ولنهر يرقد على إحدى ضفتيه ديناصور جريح، بينما يقترب منه ديناصور آخر أكبر منه… صحراء قاحلة برمالها الناعمة تنعكس عليها أشعة الشمس الحارقة، مجموعات من الكواكب والنجوم تدور في مجراتها…

إنها عودة إلى أصل الحياة، أصل الكون، وأصل الوجود: ما الذي يجعل هذا الكون يستمر؟ ما معنى الحياة نفسها؟ كيف يستمر الإنسان رغم الموت؟ ما الذي يمكن أن يسلب الإنسان الحياة؟

تساؤلات غير مباشرة تدور من خلال الصور دون أن ترتبط بالضرورة ارتباطا “دراميا” بمسار الفيلم.

16