تيريزا ماي.. المفاوضة البارعة في رحلة خروج بريطانيا

الاثنين 2017/03/06
مغادرة الاتحاد بكثير من الفطنة وبخطوات واثقة

لندن- من المستبعد أن تذعن رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي للمواءمات السياسية في مفاوضات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي لكنها ستكوّن رأيها في ما تعتقد أنه سيكون أفضل مسار لبريطانيا وسترفض التزحزح عنه. وسيتعين على ماي التي أيدت المنادين بالاحتفاظ بعضوية الاتحاد الأوروبي في استفتاء يونيو الماضي، إما باحتواء المشككين في الوحدة الأوروبية في حزب المحافظين وإما قمعهم، وهي تصوغ استراتيجية التفاوض وأولوياته.

وقبل الاستفتاء الشعبي كانت ماي مؤيدة لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، لكنها أعلنت أنه لا عودة إلى الوراء بشأن نتيجة الاستفتاء، ففي التشكيلة الوزارية لها، استحدثت حقيبة وزارية مهمتها الإشراف على مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأسندتها إلى دايفيد دايفيس. ولم تكشف ماي (60 عاما) -التي توصف في الصحافة البريطانية بأنها أشبه بتمثال أبي الهول- أي شيء يذكر في الأشهر الثمانية الأولى التي أمضتها في قيادة البلاد في ما يتعلق بنهجها في مفاوضات الطلاق من بروكسل وربما يعود ذلك إلى الخوف من إضعاف مركزها.

ولم تتسرع في الاستجابة للضغوط الدافعة نحو بدء المفاوضات سريعًا على شروط انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذ قالت إنها لن تسمح باستعجالها لتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة؛ للبدء في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي قبل نهاية 2016. وأكدت أنها ستعمل على وضع خطة للانسحاب من الاتحاد، وإقامة علاقات تجارية جديدة مع أوروبا، وبقية العالم.

لكن خبرتها السابقة في محاولة الفوز بدعم المشككين في الاتحاد الأوروبي الذين كانوا وراء قرار الانفصال يكشف مفاتيح طريقتها في العمل، فقبل عامين عندما كانت تشغل منصب وزير الداخلية سعت للعودة إلى نظام أوامر الاعتقال الأوروبية رغم معارضة الكثيرين في حزبها. ونالت ماي مرادها في النهاية بعد معركة عنيفة حول هذه الأوامر التي تعجل بتسليم المتهمين في ما بين الدول الأعضاء ولم تتزحزح قيد أنملة عن موقفها ودفعت البرلمان إلى قبول رأيها.

ويرسم تصرفها واستراتيجيتها صورة لمفاوضة عنيدة تتمسك قدر الإمكان بكل حزم بما تعتقد أنه يحقق أفضل المصالح لبريطانيا. وقال عدد من المساعدين الذين عملوا معها في الحكومة ومحام مطلع على تطورات تلك المعركة إنها كانت مدفوعة بالاعتقاد أنها على حق وأن بريطانيا بحاجة إلى الموافقة على أوامر الاعتقال وتدابير أخرى في مجال العدالة بالاتحاد الأوروبي. ورغم تسليمها بما يشوبها من أوجه قصور فلم تكن تسمح لأي شيء بالوقوف في طريقها.

ويقول أنصارها إن نجاحها في نهاية المطاف يمثل دليلا على متانة معدنها السياسي ومعرفتها وخبراتها ومهاراتها في التفاوض، أما منتقدوها فيقولون إن ثقتها في نفسها التي دفعتها إلى شق صدع في حزبها والتصدي لحركة تمرد قد تكون نقطة ضعف إذا ما تحولت إلى تصلب يعوق توصل بريطانيا إلى أفضل صفقة لها. وقالت ماي لبرنامج ديزرت أيلاند ديسكس بهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) قبل أقل من أسبوعين من بدء المعركة “إذا كنت تؤمن بما تفعله فهذا هو المفتاح وإذا آمنت بأنك تفعل ما هو صواب فهذا سيمنحك المرونة”.

تيريزا ماي صرحت بأنها ستطالب بتنفيذ البند رقم 50 من معاهدة لشبونة في نهاية الشهر الجاري لتبدأ بذلك محادثات الانفصال التي تستمر عامين

وبكل صمود رفضت أن تسمح لأعضاء البرلمان بالتصويت على أوامر الاعتقال التي قالت إنها في “صالحنا الوطني” ونكثت بذلك بوعد سابق، الأمر الذي أثار حنق المشككين في الاتحاد الأوروبي وبدلا من ذلك عرضت فقط التصويت على حزمة أوسع نطاق من تدابير العدالة. وفي اعتراف نادر بأن استراتيجيتها قد تكون إساءة في التقدير قالت تيريزا ماي خلال مقابلة مع بي.بي.سي “إذا كنت سأبدأ هذا الأمر من جديد الآن فهل سأفعله بطريقة مختلفة؟ ربما أفعل ذلك في ضوء الفهم لما كان البرلمان يشعر به حينذاك”.

وكانت ماي أمضت ست سنوات وزيرة للداخلية قبل أن تتسلم رئاسة الحكومة من ديفيد كاميرون العام الماضي في أعقاب الاستفتاء في 23 يونيو والذي أيد فيه البريطانيون الانفصال بأغلبية 52 في المئة مقابل رفض 48 في المئة من الناخبين.

وتصف رئيسة الوزراء نفسها بأنها سياسية بلا بهرجة وتبدو غريبة على المشهد السياسي الذي تكثر فيه الإفادات الصحافية السرية. ويعمل أقرب مساعديها المخلصين لها منذ أصبحت وزيرة للداخلية عام 2010 على ضمان تسرب أقل ما يمكن من المعلومات. ووصف مساعد حكومي فريق العاملين معها بأنه “واحد من أكفأ فرق العمل في وستمينستر”.

وصرحت تيريزا ماي بأنها ستطالب بتنفيذ البند رقم 50 من معاهدة لشبونة في نهاية الشهر الجاري لتبدأ بذلك محادثات الانفصال التي تستمر عامين. ومن المتوقع أن يوافق البرلمان على تشريع لبدء المفاوضات بحلول منتصف الشهر. وستدخل ماي المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بقائمة طويلة وعريضة من الرغبات إذ تبتغي أفضل شروط تجارية ممكنة والاحتفاظ بالتعاون الأمني واستعادة السيطرة على الهجرة واستعادة السيادة على القوانين البريطانية.

7