تيريزا ماي تدخل مفاوضات شاقة مع أوروبا بيدين مقيدتين

الثلاثاء 2017/06/13
معركة الاحتفاظ بالمنصب

كانت طموحات رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي مشرقة ووردية عندما دعت إلى انتخابات نيابية مبكرة في 8 يونيو من العام الجاري. كانت تتطلع إلى تفويض شعبي واسع يدعمها في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإلى برلمان بأغلبية مريحة لحزب المحافظين الذي تتزعمه، يضمن لها إقرار أي اتفاقيات تتوصل إليها، وإلى الخروج بصورة “المرأة الحديدية”، على غرار مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء البريطانية السابقة، التي تقود بلادها بقوة وثقة، وتضمن لها الاستقرار والنمو في الداخل، وقوة التأثير في مجريات السياسة الدولية في الخارج.

لكن خمر السلطة سريعة العطب، ورياح السياسة تأتي كثيرا بما لا تشتهي السفن التي تبحر في مياهها. فقد جاءت نتائج الانتخابات العامة في بريطانيا بكل ما لا تشتهيه تيريزا ماي. خسر حزب المحافظين الأغلبية التي كان يتمتع بها في البرلمان بعد أن فقد 13 مقعدا كان يمتلكها في البرلمان السابق، وأصبح في وضع لا يمكن معه تشكيل حكومة جديدة إلا بالتحالف مع حزب صغير في أيرلندا الشمالية.

وخسرت ماي التفويض الشعبي الذي كانت تتطلع إليه. وبعد أن كانت تطالب الناخبين بالتصويت لها “لتقوية يديها”، حسب تعبيرها، في المفاوضات مع الاتحاد، خرجت من الانتخابات بيدين ضعيفتين مقيدتين، فيما صعد نجم غريمها جيرمي كوربن، زعيم حزب العمال، بقوة بعد أن تمكن من إقناع الكثير من الشباب بالتصويت لصالح حزبه. وأضاف 30 مقعدا لحزب العمال في البرلمان الجديد.

على النقيض من الخسائر السياسية التي منيت بها تيريزا ماي والضعف الذي تعاني منه بعد الانتخابات الأخيرة، يبدو الاتحاد الأوروبي أكثر قوة وتنظيما في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد التي من المنتظر أن تبدأ رسميا في 19 يونيو الحالي. إذ أن هناك رؤية واضحة من جانب قادة الاتحاد، وعلى رأسهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، لهذه المفاوضات تقوم على أنه من غير المسموح لبريطانيا بأن تتمتع بمزايا التجارة الحرة مع السوق الأوروبية الموحدة، وأن تتخلى في نفس الوقت عن حرية العمل والانتقال لمواطني الدول الأعضاء في هذا السوق.

ومن ثم، يرفض الاتحاد الأوروبي أن تبدأ المفاوضات مباشرة حول اتفاقية التجارة بين الجانبين، وهو ما ترغب فيه بريطانيا، ويصر على أن يتم التفاوض حول شروط الطلاق بين الجانبين أولا، وبعد أن يتم تحقيق تقدم كاف في الاتفاق على هذه الشروط، يمكن التفاوض حول إي اتفاقية تجارة محتملة بين الجانبين.

ثلاث قضايا معقدة

بالإضافة إلى الخلاف حول تسلسل المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، تواجه تيريزا ماي ثلاث قضايا معقدة نتجت عن الطلاق بين الجانبين. أولا، ضمان حقوق المواطنين الأوروبيين الذين يقيمون في بريطانيا، علاوة على حقوق البريطانيين الذين يقيمون في أوروبا. وعلى الرغم من الاتفاق من حيث المبدأ على هذه القضية، إلا أن التفاصيل معقدة نظرا لأن الاتحاد الأوروبي يطالب بحماية كاملة لمواطنيه من خلال محكمة العدل الأوروبية. ومن غير المنتظر أن تقبل الحكومة البريطانية مثل هذا الطلب نظرا لأنه يعني إخضاع الأوروبيين المقيمين في بريطانيا لغير المحاكم البريطانية.

ثانيا، الوضع في أيرلندا، إذ أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني أنه ستكون هناك نقاط حدود بين أيرلندا الشمالية، وهي جزء من بريطانيا، وبين باقي أيرلندا، وهي دولة مستقلة وعضو بالاتحاد الأوروبي. ويعني هذا أن تكون هناك نقاط جمارك وتفتيش، مثل أي حدود بين بلدين مستقلين، خاصة مع خروج بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة. ونظرا لأن الأغلبية في أيرلندا الشمالية صوتت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، علاوة على الصراع الطويل بين الكاثوليك والبروتستانت في أيرلندا، تظل هذه القضية بالغة التشابك والتعقيد.

خمر السلطة سريعة العطب، ورياح السياسة تأتي كثيرا بما لا تشتهي السفن التي تبحر في مياهها، فقد جاءت نتائج الانتخابات العامة في بريطانيا بكل ما لا تشتهيه تيريزا ماي

ثالثا، الخلاف حول فاتورة طلاق بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذ يرى مسؤولون أوروبيون أن بريطانيا يجب أن تدفع ما بين 80 و100 مليار يورو تعويضا عما سبق أن ألتزمت به خلال عضويتها في الاتحاد، وهو ما ترفضه بريطانيا تماما وترى أنه ما يتحتم عليها دفعه يقل كثيرا عن هذا المبلغ، ولكن لم تحدد الحكومة البريطانية بالضبط ما الذي تراه مناسب للإيفاء بالتزاماتها تجاه الاتحاد الأوروبي.

ونظرا لأن كل هذه القضايا حافلة بتفصيلات كثيرة ومعقدة، وترتبط بتعاملات مالية هائلة بين بريطانيا وجيرانها الأوروبيين، أو بصراع طويل ودموي مثل الصراع في أيرلندا، يبدو من الصعب الاتفاق عليها قبل أن يقع الطلاق الفعلي بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي في مارس 2019، ولهذا تطالب بعض الشركات والمؤسسات البريطانية بمرحلة انتقالية تضمن استمرار المعاملات التجارية بين بريطانيا والاتحاد، حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي، وتزيل مخاوف الشركات البريطانية من تراجع معاملاتها مع أوروبا أو تأثرها بشدة بسبب حالة عدم اليقين السائدة في الأسواق، خاصة تلك الشركات التي تعتمد كثيرا على التعاملات في السوق الأوروبية، مثل شركات الطيران والسياحة ومصانع الأدوية، علاوة على البنوك والمؤسسات المالية.

تراجع في نمو الاقتصاد

إلى جانب كل هذه التعقيدات والصعاب التي تواجهها تيريزا ماي في مفاوضاتها مع أوروبا، هناك مشكلة أخرى بالغة الأهمية على الصعيد الداخلي في بريطانيا، وهي توقعات بعض مراكز الأبحاث بتراجع النمو في الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا بنسبة 2.4 بالمئة في حال خروج بريطانيا من السوق الأوروبية الموحدة.

من بين هذه المراكز مركز دراسات المملكة المتحدة في أوروبا متغيرة الذي يرى أن هذا التراجع في نمو الاقتصاد البريطاني سيكون أكثر حدة إذا تم فرض قيود صارمة على المهاجرين، من الأوروبيين أو غيرهم، بحيث تتراجع أعدادهم، وتتراجع مساهماتهم في سوق العمل البريطاني. ويؤدي تراجع النمو الاقتصادي إلى تراجع إيرادات الدولة من الضرائب، وتراجع قدرتها على تمويل الخدمات الاجتماعية المختلفة، وهو ما يعني المزيد من الضغوط السياسية على حكومة حزب المحافظين.

وكل هذا يعني أن تيريزا ماي تدخل مفاوضات شاقة وقاسية مع الاتحاد الأوروبي بيدين مقيدتين، وبخسائر سياسية داخلية وتراجع في شعبيتها، وعليها بعد كل هذا أن تصل إلى اتفاق مع أوروبا يرضي حزبها، ويحظى بالأغلبية داخل البرلمان، ويضمن مصالح الشركات البريطانية، ويحافظ على نمو الاقتصاد البريطاني، وهي مهمة عسيرة بلا شك. تبدو ماي اليوم أشبه بقائد السيارة الذي كان يخطط لخوض غمار سباق طويل وشاق، لكن ماكينات سيارته أصيبت بعطل مفاجئ، وعليه أن يصلح الأعطال ليواصل السباق، وبسرعة، وإلا سيخرج منه.

كاتب صحافي مقيم في لندن

6