تيريزا ماي خليفة مارغريت ثاتشر التي تبحث عن اليقين

الأحد 2016/07/17
امرأة صعبة صدمت معسكر اليمين التقليدي الذي تنتمي إليه

لندن - لم تسارع تيريزا ماي إلى كابينة القيادة في طائرة تتلاعب بها المطبات. كل ما في الأمر أنها حافظت على هدوئها المعهود، واستمرت في عمل واجباتها التي راكمت تجربتها على مدار ثلاثين عاما كي تصل بها إلى امتحان صعب تخطته باقتدار متوقع.

لا تؤمن رئيسة الوزراء الجديدة في بريطانيا بالانتهازية السياسية في لحظات الأزمة. خلال ستة أعوام على رأس وزارة الداخلية أظهرت اتزانا وحزما في التعامل مع التظاهرات العنيفة، وشاركت في اتخاذ قرار الحرب، وترأست اجتماع “كوبرا” أعلى اجتماع أمني في البلاد وحكمت الشرطة البريطانية بيد من حديد.

لم يكن كينيث كلارك، الوزير في عهد مارغريت ثاتشر وأحد كبار حزب المحافظين، يجامل ماي عندما قال في تسريب صوتي إنها “امرأة صعبة حقا”. وصلت رسالة كلارك على ما يبدو إلى أغلب النساء في مجلس العموم واللاتي سارعن للتصويت لصالحها. وعدت ماي لاحقا بأن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر سيرى حتما “كم هي صعبة”.

كان كلارك يعي جيدا ما يقول. بالنسبة إلى أحد مساعدي ثاتشر، ليس سهلا على كلارك أو أحد من جيله أن يقول ذلك عن امرأة أخرى.

قال كلارك أيضا إنها “لا تحظى بخبرات كبيرة في السياسة الخارجية”، ولديها “رؤية ضيقة في إدارتها لوزارة الداخلية” التي بقيت على رأسها منذ عام 2010.

لم يعرف الكثيرون أبدا عن خطط ماي الكثير. كانت تعمل دائما داخل صندوقها الخاص، ولم تسلّم حتى ديفيد كاميرون نسخة من مفاتيح هذا الصندوق. لكن عندما تستمع إلى كيث فاز رئيس لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان، المكلف بمراقبة عمل الوزارة، تشعر كأنه يتحدث عن امرأة حديدية جديدة.

لم تبن ماي سمعة المرأة الذكية أو الانتهازية أو السياسية البارعة. آخر ما تتمتع به هي الكاريزما أو الحضور أو القدرة الخارقة على التواصل. لكن إرثها بني دائما على صورة “المرأة القوية” التي تعرف ما يجب عليها فعله.

لا تحتاج بريطانيا في لحظة عصيبة كهذه أيّ نوع آخر من القادة سوى شخصية أكثر ما تتمتع به هو القوة. ما عاد أمام بريطانيا وهي على حافة السقوط في فوضى عارمة من خيارات سوى التمسك بكل ما أوتيت من عراقة وقوة وتعدد باليقين. كان التصويت لصالح أندريا ليدسوم، التي انسحبت مبكرا من السباق مع ماي على رئاسة الوزراء، قفزة إلى المجهول في أجواء من عدم اليقين.

لم تكن ليدسوم، ولا بوريس جونسون عمدة لندن السابق الذي انسحب هو الآخر من السباق مبكرا، يؤمنان حقا بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كان أغلب قادة معسكر الخروج في “نزهة” انتهت بالهروب واحدا تلو الآخر من المسؤولية عندما وجدوا أنفسهم أمامها.

توازن بين الأجنحة المؤيدة للخروج من الاتحاد الأوروبي داخل حزب المحافظين، والأجنحة الرافضة لهذا الخروج، عرفت ماي تماما كيف تقيمه ببراعة، ما سمح لها بتقديم نفسها لخلافة كاميرون

وحش رقيق

لم يكن لدى جونسون أو نايجل فاراج أو مايكل غوف الذين قادوا معسكر الخروج عمليا أيّ خطة، لأنهم لم يؤمنوا حقا أن الناس سيصوتون لصالح الخروج. بعدما تسللوا إلى دائرة الضوء لكسب تأييد شعبي ونفوذ سياسي أوسع، سارعوا إلى التسلل خارجها هربا من تحمل مسؤولية هذا النفوذ.

بعد استقالة كاميرون وهزيمة معسكر البقاء، وفرار زعماء معسكر الخروج، لم يبق أمام البريطانيين سوى التوافق. لم يكن التوافق ليتبلور سوى عبر تيريزا ماي.

عرفت ماي تماما كيف توازن بين الأجنحة المؤيدة للخروج من الاتحاد الأوروبي داخل حزب المحافظين، والأجنحة الرافضة لهذا الخروج، ما سمح لها بتقديم نفسها لخلافة كاميرون.

يقول أحد المساعدين الذين عملوا معها عن قرب خلال الأعوام الماضية “ليس من السهل على الإطلاق العمل مع ماي. تستطيع أن تتحول في لحظة إلى وحش”.

آخر ما كان يشغل ماي، وهي تمارس السياسة منذ عام 1986، هي الشعبية، التي حظيت بها السياسية النحيفة طويلة القامة ذات الشعر الرمادي القصير، خلال مرحلة ما قبل السياسة.

كانت تيريزا، ابنة القس الإنجيلي هوبرت فريزر دائما في دائرة الضوء. نشأت تيريزا في ضاحية بمدينة أوكسفورد غربي لندن في عائلة كان كلّ همها تلبية طلبات أتباع الأبرشية التي يقودها والدها. حتى الآن لم تتخل تيريزا عن شعورها بفائدة الأعمال الخيرية التي تشربتها جيدا منذ طفولتها. كانت أكثر المفاجآت المعنوية في تقريرها الضريبي أنها تتبرع بسخاء للجمعيات الخيرية.

تمتعت تيريزا بحياة مريحة في كنف الطبقة فوق المتوسطة التي كانت تنتمي إليها خلال عامين في مدرسة خاصة، ثم مدرسة الحي ثم جامعة أكسفورد حيث درست الجغرافيا.

التحقت تيريزا بعد التخرج مباشرة بمصرف إنكلترا المركزي. في ليلة صاخبة في إحدى الحانات القريبة من مقر حزب المحافظين في لندن، قابلت فيليب جون ماي، الشاب الوسيم الذي يعمل في القطاع المصرفي أيضا، قبل أن يتزوجا.

تيريزا ماي لم تبن سمعة المرأة الذكية أو الانتهازية أو السياسية البارعة. آخر ما تتمتع به هي الكاريزما أو الحضور أو القدرة الخارقة على التواصل. لكن إرثها بني دائما على صورة "المرأة القوية" التي تعرف ما يجب عليها فعله.

لكن القدر لم يكن دائما طيّعا، إذ فقدت والدها في حادث سير بعد التخرج في الجامعة مباشرة، قبل أن ترحل والدتها في العام التالي.

انهالت الضربة التالية على رأس الزوجين عندما اكتشفا أنهما لن يستطيعا الإنجاب. مع ذلك لم يكسر هذا المطب زواجهما، بل جعله أكثر قوة وتماسكا.

كان على ماي أن تجلس لتشاهد زملاءها الرجال يحصدون مقاعد البرلمان خلال خسارتها الانتخابات مرتين متتاليتين لا لشيء سوى لأنها امرأة. فازت أخيرا عام 1997 لأول مرة بالمقعد عن دائرة مايدينهيد المزدهرة في جنوب إنكلترا.

بعد تولي إيان دانكن سميث رئاسة حزب المحافظين في 2001، كانت قوة توني بلير رئيس الوزراء عن حزب العمال آنذاك في أوجها. لم تكترث ماي كثيرا بشعبيتها أو طموحها السياسي الذي بات على المحك عندما قالت في نفس العام إن حزب المحافظين لن يتمكن من استعادة الأغلبية طالما أن الناس ينظرون إليه باعتباره “حزب الأشرار”.

بعد عام واحد أصبحت المرأة الأولى التي تتسلم الأمانة العامة للحزب. صدمت ماي المعسكر اليميني التقليدي الذي تنتمي إليه عندما ألقت بثقلها خلف الشاب الذي كان ينادي بتحديث الحزب وتجميع صفوفه والتخلص من أثقاله السياسية البالية ديفيد كاميرون الذي كان عام 2005 مرشحا لزعامته.

حصدت المكافأة عندما أصبح كاميرون رئيسا للحكومة عام 2010 بتسليمها وزارة الداخلية التي بقيت فيها عند إعادة انتخابها عام 2015، وحافظت على علاقات وطيدة مع وزير الخارجية فيليب هاموند، الذي يطلق عليه داخل الحزب “فيليب الكبير”، ووزير الخزانة المثير للجدل جورج أوزبورن، الذي تعهد بمعاقبة المصوّتين لصالح الخروج من أوروبا بفرض المزيد من الضرائب.

واليوم تواجه ماي بقيادة تيم فارون، زعيم الديمقراطيين الأحرار، نفس لعبة الهجوم السياسي التي أرست هي قواعدها خلال رئاسة غوردن براون العمالي للحكومة. تتلخص هذه اللعبة في جملة واحدة “رئيس الوزراء لا يحمل تفويضا كافيا وعليه إجراء انتخابات عامة مبكرة”.

ميركل في لندن

يجمع مساعدو ماي على أنها أكثر السياسيين البريطانيين ترددا على طاولة المفاوضات. لا تترك ماي الأمور تمرّ من دون أن تدقق في كل التفاصيل وتتأكد من أن الموظفين الذين يعملون معها قد أدّوا ما عليهم على أكمل وجه.

في ألمانيا اخترعوا فعلا يصف المستشارة أنجيلا ميركل أطلقوا عليه “ميركيلين” بمعنى “التريث والانتظار”. لا تتسرع ميركل أيضا في اتخاذ أيّ قرار من دون أن يمرّ عبر ماكينة “الميكرو إدارة” التي ابتكرتها للتأكد تماما من أن القرار الذي توشك على اتخاذه هو القرار الصحيح.

ليس لدى السيدتان الأقوى في بلديهما أولاد. نشأتهما في بيتي قسّين طبعتا على شخصيتي ميركل وماي لمحة تقليدية للشعور بالواجب، وضرورة إنجاز الأشياء. لم يبتعدا خلال القيام بذلك أبدا عن فلسفة المبادئ في مواجهة كل صراعات البراغماتية السياسية.

تتشابه السيدتان أيضا في توقع الولاء المطلق في الرجال والنساء الذين يعملون معهما، وفي تمتعهما برغبة حاسمة في السيطرة.

على الصعيد الشخصي تعرف ماي أن هذه الصفات أفقدتها الدفء الإنساني والقدرة على التواصل وإظهار التعاطف، لذلك وزعت أخيرا عددا من صورها الشخصية وهي تتأبط ذراع زوجها فيليب أو خلال زواجها في الكنيسة عام 1980.

بريطانيا تشعر اليوم بالأمان لأن مستقبلها بات بين يدي سياسية أمينة وصفت نفسها قائلة "أنا لا أجول على محطات التلفزيون، ولا أحب الثرثرة خلال الغداء، ولا أحتسي الكحول في حانات البرلمان، ولا أوزع العواطف المجانية. أنا أقوم بالمهمة التي أمامي لا أكثر ولا أقل"

تدرك أيضا أنها بنت طابعا حديا في حياتها العملية. في وزارة الداخلية انتهجت خطا متشددا جدا، سواء أكان في تعاطيها مع المنحرفين أو المهاجرين السريين أو الدعاة الإسلاميين.

وإذا كان البعض يأخذ عليها افتقارها إلى الجاذبية، فإنهم يقرّون لها بكفاءتها ويتّهمونها ببعض التسلط. فهي قادرة على أن تكون “حازمة جدا” كما فعلت في قضية المتشدد الفلسطيني أبو قتادة الذي تمكنت من إبعاده إلى الأردن عام 2013.

حاربت ماي بقسوة فساد الشرطة، ودخلت في مواجهة عنيفة مع رئيس الوزراء لإقرار قانون التحرش بالأطفال، كما فرضت رؤاها الليبرالية عبر إصرارها على إلغاء التوقيفات العشوائية لأن الأفارقة والعرب شعروا بالتمييز ضدهم من قبل الشرطة.

ورغم اصطياده في الماء العكر، طرح روبرت هالفون، قائد “معسكر الياقات الزرقاء” داخل حزب المحافظين، سؤالا منطقيا: إذا كانت حقا سياسية بهذه القوة، فلماذا اختفت خلال الاستفتاء؟

يعني توقف المنافسة على رئاسة الوزراء قبل أوانها أن ماي لم تكن مجبرة على طرح كل أفكارها التي أبقت عليها داخل الدوائر المغلقة. لكنها قالت إن “نتائج الاستفتاء يجب أن تحترم، ولن تكون هناك محاولات للبقاء في الاتحاد أو الانضمام إليه من البوابة الخلفية”، كما تعهدت أنه “لن تكون هناك انتخابات عامة قبل عام 2020”، أو “اللجوء إلى موازنة طارئة لتغطية نفقات وخسائر قد تترتّب على خروج بريطانيا من الاتحاد”.

وظهرت طبيعتها المتأنية عندما قالت إنه لن يتم تفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة للبدء في مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل نهاية 2016، “وذلك لمنح الجميع الفرصة في الذهاب إلى المفاوضات استنادا لموقف واضح حول طريقة وشكل التفاوض”.

اليوم تشعر بريطانيا بالأمان لا لشيء سوى أن مستقبلها بات بين يدي سياسية أمينة وصفت نفسها قائلة “أنا لا أجول على محطات التلفزيون، ولا أحبّ الثرثرة خلال الغداء، ولا أحتسي الكحول في حانات البرلمان، ولا أوزّع العواطف المجانية. أنا أقوم بالمهمة التي أمامي لا أكثر ولا أقل”.

7