تيري غيليام المولع الأبدي بالمغامرة

الأحد 2015/01/11
تيري غيليام أثبت أنه يستطيع بأربعة ممثلين فقط أن يصنع فيلما ناجحاً

أخيرا تقرر أن يبدأ قريبا المخرج الأميركي – البريطاني تيري غيليام (Terry Gilliam)، تصوير أحدث أفلامه “دون كيشوت”. وهذه هي المحاولة السابعة من جانبه لإخراج فيلم عن رواية سرفانتيس الشهيرة بعد 17 عاما من تجربته المريرة السابقة في تصوير فيلم عن الرواية نفسها بعنوان “من الذي قتل دون كيشوت” في أسبانيا. وكانت تلك المحاولة قد باءت بالفشل أو بالأحرى، بكارثة إنتاجية، حينما دمرت الأعاصير الديكورات الهائلة التي شيدت لتصوير الفيلم مما اضطر غيليام إلى إلغاء المشروع خاصة بعد إصابة بطل الفيلم الممثل الفرنسي “جان روشفور” الذي كان مقررا أن يقوم بدور كيشوت، بمرض في العمود الفقري جعله عاجزا عن العمل.

تيري غيليام مخرج بعيد عن كل ما نعرفه من السينمائيين الأميركيين، فهو يكاد يكون “مهووسا” بالخيال، وخصوصا ذلك الخيال الذي يغوي الكبار والصغار، ويعتمد عادة على قصص كلاسيكية وأساطير قديمة ظلت لعقود، تثير خيال أجيال من البشر مثل روايات “مغامرات البارون مونكهاوزن” و”الإخوان غريم” و”أسطورة هالوديغا” The Legend of)(Hallowdega. وهو ينفق زمنا طويلا قد يصل إلى سنوات، في التحضير والإعداد لأفلامه قبل التصوير، كما يعتمد عادة على ميزانيات كبيرة نسبيا، يذهب قسط كبير منها على الديكورات الغريبة التي يشترك غيليام بنفسه في تصميمها.

الفيلم عند غيليام مغامرة كبرى قد تؤدي إلى النجاح أو إلى السقوط التجاري المروع، كما حدث مثلا بالنسبة إلى فيلمه الأخير “المعادل صفر” (The Zero Theorem) لكن الغريب أن غيليام لا يكف عن المحاولة، بل ويتمكن بوسائله الخاصة، من العثور على من يموّلون له مغامراته السينمائية الخيالية الفريدة.

كان من المفترض أن يقوم النجم الأميركي جوني ديب في فيلم “من الذي قتل دون كيشوت” الذي لم يكتب له أن يرى النور، بدور مدير دعاية في القرن الحادي والعشرين، يعود في الزمن إلى القرن السابع عشر لكي يقابل دون كيشوت، وينضم إليه في مغامراته بعد أن يتصور الأخير خطأ، أنه سانشو بانزا. وقد قضى روشفور وقتها سبعة أشهر في تعلم اللغة الإنكليزية لكي يتمكن من أداء الدور.

أما الفيلم الجديد فقد أدخل عليه غيليام بعض التعديلات فجعل بطله “توبي” وهو مدير إعلانات في العصر الحالي، يرحل إلى اسبانيا لكي يصور فيلما دعائيا، وهناك يلتقي مصادفة مع رجل غجري يمنحه نسخة من فيلم قديم كان قد صوره وهو طالب يدرس السينما، عن دون كيشوت، تدور أحداثه في قرية أسبانية تتمتع بمناظر بديعة ساحرة، فيقرر أن يتوجه عبر طريق غريب إلى مواقع تصوير هذا الفيلم القديم حيث يجد نفسه داخل سلسلة من المغامرات الطريفة.

مخرج بعيد عن كل ما نعرفه من السينمائيين الأميركيين، فهو يكاد يكون "مهووسا" بالخيال، وخصوصا ذلك الخيال الذي يغوي الكبار والصغار

لا يكشف غيليام الكثير عن الفيلم الذي تردد أن جون هيرت سيقوم بدور فيه مماثل لشخصية دون كيشوت، وأن تكاليف إنتاجه هي 21 مليون دولار.


عالم غيليام


كان تيري غيليام الذي تجاوز الآن الثالثة والسبعين من عمره، هو الذي وضع فرقة “مونتي بيتون” البريطانية الشهيرة على خريطة السينما، بل يمكن القول إنه هو المؤسس الحقيقي لتلك الفرقة التمثيلية المتجولة الشهيرة التي حققت نجاحا كبيرا في السبعينات بعد أن استقر في بريطانيا وحصل على جنسيتها في عام 1968 وارتبط بصداقة قوية مع الممثل الأول في الفرقة الكوميدي الإنكليزي المعروف جون سليز (JohnCleese). وغيليام ليس فقط مخرجا سينمائيا بل هوممثل ورسام كاريكاتير وكاتب سيناريو. وقد أخرج لفرقة مونتي ببيتون ثلاثة أفلام للسينما، وسلسلة من الأفلام والحلقات التليفزيونية التي حققت نجاحا كبيرا.

في عام 1981 أخرج غيليام فيلم “سارقو الزمن” (Time Bandits) الذي يقول إنه يعتبره الجزء الأول من ثلاثيته التي تدور “حول عالمنا المجنون المنظم بطريقة تستفزك وتجعلك ترغب في تحطيم هذا النظام والإفلات من العالم بأسره بحثا عن الحرية”. ويعتبر فيلم “برازيل” (1985) الجزء الثاني من تلك الثلاثية، و”مغامرات البارون مونكهاوزن” (1989) الجزء الثالث.

عالم “برازيل” قريب من عالم جورج أورويل في “1984”، لكن الفيلم يتجاوز كل ما سبقه من محاولات لتجسيد عالم المستقبل بعد انهيار الأيديولوجيا وسيادة التكنولوجيا. إنه مزيج سوريالي هائل من كوبريك (أوديسا الفضاء) وفريتز لانج (متروبوليس). ويعتبر “برازيل” من أكثر الأفلام التي تمكّن فيها المبدع السينمائي من تطويع التكنولوجيا لخياله الخاص، وقد صُنع الفيلم قبل ظهور المؤثرات البصرية والصور التي يمكن خلقها عن طريق الكومبيوتر أو(CGI) والتي أصبحت تسبب الكثير من الإحباط اليوم لتيري غيليام، فهو يفضل أن يجسد خياله الخاص عن طريق الديكورات التي يقوم بتشييدها، والحيل التي يبرع في استخدامها من خلال التصوير والمونتاج.

مشهد غرائبي من فيلم "برازيل"


معنى الحياة


في عام 1983 منحت لجنة التحكيم الدولية في مهرجان كان “السعفة الذهبية” إلى فيلم “معنى الحياة” (Meaning of Life) لتيري غيليام. كان هذا هو الفيلم الثالث والأخير لغيليام مع الفرقة. ويتكون الفيلم من 8 فصول (أو اسكتشات) ساخرة تصل في الكثير من المشاهد إلى السوريالية على نمط أفلام بونويل ولكنها تتميز بطابعها الكوميدي وتوجه نقدا شديدا إلى مجتمع البيروقراطية وسيطرة الآلات على الإنسان، وتهجو تقاليد الكنيسة الكاثوليكية، كما يتميز الفيلم بحواره الساخر حد العبث، وبالخيال الخصب لمخرجه الذي يسخر كل إمكانيات السينما في خدمة موضوعه.

عاد غيليام في “مغامرات البارون مونكهاوزن” (1989) إلى الرواية الألمانية الشهيرة يستلهم منها معبرا عن تمرّده الأصيل على عالم الواقع بإحباطاته الكثيرة، محلقا في الخيال دون أن يتماهى أصلا مع فن “الرسوم المتحركة” أو التحريك، بل يمكن القول إنه يتجاوزه بتكويناته التشكيلية البديعة.

يقول غيليام: “بينما كان فيلم “سارقو الزمن” Time)(Bandits عن صبي يرحل عبر الفضاء والزمن والتاريخ حيث لا نعرف ما إذا كان هذا كله مجرد خيال أم حقيقة، وكان “برازيل” عن رجل يرفض تحمل مسؤوليته في الواقع فيقضي وقته في الأحلام يحاول الهرب المطلق إلى الجنون، فإن “البارون مونكهاوزن” هو النهاية السعيدة.. إنه عن ذلك العجوز الذي قد يعيش للأبد.. إنه انتصار للخيال”.

تقع أحداث الفيلم في مدينة أوروبية تخضع لحصار الجيش العثماني في أواخر القرن الثامن عشر. هناك فرقة مسرحية تعرض على خشبة مسرح مسرحية “البارون مونكهاوزن”، يأتي رجل يزعم أنه هو البارون نفسه، ويعرض إنقاذ المدينة من حصار الأتراك إذا ساعدوه في العثور على أصدقائه الأربعة المفقودين. لا يصدقه أحد باستثناء فتاة صغيرة تدعى “سالي” هي ابنة مدير المسرح، تتبعه رغم القصف المدفعي الرهيب الذي يستهدف المدينة وتخوض معه مغامراته. وتقوم نساء المدينة بالتبرع بملابسهن لعمل بالون كبير يطير بواسطته البارون مع سالي ويتجهان إلى القمر، وهناك يلتقيان بذلك القمر المجنون الذي يتصارع جسده مع رأسه المنفصل عنه طول الوقت كنوع من العقاب الذي فرضته عليه زوجته ملكة القمر بعد أن تكررت خياناته لها. وتستمر مغامرات البارون مع سالي، إلى أن يعثرا على أصدقائه الأربعة ذوي القدرات الخاصة الخارقة، ويعود الجميع بقواهم السحرية لإنقاذ المدينة. هل كانت القصة كلها من وحي خيال الرجل الذي نراه في النهاية وهو يقص القصة على أهل المدينة في المسرح، أم أنه كان بالفعل هو “البارون مونكهاوزن” الساحر الكبير الذي يودع سالي في النهاية ويرحل بعيدا في البالون متحديا الزمن نفسه!؟

استخدم غيليام كل إمكانيات مدينة السينما في روما، من المؤثرات إلى تصميم المناظر والديكورات الهائلة وأيضا قدرات مدير التصوير الإيطالي الفذ “جيوسبي روتونو” (الذي صور فيلم “كل هذا الجاز” لبوب فوس). وقد نجح في جعل شخصيات فيلمه تتجاوز ما تملكه شخصيات التحريك من قدرات، فنشاهد مثلا الشخصيات وهي تطير وتصعد إلى السماء أو ترقص في الهواء وتسبح في الفضاء وتبحر في أعماق البحر، ونرى حصان البارون وهو يبرز فجأة من جوف البحر ثم يطير فوق حصون الجيش التركي دون أن ينال منه الأتراك. كما نرى برتولد، أحد الأصدقاء الأربعة للبارون، ويتميز بسرعته الكبيرة في الجري، وهو يجري فيجتاز الجبال ويقفز فوق الأشجار، تماما كما يقفز روبرت دي نيرو في “برازيل” بين ناطحات السحاب في المدينة الخيالية.

تيري غيليام الذي تجاوز الآن الثالثة والسبعين من عمره، هو الذي وضع فرقة (مونتي بيتون) البريطانية الشهيرة على خريطة السينما


الملك الصياد


“الملك الصياد” (KingFisher)هو الفيلم الذي أخرجه غيليام عام 1991 وهو أول فيلم لا يكتب له السيناريو بنفسه، وإنما يعتمد على سيناريو ريتشارد لاغرافينس. وهو ليس فيلما خياليا بل واقعي تماما، وإن كان يمتلئ بالخيالات التي تنبع من داخل عقل الشخصية الرئيسية الثانية، على شكل أحلام وهواجس وتداعيات مخيفة، منها صور لأسطورة “الملك الصياد” أو “الملك الجريح”، آرثر الذي يحاول الحفاظ على الكأس المقدسة (حسب القصة المسيحية) رغم إصابته التي تختلف حسب اختلاف مكان الإصابة.

يروي الفيلم الذي تدور أحداثه في نيويورك المعاصرة، كيف يلتقي رجلان مختلفان تمام الاختلاف عن بعضهما البعض، فتصبح بينهما صداقة حقيقية تساعد كلا منهما على استعادة السكينة إلى حياته مرة أخرى. أولهما “جاك” (جيف بريدجز) الذي لا يبالي بالآخرين، ويعيش لنفسه فقط لكنه يتعرض ذات يوم لموقف يكاد يقضي على حياته، لا ينقذه منه سوى “باري” (روبين وليامز) وهو صعلوك شارد تتراءى له خيالات مريضة تجعل عقله يزداد تشوشا، وهو الذي اختار العيش على الهامش، متشردا بعد مقتل زوجته في حادث عبثي.

يقول غيليام: “عندما قرأت السيناريو وجدت أن أفكاره قريبة كثيرا إلى نفسي، لقد وجدت أن الكاتب يرى العالم بطريقة مشابهة تماما لرؤيتي.. وفضلا عن هذا كان السيناريو مكتوبا ببراعة، كان حزينا، مدهشا، ويحتوي على شخصيات رائعة. أعتقد أن سمعتي لدى الكثيرين قامت على اعتبار أنني مخرج يصنع أفلاما مبهرة مليئة بالمؤثرات الخاصة وبالرؤية البصرية المعقدة، وأفلاما تتضاءل فيها الشخصيات أمام العالم الذي يحتويها. أما في “الملك الصياد” فقد حدث العكس تماما، فقد ثبت أنني أستطيع أن أعمل مع أربعة فقط من الممثلين، وأن أصنع فيلما ناجحا”.

16