تيسير إدريس فنان سوري يتعامل مع التمثيل بروح الهاوي

تيسير إدريس: التلفزيون يستهلك طاقة الممثل والمسرح يجدّدها.
السبت 2021/09/04
"شارع شيكاغو" أحدث مشاركات إدريس في الدراما

تتداخل المجالات الإبداعية عند أهل الفن، ولكن حدودا وعوالم نفسية عميقة تبقى حاضرة بقوة تميّز أحدها عن الآخر، فما يعاش ويقال في المسرح يكون مختلفا عن السينما والتلفزيون وما يشاهد هنا لا يمكن الإحساس به هناك. عن هذه التمايزات يحدّثنا الفنان تيسير إدريس صاحب الحضور الفني الطويل في الفن السوري.

دمشق - عبر سنوات تتجاوز الأربعين عاما قدّم الفنان السوري تيسير إدريس (1954) أدوارا مختلفة في كل فنون الدراما، ويمتلك حضورا خاصا في طريقة أدائه بصوته الجهوري وتقاسيم وجهه الحادة.

دخل مجال الفن المسرحي من خلال الفنان عبدالرحمن أبوالقاسم الذي علّمه أول أبجديات التمثيل عندما كان طالبا في المرحلة الثانوية بدمشق، لكن بداية العمل الاحترافي كانت مع الفنان زيناتي قدسية من خلال مسرحية “وجوه عبر الموت” عام 1970. ثم تتلمذ على يديْ الفنان المسرحي يوسف حنا الذي يعتبره أباه الروحي.

عشق خاص للخشبة

تيسير إدريس: في السينما وجدت السحر والدهشة وفي المسرح تعلّمت الارتجال والتحدّي

قدّم إدريس في المسرح العشرات من الأعمال كان أحدثها مسرحية “الأميرة والصعلوك” للكاتب ألفريد فرج وهي من إخراج حسين أدلبي، ومن أعماله المسرحية: “رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة” و”الدراويش يبحثون عن الحقيقة” و”جسر آرتا وإيزابيل” و”ثلاثة مراكب ومشعوذ” و”حكاية بلا نهاية” و”عريس بنت السلطان” و”بيت الدمية” و”ليالي الحصاد” و”في انتظار غودو”.

رفض مدة ثلاثة عشر عاما العمل في التلفزيون، وكان يعتبر العمل فيه فنا من الدرجة الثانية، لكن معلمه يوسف حنا أقنعه بالعمل في الدراما التلفزيونية وهذا ما كان.

قدّم في السينما العديد من الأفلام، بدأت في العام 1977 من خلال “الأبطال يولدون مرتين” مع صلاح دهني، ثم مشاركة مع محمد ملص في فيلم “الليل” ولاحقا “محارم محارم”، وقدّم مع عبداللطيف عبدالحميد دوره الأشهر الأديب صباح الذي يصارع الحياة بهدوء وعناد في فيلم “صعود المطر”، والذي نال عنه جائزة أفضل ممثل في مهرجان دمشق السينمائي في دورته التاسعة عام 1995.

كما قدّم دورا هاما في فيلم “بوابة الجنة” الذي يستحضر القضية الفلسطينية، للكاتب حسن سامي يوسف والمخرج ماهر كدو، ثم شارك ريمون بطرس في فيلمه القصير “أطويل طريقنا أم يطول؟”، وحديثا قدّم دورا في الفيلم القصير “إنه عالم جميل” للمخرج الشاب رامي نضال حميدي.

أما تلفزيونيا فقدّم العشرات من الأدوار، كان أحدثها دوره في مسلسل “فتح الأندلس” الذي صوّر في بيروت، وهو ينتمي إلى شريحة الأعمال الضخمة، ومن إخراج محمد سامي العنزي. كما قدّم من المخرج الشهير هيثم حقي شخصية متميزة في مسلسل “الدوغري” هي المحامي اليساري “برهان” الذي يكافح ضد قوى الرجعية.

أداء يمزج الواقع بالسينما
أداء يمزج الواقع بالسينما

ويرى إدريس أن فن التمثيل “يعني أن يتخلّص الفنان من كينونته ويدخل في تلابيب الشخصية التي يعمل عليها، فيكونان روحا واحدة جديدة. والممثل يكون أفضل كلما تعمّق أكثر في دراسة الشخصية ودخل في ثناياها وتفاصيلها، وهذا ما يعني اقترابا أكثر من جوهرها، وبالتالي تقديمها بشكل يحمل مصداقية أكبر”.

ويضيف “فن التمثيل ليس مجرد تلفّظ بحوارات تخصّ شخصيات محددة في ظروف معينة، بل هو وعي كامل بالشخصية، ومن ثم تملّك كل ظروفها وطباعها وتفاصيلها ثم التحرّك ضمن منظومتها الفكرية والنفسية”.

وعن علاقته الاستثنائية بالمسرح يقول “عندما كنت نشطا في مجال المسرح، كنت أرفض العمل في التلفزيون، وأعتبره عملا من الدرجة الثانية، وكنت أرفض أي توجه للعمل فيه، ومع مرور الوقت واكتساب المزيد من الخبرة والحكمة وتحت توجيه أستاذي يوسف حنا وبعد ثلاثة عشر عاما من الامتناع عن العمل في غيره، توجهت إلى العمل التلفزيوني، وهي تجربة غنية لا شكّ في ذلك، لكنها بعيدة عن الهوى الخاص الذي أحمله للمسرح”.

وهو يرى في المسرح فضاءات وتحديات لا يمكن أن تكون إلاّ فيه، وقد استشهد بحادثة وقعت له في اليابان قائلا “في مسرحية ‘في انتظار غودو’ التي عرضناها في اليابان اختفى صوتي تماما في يوم العرض نتيجة طارئ صحي، وكان علينا إيجاد حل فوري، فقدّمت العرض صامتا دون حوار وبالدلالات الصوتية المضمرة وإيماء الحركة. ونجح العرض، وفي اليوم التالي تحدّثت الصحافة في اليابان عن العرض الذي تم رغم أن الممثل فقد صوته”.

دور مرجعي

إدريس يعتبر المسرح بمثابة البرلمان الشعبي للممثل
إدريس يعتبر المسرح بمثابة البرلمان الشعبي للممثل

على سطح منزل دمشقي وتحت إدارة المخرج عبداللطيف عبدالحميد قدّم تيسير إدريس مشهدا خالدا، وهو يرقص تحت المطر في فيلم “صعود المطر” مصحوبا بموسيقى علي الكفري. وهو الدور والمشهد اللذان نال عنهما جائزة أفضل ممثل في مهرجان دمشق السينمائي في العام 1995.

يتحدّث عن تلك التجربة وحنينه إليها قائلا “كنت أعي أن هذا الفيلم يحمل أجواء استثنائية وخاصة في مشهد الرقص، وكنت قد تدرّبت على أداء رقصة محددة لمدة طويلة مع الراحلة لاريسا عبدالحميد، لكنني عند تنفيذ المشهد الذي رافقني فيه المؤلف الموسيقي علي الكفري بالعزف الحي شعرت بأن ما كنت تدرّبت عليه بعيد عن تصوّري الأول لشكل الرقصة، فطلبت من المخرج أن أقوم بذلك التغيير فوافق وفعلت، وقدّمنا المشهد بحالة وجد عميقة بين موسيقى الكفري ورقصي والمطر الذي كان ينهمر علينا بغزارة على سطح ذلك البيت الدمشقي، وكان مشهدا آسرا ما زال الناس يتذكّرونه بالكثير من التقدير”.

وخلال مشواره الفني كان منطلق إدريس مبنيا على الانتصار للمسرح على حساب التلفزيون، وعن ذلك يقول “في المسرح أحسّ بمتعة النجاح الفوري، وهذا يعطيني حالة من البحث في الدور لصنع الدهشة في داخلي قبل الجمهور. أشعر أنه لا رقيب عليّ في المسرح سوى أنا والجمهور الذي أقدّم له العرض. وهذا ما لا أجده في التلفزيون الذي تكون فيه السلطة للمخرج، ممّا يُشعرني أنني منفّذ ولست ممثلا، وهو ما كنت أرفضه ومازلت أرفضه حتى الآن”.

الفنان السوري قدّم أدوارا مختلفة في كل فنون الدراما، ويمتلك حضورا خاصا في طريقة أدائه بصوته الجهوري وتقاسيم وجهه الحادة

ويوضّح “هناك ممثلون تخلّصوا من سلطة المخرج التلفزيوني نتيجة النجومية الكبيرة التي تحقّقت لهم. أنا مازلت أرى أن الممثل لا يكون ممثلا إلاّ على المسرح، فهو إبهار قبل كل شيء؛ في المسرح هناك مساحة للعمل على شخص الممثل أكثر من التلفزيون، وأجد أن السينما أقرب إلى المسرح في هذه المنطقة، أما التلفزيون فيستهلك طاقة الممثل الإبداعية مهما كان بارعا، وهو يعتمد أساسا على الحضور والكاريزما، لذلك تجد نجوما في التلفزيون لا يعرفون التمثيل حقيقة”. 

ويتابع إدريس “الممثل في المسرح يتعب كثيرا في البحث عن تفاصيل شخصيته التي سيلعبها من الناحية الفيزيولوجية والنفسية. وعمق المسرح ورائحة خشبته تعطيان طاقة لا يمكن أن تشعر بها في أي مكان آخر؛ يحسّ الممثل فيه بالفرح والمتعة لأنه يعلم أن الشخصية التي يعمل عليها هو من خلقها ودخل روحها وهو يعرف كيف تحكي وتفكّر، وهذا شيء يحقّق له المتعة والسرور، في المسرح تشعر بأنك في برلمان شعبي حقيقي”.

ويتحدّث إدريس بحميمية عن فن المسرح وعلاقته به كهاو حتى اليوم رغم مرور عقود على احترافه له، فيقول “كنت دائما أقول إن المعلم والحضن الأول هو المسرح، نحن انطلقنا من العمل فيه ونحن هواة، أساتذتي في المسرح يوسف حنا وفواز الساجر وجواد الأسدي، علمونا أن الهواية في المسرح ضرورية وحاسمة، وأنا مازلت أعمل بروح الهاوي خاصة في نشاطي المسرحي. لأنه يجعلني أقرب إلى حيثيات وتفاصيل العمل الأولية. في الفن الناجح مساحة كبرى لروح الهاوي التي لا يجب على المحترف إلغاؤها مهما بلغت حرفيته، هذا رأيي ونهجي الذي أعمل عليه وسأبقى أعمل عليه”.

ومع ذلك يعترف الفنان السوري المخضرم بأن السينما حقّقت له المتعة والعمق والدهشة والسحر، موضحا “في السينما شعرت بالإحساس ذاته الذي راودني في المسرح، وكأنها العالم السحري الذي كان أجدادنا يبحثون عنه، أحببت التمثيل في السينما، وكنت أعتقد أنني سأحقّق فيها حضورا طاغيا، لكنني للأسف رغم إخلاصي في العمل فيها إلاّ أنني لم أحقّق ما كنت أطمح إليه، وما حقّقته فيها لا يتجاوز الخمسة في المئة من طموحي الكلي”.

15