تيسير العربية أم تعسيرها؟

الأربعاء 2018/02/07

لعلّ أغلبنا يذكر تلك القصيدة الضاجّة بالشكوى التي كتبها حافظ إبراهيم على لسان اللغة العربية التي تنعى حظّها بين أهلها، حيث يبدو المعنى المضمر في قلب الشاعر مُعلناً في بيته الآتي:

أنا البحر في أحشائه الدرّ كامنٌ / فهل سألوا الغوّاص عن صَدَفاتي

ومنذ ذلك الوقت شاعت في أوساطنا العربية حملة سمّيت “تيسير العربية” كان هدفها المُعلن تبسيط القواعد النحوية العربية وتنقيتها من الشوائب والألغاز المعقدة وجعلها قريبة من التداول اليومي العام، فأين نحن اليوم من هذا الهدف الملحمي النبيل؟

لا أرى شخصياً أي تطوّر حصل في هذا المسعى نحو تيسير العربية، والحقّ أن تعسيراً قد طال تعليم العربية في المناهج المدرسية حتى باتت أقرب إلى مقرّرات دراسية مقيتة يدرسها الطلبة على كراهة بغية اجتياز الامتحانات وحسب؛ بل إنّ المرء يحسب أن هذه المقررات قد صُمّمت لغرض توفير مصدر رزق لبعض المعلّمين الذين يرون في الدروس الخصوصية “الدجاجة التي تبيض ذهبا”.

وواقع الأمر أنّ هذه المقرّرات باتت منفّرة لفرط تركيزها على شواهد نادرة تستند على آيات قرآنية معقدة التكوين أو شواهد شعرية لفطاحل شعراء الجاهلية أو نصوص تراثية ذات هيكلية نحوية صعبة.

ويتناسى واضعو هذه المناهج أنّ الطلبة ليسوا مشاريع مستقبلية لخبراء نحو وصرف وقواعد؛ بل كلّ ما ينبغي أن يتطلّع إليه المرء هو أن يمتلك الطلبة القدرة على التعبير الواضح من غير أخطاء نحوية فاحشة تخدش السمع والبصر والعقل.

ربما يسارع الكثيرون إلى القول إنه لا مكان لقواعد العربية المنضبطة نحواً في هذا المحيط الرقمي المتلاطم الذي يرونه غير متناغم مع المتطلّبات النحوية للغة العربية، أقول لهم بوضوح إنّ العربية لغة خارقة الجمال والأناقة، وإنّ كلّ مُدّعٍ يدعو لتقزيمها والتغاضي عن صرامتها النحوية إنّما هو ناقص القدرات وعاجز عن التعامل مع العربية فضلاً عن اللغات الأجنبية.

ولا ينبغي أن ننسى أنّ كلّ المترجمين والأساتذة العرب الذين أتقنوا اللغة الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية فهماً وترجمة، من أمثال عبدالرحمن بدوي، زكي نجيب محمود، لويس عوض، فؤاد زكريا، حسام الآلوسي، جبرا إبراهيم جبرا، عبدالواحد لؤلؤة إلخ… إنّما هم بالأصل مفتونون باللغة العربية وبارعون في فنونها ومسالكها الكثيرة، ولا أظنّ أحداً يصدّق بوجود من يتفنّن في ملاعبة لغة أجنبية والاستئناس بها وهو عاجز عن التعامل مع أفانين لغته الأم.

هل ثمة سبيل لتجاوز هذه الحالة المؤلمة التي تعانيها اللغة العربية وسط أهلها؟ هذا سؤال لا بد من سؤاله على المستوى الجمعي بالرغم من أنّ البعض -بصرف النظر عن قلة عددهم- هم الذين تكفّلوا من قبل، وسيتكفلون في المستقبل، بتطوير قدراتهم في فنون اللغة العربية على المستوى الشخصي.

أما على المستوى الجمعي فأوّل خطوات العلاج لواقع العربية المرّ هو تنقية المناهج الدراسية من الملغّزات والأحجيات المعقدة والمفذلكة والتي تعتمد نادر القواعد وغريبها غير المطروق، وبعدها ينبغي إثراء تلك المناهج بقواعد مبسّطة من النحو تدعمها نصوص من الكلاسيكيات المعروفة بثرائها وعمقها المعرفي، مثل نصوص أبي حيان التوحيدي والمعتزلة مثلا، وحينها فحسب يمكن للأجيال الناشئة والمتطلعة للمستقبل أن تعلم أيّ جواهر مكنونة قد جرى دفنها والتعتيم عليها في بحر العربية الذي لا حدود لكشوفاته الساحرة.

كاتبة عراقية

14